د.صلاح القصب.. رحيل رائد مسرح الصورة وتجربة فتحت آفاقا جديدة للتجريب في المسرح العراقي والعربي.
2026 ,18 آب
صوت العرب:الاردن.
برحيل الدكتور صلاح القصب، يفقد المسرح العراقي والعربي واحدا من أبرز الأصوات التي اختارت التجريب طريقا، والبحث طريقا آخر، والإبداع مساحة لا تنتهي. رحل القصب بعد مسيرة طويلة تجاوزت خمسة عقود، ظل خلالها وفيا لفكرة المسرح بوصفه فنا قادرا على التجدد، وعلى تجاوز القوالب الجاهزة، وعلى البحث عن لغة مختلفة تستطيع أن تخاطب الإنسان بالصورة والجسد والحركة والضوء والصوت والفضاء، وليس بالكلمة وحدها.
البدايات:
ولد صلاح القصب في بغداد، ونشأ في بيئة عراقية كان المسرح فيها يتشكل بوصفه أحد أهم وجوه الثقافة والفن. ومنذ بداياته الأولى اتجه إلى المسرح، قبل أن يواصل دراسته الأكاديمية ويتخصص في الإخراج المسرحي، لتبدأ رحلة طويلة ستضعه لاحقا في مقدمة المخرجين العراقيين الذين اشتغلوا على التجريب، وأعادوا التفكير في وظيفة المخرج وعلاقته بالنص والممثل والفضاء والمتلقي.
لم يكن القصب مخرجا يكتفي بتقديم النصوص كما كتبت. كان يبحث عن شيء آخر. كان يريد أن يرى ما وراء الكلمات، وأن يمنح الخشبة قدرة على التعبير من خلال الصورة. ومن هنا بدأت ملامح مشروعه الأبرز، "مسرح الصورة"، وهو المشروع الذي ارتبط باسمه وأصبح واحدا من أهم تجارب المسرح التجريبي العراقي والعربي.
مسرح الصورة
كان يرى أن الصورة ليست عنصرا جماليا يضاف إلى العرض، وإنما لغة قائمة بذاتها. فالجسد يمكن أن يتحدث، والحركة يمكن أن تحمل معنى، والضوء يمكن أن يصنع حالة، والفراغ يمكن أن يصبح جزءا من الحكاية، والسينوغرافيا يمكن أن تتحول من مجرد خلفية إلى عنصر فاعل في صناعة الدلالة.في مسرح القصب لا تكون الصورة مجرد مشهد جميل. إنها سؤال.والمتلقي لا يجلس أمام عرض يقدم له المعنى جاهزا، بل يجد نفسه أمام عالم من الإشارات والرموز والعلاقات البصرية التي تفتح المجال أمام التأويل. ولهذا ارتبط مسرح الصورة عنده بفكرة المشاركة، لأن المشاهد يصبح شريكا في بناء المعنى، لا مجرد متلق لما يقوله النص.
التجريب:
كانت تجربة "هاملت" واحدة من المحطات المهمة في مسيرته، ومنها اتسعت رؤيته الإخراجية، وتوالت تجاربه مع نصوص شكسبير وتشيخوف وغيرها من النصوص العالمية، فاشتغل على "العاصفة" و"مكبث" و"الملك لير" و"طائر البحر" و"الخال فانيا" و"الشقيقات الثلاث"، إلى جانب عدد من التجارب التي حملت بصمته الخاصة.
لكن قيمة القصب لم تكن في عدد الأعمال التي أخرجها، وإنما في الطريقة التي كان ينظر بها إلى المسرح.
كان التجريب عنده موقفا فكريا قبل أن يكون أسلوبا إخراجيا. لم يكن يسعى إلى الغرابة أو كسر الشكل من أجل لفت الانتباه، وإنما كان يريد أن يكتشف إمكانات جديدة للعرض المسرحي. كان يسأل باستمرار: كيف يمكن للصورة أن تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله؟ وكيف يمكن للجسد أن يصبح نصا؟ وكيف يمكن للفضاء أن يتحول إلى ذاكرة؟ وكيف يمكن للمسرح أن يفتح أبوابه أمام الحلم والأسطورة والطقس والخيال؟هذه الأسئلة جعلت تجربته مختلفة.
