2026 ,10 أيلول

صوت العرب: الأردن.
تمر هذه الأيام ذكرى رحيل الفنان والعرائسي التونسي الأسعد المحواشي، ذلك الاسم الذي ارتبط لأكثر من ثلاثة عقود بفن العرائس في تونس، والذي أسهم بإبداعه وتجربته في أن يصبح هذا الفن جزءا أساسيا من المشهد المسرحي التونسي، وأن يجد لنفسه حضورا لافتا في الساحات العربية والدولية.
بدأ المحواشي مسيرته الفنية سنة 1986، ومنذ بداياته لم يتعامل مع العروسة باعتبارها مجرد دمية تتحرك على الخشبة، وإنما باعتبارها شخصية مسرحية لها ملامحها وحضورها ودورها في بناء الحكاية. ومن هنا جاءت تجربته القائمة على البحث والتجريب، وعلى الجمع بين العروسة والحكي والتشخيص والموسيقى والإضاءة، ليقدم لغة مسرحية خاصة قادرة على مخاطبة الطفل والكبار معا.
كان من أبرز الفنانين الذين أسهموا في تطوير تجربة المركز الوطني لفن العرائس منذ تأسيسه سنة 1993، وقدم خلال مسيرته أعمالا تركت بصمتها، من بينها السيد والعبد، ومن العشق ما قتل، ولقاء، وطبيب الضيعة، مؤكدا في كل تجربة أن مسرح العرائس ليس فنا للفرجة وحدها، بل وسيلة للتفكير وطرح الأسئلة ومقاربة الواقع من خلال الخيال.
وكان عرض لقاء إحدى أهم محطات تجربته، بعدما توج بالجائزة الأولى لأحسن عمل مسرحي موجه للأطفال في المهرجان العالمي لفن العرائس بماليزيا سنة 2017، وهو تتويج أكد قدرة المسرح العرائسي التونسي على الوصول إلى المنصات الدولية ومنافسة التجارب العالمية.
وفي مسيرته، برزت علاقته بالمخرج محمد منير العرقي باعتبارها واحدة من العلاقات الفنية التي جمعت بين رؤيتين للمسرح، وأسهمت في فتح مساحات جديدة للتجريب. وكان وجود المحواشي ضمن فريق عرض مايراوش للعرقي، المأخوذ عن مسرحية العميان لموريس ميترلنك، في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي سنة 2023، امتدادا لهذه العلاقة الفنية، التي لم تكن مجرد مشاركة في عرض، وإنما لقاء بين تجربة عرائسية راسخة ورؤية إخراجية تبحث في إمكانات الجسد والدمية والصورة المسرحية.
وفي القاهرة، كنا جميعا، من مختلف الوفود، نعيش أجواء المهرجان، قبل أن يتحول الفرح المسرحي إلى صدمة قاسية مع رحيل الأسعد فجر الثامن من سبتمبر 2023 إثر جلطة دماغية مفاجئة. كان الخبر ثقيلا على الجميع، وكان رحيله في قلب المهرجان، وبين المسرحيين الذين جاء ليشاركهم الاحتفاء بالمسرح، أكثر إيلاما وقسوة.
لقد فقدت تونس برحيله واحدا من أهم صناع العرائس، وفقد المسرح العربي فنانا امتلك رؤية خاصة لهذا الفن. أما علاقته بمحمد منير العرقي، فقد بقيت شاهدة على قدرة الفنانين على الالتقاء حول مشروع مسرحي يتجاوز الأشكال التقليدية، ويمنح العروسة والجسد والصورة فضاءات جديدة للتعبير.
رحل الأسعد المحواشي، لكن تجربته لم ترحل. بقيت في عرائسه وشخصياته وأعماله، وفي تلامذته، وفي ذاكرة المهرجانات التي حمل إليها اسم تونس، وفي كل خشبة جعل عليها من الدمية كائنا حيا، ومن المسرح مساحة للحلم والتفكير.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في ذكرى الأسعد أن العروسة التي أحبها لم تصمت بعد رحيله، بل ظلت تتكلم، وكأنها تحمل صوته إلى الأجيال القادمة.