مسلسل "صحاب الأرض" : سيمفونية الصمود تعتلي عرش دراما رمضان .
2026 ,07 آذار
ميرفت عمر:صوت العرب - القاهرة.
وسط الانتقادات الواسعة لدراما رمضان في النصف الأول، وقف مسلسل "صحاب الأرض" منفردا يستقبل إشادات الجمهور والنقاد، ليس فقط من باب التعاطف مع القضية الفلسطينية وأهوال الحرب التي لا زالت جرح غائر في نفوسنا، والنزيف العربي دفاعا عن الأرض الذي نتابعه عبر الشاشات لسنوات، ولكن لأنه عمل محكم حافظ على تماسكه طوال حلقاته ال 14 ، استطاع أن يكون أكثر قربا من الحدث عابرا ومتخطيا جميع الشاشات، فكل ما شاهدناه خلال السنوات الماضية تم تجميعه بجرعة درامية دسمة من خلال الحلقات
ففي الماراثون الدرامي الرمضاني، حيث تتسارع خطى الدراما كرياح صحراء قاحلة تحمل غبار الزمن، يبرز "صحاب الأرض" كنجم منفرد، يقتنص جائزة الأفضل في سباق النصف الأول بدون منازع، ليس مجرد مسلسل، بل لوحة حية ترسم وجوه فلسطين بألوان الدمع والأمل، تحت إدارة المخرج بيتر ميمي، الذي عزف سيمفونيته الخاصة وسط زخم يفوق الخمسين مسلسلًا.
خلال 14 حلقة لم يفقد ميمي إحكامه على كافة التفاصيل، بل حافظ على تماسكه كصخرة جبلية تتحدى عواصف الملل، يستقطب المشاهد إلى أعماقه كبحر هائج يغرق الروح في موجاته، بينما تقع غالبية الأعمال تحت وطأة الإرهاق الدرامي، مسلسلات تتداعى كأوراق الخريف، تفقد خيطها السردي، أو تغرق في مستنقع الكليشيهات، لكن "صحاب الأرض" يركض بثبات، يتنفس حيوية فلسطينية أصيلة، مستمدًا قوته من قضية لا تنام، من أحداث عاشتها الأمة صوتًا وصورة خلال عامين داميين.
أجمل ما في المسلس أنه لم يكتفي بكونه سرد تاريخي؛ بل تعدى ذلك إلى معايشة فائقة، حيث اقتربت الديكورات والأماكن - التي تم تصويرها في مصر على حسب تصريحات بطل المسلسل إياد نصار - من الواقع كمرآة تعكس الجراح دون تزييف، غزة ليست خلفية، بل نبض يدق في صدر كل مشهد، يجتاح الجانب الإنساني بحيز واسع، يربط المتفرج بعقدة عاطفية لا تنفك.
بيتر ميمي، ذلك الساحر الدرامي، لم يعتمد على السحر الرخيص؛ بل عزف منفردًا بأوتار الاحتراف في زمن تتأرجح فيه الدراما المصرية بين الإفراط في الإنتاج والنقص في الإبداع، جاء "صحاب الأرض" كريح نقية تنفض الغبار عن الشاشة، حافظ على إيقاعه طوال 14 حلقة، كل واحدة تبني على سابقتها كحجارة أسوار قديمة، متينة أمام هجمات المنافسين، الزخم الدرامي لم يطغَ؛ بل اندمج مع التأثير العاطفي الكبير، يتعاطف الجمهور مع القضية الفلسطينية ليس كمراقبين، بل كشهود عيان.
كل حلقة تسترجع أحداثًا حقيقية – قصفًا، مقاومة، حصارًا – لكن بطريقة تجعلها ليست ذكرى، بل جرحًا ينزف أمام العين، ما يميز هذا العمل هو الغوص في البعد الإنساني، حيث يصبح الصمود ليس شعارًا، بل لحمًا ودمًا، اختيار فريق التمثيل كان قمة الاحترافية، في مقدمتهم منة شلبي، التي قدمت دورًا ناضجًا يفوق توقعاتنا، الطبيبة التي تذهب طوعا إلى جحيم الحروب لإنقاذ أرواح بريئة، حافظت منة على نقل إحساس كل مصري عاجز عن الوقوف بجانب أخوته في أزمته الطاحنة، تخلت عن الماكياج وهو ما تسقط فيه كافة النجمات وبدت طبيعية متعبة في أجواء تفتقر إلى أقرب الاحتياجات البشرية، لا تتكلف في انفعالاتها بما تشاهده للمرة الأولى في حياتها، شلبي لم تمثل؛ بل عاشت، تتنقل بين الرعب والأمل كطائر جريح يرفرف بجناحيه المكسورين.
بجانبها، إياد نصار، الذي تماهى مع شخصية الفلسطيني الشهم الصامد بشكل مبهر، من شعره المعكوف إلى ملابسه البالية، مرورًا بتفاصيل صغيرة كحركة اليد أو نظرة العين، صار نصار تجسيدًا للفلسطيني المقاوم، يحمل هم الأرض في كل خطوة، لكن السر الحقيقي يكمن في التفاصيل الصغيرة، تلك الجواهر المخفية التي تجعل "صحاب الأرض" عملًا استثنائيًا، الفلسطينيون، كما يصورهم ميمي، يحبون الحياة رغم الموت الماحق حولهم، لا وقت للحزن الطويل؛ دأبهم يملأ الفراغات، يتعايشون تحت القصف، يضحكون مهما أوجعهم الفقدان، المسلسل يلتقط هذا بدقة شعرية: فهاهو ناصر يفقد عائلته إلا من ابن شقيقه الأكبر يونس وشقيقه الأصغرمجد "’آدم البكري" وبناته في الضفة يعجز عن الوصول إليهم إلا أنه يقوم بطهي الطعام في عرس ابن صديقه راقصا محتفلا، أو الطبيبة التي تضطر لإجراء عملية لزوجها بعد تعرضه للإصابة نتيجة القصف فيكون مصيرهما وجنينهما الاستشهاد بقصف آخر.
عقيدتهم في الإنجاب الكثير للحفاظ على الأرض تتردد كنشيد، "صحاب الأرض" ليسوا غرباء؛ هم حراس التراب، يستفيدون من كل ما يحيطهم للصمود – من زيتونة إلى حجر، وبقايا مواد إسعافية ومنازل محطمة لم يبقى منها سوى جدران متهاوية، خفة الدم وعذوبة الصوت والسرد، ذلك السلاح السري، تتسلل إلى الحوارات كضوء شمس في ليلة عاصفة، الفلسطينيون لا يبكون فقط؛ يمزحون، يغنون، يهتمون بكرة القدم خاصة، وأغلبهم زملكاوية! فالأطفال والكبار يلعبون كرة القدم تحت الحصار، أو مجموعة شباب يناقشون مباراة وسط أنقاض وإنقطاع للكهرباء، هذه التفاصيل ليست زخرفة؛ بل جوهر يتطابق مع خصال الشعب الحقيقي، يجعل المشاهد يبتسم رغم الدموع، والزمالك، يا لها من لمسة مصرية فلسطينية، تربط بين ضفتي النيل والأردن في وئام رياضي.
لا يعيب العمل بعض السقطات في السيناريو أو الجمل الحوارية، كحوارات متسارعة أو انتقالات سردية تبدو مصطنعة، لكنها تتضاءل أمام الطبيعة الخاصة للمسلسل، ميمي، بذكائه، ركز على البناء الإنساني، فغطى على الثغرات كغيمة تمطر أملًا، في ماراثون النصف الأول، حيث ينهار الكثيرون بعد الحلقة الخامسة، بقي هذا العمل واقفًا، يجذب المشاهدين يومًا بعد يوم، يحتل المراتب الأولى في المنصات الرقمية والإعلام.
دعونا نستعرض الإنجازات خطوة بخطوة، كأننا نتبع خطى بطل في سباق:الإخراج المنفرد: بيتر ميمي لم يتنافس؛ بل تفوق، يعزف على 14 حلقة كقطعة موسيقية كاملة، التأثير العاطفي: تعاطف الجمهور مع فلسطين ليس جديدًا، لكن المسلسل جعله معايشة، يسترجع أحداث عامين بصوت وصورة حية، الديكورات الواقعية: أماكن اقتربت من غزة الحقيقية، ليست استوديوهات مصطنعة، بل أرض محروقة تعكس الجراح، فريق التمثيل: شلبي ونصار في القمة، مع نخبة من النجوم الذين أبدعوا كلا في مساحته ومنهم محمد يوسف أزرور الذي قدم شخصية "علي" الذي كان عونا لأهله رافضا ترك مكانه مهما كانت حياته مهددة، آدم البكري الذي قدم شخصية الراصد بكاميرته لتفاصيل الدمار واستباحة العدو لشعبه ومقدراته، وكامل الباشا الذي قدم شخصية المدرس المتقاعد الذي أصابه أحد أنواع الزهايمر فينسى الأحدث ويحتفظ في باطنه بأعمق التفاصيل القديمة، قدمت الشخصية بأبعاد إنسانية تحمل زهوا وعدم الانكسار، والقائمة تطول الكثيرين من النجوم كل واحد يعيش دوره كقصة مستقلة.
التفاصيل الإنسانية: حب الحياة، الدأب، عدم الاستسلام للحزن، الإنجاب كاستراتيجية بقاء، الاستفادة من الطبيعة، خفة الدم، والزمالك كرمز للوحدة، هذه العناصر تجعل السقطات تبدو تافهة، كحجر صغير في طريق جبلي مقارنة بالمنافسين: لماذا الأفضل بدون منازع؟في النصف الأول من الماراثون الرمضاني، 50 مسلسلًا يتنافسون: بعضها 15 حلقة قصيرة تهرول ثم تسقط، وأخرى 30 حلقة طويلة تتعثر في الملل، "صحاب الأرض" يفوز لأنه لم يفقد القدرة على الاستقطاب؛ كل حلقة تنتهي بسؤال مفتوح، تعيدك غدًا. المنافسون يغرقون في الرومانسية السطحية أو الجريمة الرخيصة والقصص المكررة، بينما هنا القضية الفلسطينية تُروى بإنسانية، تجتاح القلوب كفيضان.
الجانب الأدبي: فلسطين في مرآة الدراما أدبيًا، "صحاب الأرض" قصيدة ملحمية، كأشعار محمود درويش تتجسد على الشاشة، الصمود ليس كلمة؛ بل حركة: أيدٍ تبني من الركام، أطفال يلعبون كرة قدم بين الحفر، أمهات يُنجبن أملًا. خفة الدم فلسفة حياة، "نضحك لئلا نبكي"، والزمالك رابط ثقافي يذيب الحدود.ميمي يقول بصمته: الدراما ليست ترفيهًا؛ بل شهادة. في رمضان 2026، حيث يبحث الجمهور عن عمق وسط السطحية، يقتنص "صحاب الأرض" التاج بدون منازع، يثبت أن الفن يصنع التاريخ.
(الاخبار المسائي).
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون