*أماني أبو العنين:صوت العرب - الأردن.
نعيشُ في زمنٍ بلغ فيه الزيفُ درجةً مُرعبةً من الإتقان…
زمن أصبح فيه الإنسانُ أكثرَ حرصًا على تلميع صورته من تهذيب روحه، وأكثرَ اهتمامًا بترتيب ملامحه أمام الآخرين، بينما تعصف الفوضى في أعماقه بخوفٍ مريب.
أيُعقل أن يصبح الصدقُ موضعَ اتّهام، والوضوحُ سلوكًا غير مرغوب؟! وهل بات الإنسانُ يُقاس بقدرته على التكيّف والتلوّن، لا بعمق وعيه وصفاء جوهره؟!
سؤالٌ يُؤجِّج فكري: مَن نكون حقًّا حين يخفت الضَّوء، وتسقط الأقنعة، وتهدأ الضوضاء من حولنا؟ ومَن نكون عندما لا يبقى جمهورٌ نسعى إلى إرضائه، ولا عيونٌ نُتقن التمثيل أمامها؟
إنّ أخطر ما أصاب هذا العصر أنّنا لم نعد نُسمّي الأشياء بأسمائها الحقيقية؛ فالنفاقُ أصبح يُسمّى "لباقةً اجتماعية"،والمداهنةُ أُلبست ثوب "المرونة"،والتلوّنُ عُدَّ نوعًا من "الذكاء في التعامل"!
يُدهشني كيف أصبح الإنسان يرتدي لكلّ مجلسٍ وجهًا مختلفًا، ولكلّ مصلحةٍ نبرةَ صوتٍ مغايرة، ولكلّ شخصٍ نسخةً خاصّةً من ذاته، حتى ضاعت ملامحه الحقيقية بين الوجوه التي يستعيرها يومًا بعد يوم!
ويؤسفني أن نقضي أعمارنا في تحسين صورتنا أمام الغرباء، بينما تذبل علاقاتنا الصادقة تحت وطأة التكلّف والزيف، وكأنّنا نبيع أرواحنا في مقابل إعجابٍ عابر، أو ثناءٍ هشّ لا يُغني القلب ولا يمنحه دفءَ الصدق.
وما يؤلمني حقًّا، أنّ النفاقَ لم يعد مجرّد كذبٍ يُمارَس، إنّما أصبح سلوكًا يُستعرض - عند البعض- بوصفه فضيلة، وبات الناسُ يتاجرون بالمشاعر، ويُتقنون أداءَ دور الإنسان النبيل بمهارةٍ تُثير القلق.
أين نحنُ حين ننتقد الغيبة في العلن، ثم نمارسها همسًا خلف الأبواب؟! وأين نحنُ حين نتحدّث عن الزهد والقناعة بخطاباتٍ مطوّلة، في حين تركض أرواحنا لاهثةً خلف أبسط المكاسب؟!
ثم أين نحنُ حين نرفع شعارات العدل والمبادئ، لكنّنا أوّل من يتجاوز القواعد حين تمسّ مصالحنا الضيّقة؟!
يؤسفني أنّنا أصبحنا بارعين في إظهار الفضيلة أمام الجميع، ثم تسقط أقنعتنا أمام أنفسنا!
تكمُنُ الحقيقة المُرّة في أنّ النفاق خللٌ أخلاقيٌّ، وهو في الوقت نفسه داءٌ صامتٌ ينخر جسد الثقة، ويزرع الشكّ حتى في الأيادي الصادقة حين تمتدّ إلينا، حتى غدا الإنسانُ يسأل بقلق: أهذه اليد التي صافحته يدُ محبةٍ خالصة؟ أم يدٌ تُخفي خلف دفئها مصلحةً مؤجّلة؟
لقد أصبح الصدقُ أمرًا مُرهقًا في هذا الزمن، حتى صارَ كثيرون يفرّون منه كما يفرّ المريض من الدواء المُرّ، ويختارون غيبوبة المجاملات لأنها أقلُّ إيلامًا، وإن كانت تُخفي خلف ابتسامتها قسوةً مستترة.
وأنا اليوم، أقولها بفخرٍ وبوضوحٍ يليق بما أؤمن به: إنّني لا أُجيد ارتداء الأقنعة، ولا أُحسن الانحناء طلبًا للقبول، لأنني أؤمن بأنَّ قوة الشخصية تبدأ حين يمتلك الإنسان شجاعة أن يكون ذاته دون خوف.
إلّا أنّه في واقعنا المعاصر، يظلُّ السؤال الذي يطرق الرّوح بإلحاح: هل أضحى النفاقُ ضرورةً اجتماعية؟ وهل بات التلوّن وسيلةً للنجاة بين الناس؟
أم أنّ الصراحة، رغم قسوتها، ما تزال الطريقَ الوحيد لحياةٍ لا نخجل فيها من وجوهنا حين نختلي بأنفسنا؟
*باحثة في علوم اللُّغة واللّسانيات، والنقد الأدبي .