كاظم نصار: صوت العرب - بغداد.
حين ترك رامبو مدينته في شارلفيل وجاء الى باريس بالقطار قال "انا ذاهب الى باريس لانتف لحية فيكتور هيجو "،لكن رامبو ورغم موهبته الفذة في الشعر عاش حياة غامضة وملتبسة وصعبة انتهت به تاجرا للاسلحة في عدن ومن ثم ميتا بعمر مبكر لم يمشي وراء جنازته حسبما اتذكر سوى اخته ايزابيلا ..
ومع ان باريس مدينة الاضواء والحرية الا ان رواية (عراقي في باريس) يروي كاتبها وبطلها انه عاش اكثر من اثني عشر عاما في الشارع وفي الحدائق وفي محطات القطار وفي بيوت خليلات متقدمات في السن ....
في العاصمة بغداد يأتي اولادنا من المدن القصية للدراسة او العمل او العيش يأتي بعضهم وهو يحلم انه فاتح جديد لبغداد شعرا وفنا وادبا فتصعقه بغداد بقسوتها ودرابينها ومقاهيها ومطاعمها وهو المدجج بموهبته وحسب بلا حصانة اجتماعية وبلا بيت ولا عائلة ولا رصيد مالي
بغداد التي تهيمن عليها الثقافة الرسمية بمعطياتها ومؤسساتها الجامدة والحذرة من اية موهبة جديدة فالتة عن سياقها . ....
فيلجأ هذا القادم الى اي حضن اجتماعي افتراضي فيقضي 16 ساعة في المقهى وماتبقى في البارات وصباحا يمضي الى عمله بدون حتى ان يمشط شعره
هذا القدوم التراجيدي ادى الى موت البعض على الارصفة اوتحت مظلة باص المصلحة اوفي الغرف العتبقة الخالية من الهواء الطبيعي وبعضهم مات تحت جسر الصالحية والى جانبه ليمونة ممصوصة واحدة
ومن زاوية اخرى وتحت ضغط هذا الاغتراب المدمر تورط كثير من اولادنا القادمين من هذه المدن القصية بزواجات ملتبسة اضافت لضياعهم ضياعا وغربة اخرى دفعوا بسبب ذلك اثمانا باهضة
احدهم تزوج لمجرد ان معجبة ارسلت له قبلة طائرة في الهواء
ظن البعض منهم انهم سينتفون لحية فيكتور هيجو عراقي لكن للاسف والالم نتفت لحيتهم هم ودخلوا في اشكاليات العيش والتغلب على عاداتهم التي تربوا عليها في مدنهم القصية ومحاولة الانسجام مع التقاليد البغدادية والاشكال العثمانية التي يروها في مقاهي بغداد وفي شارع الرشيد والحيدرخانة ....
ظلت اللكنة والزي وطريقة المشي المتلفتة والمتعثرة علامة فارقة امام تقاليد البغداديين والذين يتحدثون عن مطعم جديد سبع ساعات متتالية ويعبرون جسورا وساحات للوصول اليه تحت عبارة
لك داد هذا ابن كميلة فاتح محل مال كبة بذاك الصوب تاكل اصابعك وراه ...ابن كميلة منو
لك ابن كميلة ابن قدوري لايادريع ....
كانت ازقة بغداد القديمة الضيقة تخنقهم وهم القادمين من مساحات مفتوحة اما معاركهم الادبية والفنية وهم عرايا في اخرة الليل فهذه من علامات الادب والشعر والفن .
قلب هولاء بمواهبهم الفذة مسار الادب والفن واسسوا لفن وادب جديدين لكن ذلك لم يات دون خسائر وخسارات جمة وفادحة
ومن هذا المنفى الاختياري عن مدنهم الاصلية الى منفى اخر جديد قسري خرجت ثلاثة اجيال الى المهاجر والمنافي وعاشوا هناك هم واولادهم واحفادهم
وربما تكررت فاجعة بغداد وقوانينها وتقاليدها هناك لكن الخسارات مازالت متتالية وبعضها غير مرئي وغير مدون رغم الفارق المعيشي المختلف ....
سألت صديقا شاعرا مرة
لما لم تذهب مع رفاقك الى سموات اخرى
قال لي :
انا شاعر اكتب بالعربية والشعر العربي هويتي
فمنو يشتري الشعر العربي بفلس هناك ...
والسؤال الابرز
هل يستحق الادب والفن كل تلك المصاعب الكبرى والتحديات الاكبر وكل تلك العذابات الفائقة
ام ان الحياة اكبر واهم وابقى ...