المخرج والأستاذ:
لقد كان صلاح القصب مخرجا وأستاذا وباحثا ومنظرا. ولذلك لم تبق أفكاره محصورة في العروض التي قدمها، بل امتدت إلى أجيال من المسرحيين الذين عرفوه أستاذا ومعلما وصاحب تجربة تستحق التأمل. وكان حضوره الأكاديمي جزءا من مشروعه، لأنه لم يكن يريد أن يكتفي بصناعة العرض، بل كان يسعى أيضا إلى فهمه وتفسيره وإعادة التفكير في أدواته.
ومن هنا جاءت أهمية ما تركه من أفكار وكتابات حول مسرح الصورة، والتي أسهمت في تحويل تجربته من مجرد ممارسة إخراجية إلى مشروع فكري وجمالي له ملامحه وأسئلته.
أثر عربي:
وفي المسرح العراقي، يمثل القصب جزءا من ذاكرة التجريب التي حاولت أن تجعل من الخشبة مساحة للبحث لا للتكرار. فقد جاء في مرحلة كان المسرح العراقي فيها يعيش تحولات كبيرة، وكان المسرحيون يبحثون عن طرق جديدة للتعبير، فكان واحدا من الذين دفعوا بهذا البحث إلى مناطق أكثر جرأة وانفتاحا.
أما في المسرح العربي، فقد تجاوز حضوره حدود العراق، وأصبحت تجربته حاضرة في النقاش حول المسرح البصري والتجريب، خصوصا في ما يتعلق بعلاقة الصورة بالنص، وعلاقة المخرج بالعرض، ومكانة الجسد والسينوغرافيا في صناعة المعنى.
ولعل أهمية تجربته عربيا لا تكمن في أنها قدمت نموذجا جاهزا ينبغي تقليده، وإنما في أنها طرحت مقترحات جمالية وأسئلة جديدة حول لغة العرض المسرحي، ودفعت بعض التجارب إلى إعادة النظر في العلاقة بين الكلمة والصورة، وبين النص والفضاء، وبين الممثل والجسد.
غياب وأسئلة:
واليوم، فإن غياب صلاح القصب لا يعني غياب تجربته.ربما تكون الخسارة الحقيقية في رحيله أن المسرح العراقي والعربي فقد أحد أصواته التي كانت ترفض الاطمئنان إلى الشكل التقليدي. فقدنا مخرجا كان يؤمن بأن المسرح لا يستطيع أن يعيش من دون مغامرة، وأن التجريب ليس ترفا، بل ضرورة لحماية الفن من الجمود.
سيترك القصب فراغا في المسرح العراقي، ليس فقط لأنه مخرج صاحب تاريخ طويل، وإنما لأنه كان يمثل اتجاها في التفكير المسرحي. وسيحتاج المسرحيون العراقيون والعرب إلى وقت طويل حتى يستوعبوا حجم الغياب، لكنهم في الوقت نفسه يمتلكون إرثا غنيا يمكن أن يستمر من خلال الأجيال التي عاصرت تجربته، ومن خلال الفنانين الذين تأثروا بأفكاره، ومن خلال الأسئلة التي تركها مفتوحة.
رحل صلاح القصب، لكن "مسرح الصورة" الذي حمل اسمه سيظل حاضرا في ذاكرة المسرح.فالصورة التي بحث عنها لم تكن صورة عابرة على الخشبة، بل كانت طريقة في التفكير، ورؤية للعالم، ومحاولة لتحرير المسرح من سلطة الشكل الواحد.ولهذا فإن رحيله ليس نهاية مشروع، بل بداية مرحلة جديدة لقراءة هذا المشروع، واستعادة أسئلته، وربما اكتشاف ما لم يكتشفه الآخرون بعد.وهنا تكمن قيمة الفنان الحقيقي. أن يرحل، وتبقى الأسئلة.أن يغيب الجسد، وتظل الصورة.أن ينتهي العرض، وتبقى الخشبة مفتوحة على الاحتمال.
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون