المطربة مروة ناجي... صوتٌ يواصل الدفاع عن الطرب الأصيل من جرش إلى موازين.
2026 ,28 حزيران
رسمي محاسنة:صوت العرب – الاردن.
لم تأتِ مشاركة الفنانة المصرية مروة ناجي في الدورة الحادية والعشرين من مهرجان موازين – إيقاعات العالم بوصفها مجرد إضافة جديدة إلى سجل حفلاتها العربية، بل جاءت امتدادًا لمسار فني ظل يتبلور على مدى سنوات في أبرز المهرجانات التي تحتفي بالأغنية العربية الأصيلة. فمن مهرجان الفحيص ثم مهرجان جرش في الأردن، وصولًا إلى المسرح الوطني محمد الخامس في الرباط، تبدو مروة ناجي مخلصة لخيار فني واحد لم تبدله رغم تغير الذائقة الموسيقية وتبدل اتجاهات الإنتاج، وهو الانحياز إلى الأغنية التي تقوم على قوة اللحن، ورقي الكلمة، وصدق الأداء.
وفي أمسيتها المغربية، لم تعتمد على عنصر المفاجأة بقدر ما اعتمدت على الثقة بمشروعها الفني. فقد قدمت برنامجًا غنائيًا يعكس شخصيتها، متنقلة بين روائع المدرسة الطربية العربية، قبل أن توجه تحية خاصة إلى الأغنية المغربية بأداء عدد من الأعمال التي ارتبطت بذاكرة المستمع المغربي، في خطوة عكست وعيها بأن التواصل مع الجمهور لا يتحقق فقط بجمال الصوت، وإنما أيضًا باحترام خصوصية المكان وثقافته الموسيقية.
ولم يكن تفاعل الجمهور المغربي مع الحفل وليد اللحظة، بقدر ما جاء نتيجة طبيعية لفنانة اعتادت أن تبني علاقتها بجمهورها على الأداء الحي، والالتزام بقيمة الأغنية، بعيدًا عن المبالغة أو البحث عن التأثيرات السريعة التي أصبحت سمة كثير من الحفلات المعاصرة.
صوت يحمل ملامح المدرسة الكلاسيكية
تملك مروة ناجي خامة صوتية تضعها ضمن الأصوات العربية القادرة على أداء الأعمال الطربية بما تتطلبه من إمكانات تقنية وإحساس موسيقي رفيع. فصوتها يجمع بين الاتساع والمرونة، ويمنحها قدرة على الانتقال بين المقامات والطبقات من دون أن يفقد دفئه أو صفاءه.
وقد أسهمت دراستها الأكاديمية في الغناء الأوبرالي في صقل هذه الإمكانات، فأصبح التحكم بالنفس، ودقة الأداء، والالتزام بالبناء الموسيقي، عناصر ثابتة في شخصيتها الفنية. غير أن قيمة هذا التكوين لا تكمن في الجانب التقني وحده، وإنما في قدرتها على توظيفه داخل الأغنية العربية دون أن يطغى على روحها الشرقية أو عفويتها التعبيرية.
انحياز واضح إلى زمن الأغنية الكبيرة
لم تتعامل مروة ناجي مع تراث الطرب العربي بوصفه مادة للحنين، وإنما باعتباره مدرسة فنية متكاملة تستحق أن تستمر في وجدان الأجيال الجديدة. ولذلك جاءت اختياراتها منذ بداياتها منسجمة مع هذا التصور، فحملت إلى جمهورها أعمالًا ارتبطت بأسماء صنعت تاريخ الغناء العربي، وقدمتها بروح تحافظ على أصالتها، مع لمستها الخاصة التي تميز أداءها.
إن انحيازها إلى هذا اللون لا يعكس موقفًا من الماضي بقدر ما يعبر عن إيمان بأن الأغنية الجيدة لا تفقد قيمتها بتغير الزمن، وأن الأعمال التي تقوم على اللحن المتين والكلمة الراقية تظل قادرة على مخاطبة الوجدان متى وجدت من يقدمها بإخلاص واحترام.
بين الأوبرا والطرب العربي
نجحت مروة ناجي في تحقيق معادلة ليست سهلة؛ إذ استفادت من أدوات الغناء الأكاديمي دون أن تسمح لها بأن تعزلها عن الذائقة العربية. فهي لا تقدم الأوبرا في ثوب شرقي، ولا تقلد أساليب الطرب التقليدي، وإنما تصوغ أداءً يجمع بين الانضباط الذي تمنحه الدراسة، والعاطفة التي تتطلبها الأغنية العربية.
ولهذا تبدو حفلاتها متماسكة البناء، تقوم على حسن إدارة الأداء، وتنوع الإيقاع، والقدرة على المحافظة على مستوى واحد من الجودة طوال الحفل، وهو ما يمنح جمهورها تجربة استماع متكاملة أكثر من كونه مجرد متابعة لمجموعة من الأغنيات.
اختيارات لا تخضع للموضة
في وقت أصبحت فيه سرعة الانتشار هدفًا رئيسيًا لدى كثير من الفنانين، اختارت مروة ناجي طريقًا مختلفًا، يقوم على التمهل في الاختيار، والإيمان بأن القيمة الفنية هي الضمان الحقيقي لاستمرار الفنان.
ولذلك تبدو أعمالها وحفلاتها انعكاسًا لقناعة راسخة بأن النجاح لا يقاس بعدد المشاهدات أو سرعة التداول، وإنما بقدرة الفنان على بناء علاقة طويلة الأمد مع جمهوره، علاقة أساسها الثقة فيما يقدمه من فن، لا الاستجابة العابرة لمتطلبات السوق.
حضور يرسخ مكانة صاحبة المشروع
من يتابع حضور مروة ناجي في المهرجانات العربية يلاحظ أنها لا تنتقل بينها بوصفها فنانة تؤدي حفلات متفرقة، بل تحمل معها مشروعًا فنيًا متكاملًا أينما ذهبت. وهذا ما جعل مشاركاتها، سواء في الأردن أو المغرب أو غيرهما، تتجاوز حدود المناسبة الفنية لتؤكد حضور صوت عربي يراهن على الجودة والاستمرارية.
ولعل هذا ما يفسر المكانة التي أصبحت تحظى بها في المشهد الغنائي العربي؛ فهي لا تقدم نفسها باعتبارها وريثة لأحد، ولا تسعى إلى استنساخ تجارب من سبقوها، وإنما تعمل على تثبيت حضورها من خلال قراءة واعية للتراث، وصوت يمتلك أدواته، واختيارات تعكس شخصية فنية مستقلة.
وفي زمن تتغير فيه ملامح الأغنية العربية بوتيرة متسارعة، تواصل مروة ناجي تقديم نموذج لفنانة تؤمن بأن الحفاظ على الطرب الأصيل ليس وقوفًا عند الماضي، بل استثمارٌ في قيمة فنية أثبتت قدرتها على تجاوز الزمن. ومن جرش والفحيص إلى موازين، يتواصل هذا المسار بثبات، مؤكدًا أن الأغنية العربية الجميلة لا تزال تجد من يحملها إلى جمهورها بإيمان ووعي واحترام.
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون