اتحاد الكتّاب التونسيين: بين الإرث الثقافي وضغوط الحاضر وأسئلة الاستمرارية.
2026 ,16 أيار
ريم خليفة :صوت العرب - تونس.
يمثّل اتحاد الكتّاب التونسيين أحد أبرز الهياكل  الثقافية في تونس، وقد ارتبط منذ تأسيسه بتاريخ الحركة الأدبية والفكرية في البلاد، حيث اضطلع بدور أساسي في تنظيم المشهد الكتابي، واحتضان الأجيال المتعاقبة من الكتّاب، وتوفير فضاء للحوار حول قضايا الإبداع والنقد والنشر.
وعلى امتداد عقود، لم يكن الاتحاد مجرّد إطار إداري أو نقابي، بل تحوّل إلى مؤسسة رمزية أسهمت في صياغة جزء من الذاكرة الثقافية التونسية، من خلال الندوات، والملتقيات الفكرية، والمشاركات في التظاهرات الوطنية والدولية، بما جعل منه أحد الفاعلين في ترسيخ حضور الكاتب داخل المجال العمومي.
اليوم، يواصل الاتحاد حضوره الثقافي رغم الظروف الصعبة، من خلال مشاركته في عدد من التظاهرات الكبرى، على غرار معرض تونس الدولي للكتاب ومعرض سوسة الدولي للكتاب، حيث يحرص على تنظيم لقاءات مع الكتّاب وقراءات أدبية وفتح فضاءات للنقاش حول قضايا الكتابة والنقد. وتتميّز هذه الأنشطة بانفتاحها على مختلف الأسماء الأدبية، بما في ذلك الكتّاب غير المنخرطين، في محاولة للحفاظ على دور الاتحاد كفضاء جامع يتجاوز الانتماء الإداري نحو الوظيفة الثقافية الأشمل.
غير أن هذا الحضور الثقافي اللافت لا يمكن فصله عن واقع مالي وإداري دقيق، يتمثل في تراكم الديون وتزايد الالتزامات المرتبطة بتسيير المقرات والأجور والمصاريف القانونية. هذا الوضع جعل من التوازن المالي للمؤسسة تحديًا يوميًا، يفرض على الهيئة المديرة إدارة وضع معقد يجمع بين الحفاظ على النشاط الثقافي وضمان الحد الأدنى من الاستمرارية.
في هذا السياق، يبرز دور الدكتور سعد برغل، الرئيس الحالي للاتحاد، الذي يشرف على تسيير مرحلة دقيقة تتسم بضغط مالي وإداري متواصل. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن إدارة الاتحاد اليوم تتطلب جهدًا كبيرًا وتنسيقًا دائمًا مع مختلف الأطراف، في ظل محدودية الإمكانيات وتراكم إشكالات سابقة، وهو ما يجعل المسؤولية أقرب إلى إدارة أزمة مستمرة منها إلى قيادة مؤسسة مستقرة.
كما تشكّل رخصة استغلال “دار الكاتب” عنصرًا محوريًا في هذه الأزمة، إذ كانت في فترات سابقة موردًا ماليًا هامًا للاتحاد، يساهم في دعم ميزانيته عبر مداخيل قارة مرتبطة بالنشاط والخدمات. غير أن تعطل هذا المورد في المرحلة الحالية ساهم في تعميق الأزمة المالية، وحرمان المؤسسة من مصدر تمويل كان يساعدها على تغطية جزء من نفقاتها الأساسية، ما زاد من هشاشة الوضع العام.
وتتفاقم هذه الصعوبات في ظل تعطل بعض المسارات الإدارية المتعلقة باستغلال المقرات والتراخيص، وهو ما أثر على استقرار المؤسسة وقدرتها على التخطيط طويل المدى. كما أن تعدد الجهات المتدخلة في الملف، دون وضوح حاسم في توزيع المسؤوليات، ساهم في إطالة حالة التعطّل وتعقيد الحلول الممكنة.
رغم التضييقات المالية فان اتحاد الكتاب أمن برمجة ثقافية للمعارض بتطوع وفي اقتدار ونوع الانشطة والاستضافات رغم عدم توفر اي دعم من وزارة الشؤون الثقافية وغلق المقر لعجز الهيأة عن تسديد مستحقات موظف وتواصل معاناة المديونية التي تهدد باستقالة جماعية للهيئة ويحرم الكاتب التونسي من هيكل وطني يدافع عنه.
وفي موازاة ذلك، يطرح وضع الكاتب خارج إطار الاتحاد سؤالًا أوسع حول الحماية المهنية والثقافية في تونس، إذ إن غياب مؤسسة قوية وفاعلة يعني عمليًا ترك الكاتب في مواجهة مباشرة مع سوق نشر غير مستقر، وفضاء ثقافي لا يوفر دائمًا آليات الدعم والتأطير الضرورية، وهو ما يعيد التأكيد على أهمية وجود هياكل مهنية قادرة على تنظيم هذا الحقل والدفاع عن شروط إنتاجه.
إن أزمة اتحاد الكتّاب التونسيين، في جوهرها، لا تختزل في بعدها المالي أو الإداري فقط، بل تكشف عن تحوّل أعمق في موقع الثقافة داخل السياسات العمومية، وفي مكانة المؤسسات الوسيطة التي كانت تاريخيًا تلعب دور الجسر بين الكاتب والدولة والمجتمع.
وبين الإرث التاريخي الذي يحمله الاتحاد، والحضور المستمر في التظاهرات الثقافية، والضغوط المالية والإدارية المتراكمة، يبدو أن المؤسسة تقف اليوم أمام لحظة مفصلية تتطلب إعادة تفكير في نموذج تمويلها وتسييرها، بما يضمن استمراريتها ويحافظ على دورها الثقافي.
إنّ تآكلًا بطيئًا لبنية الاتحاد، إذا ما استمر دون معالجة، قد ينذر بانكماش دوره التاريخي وتراجع إشعاعه الثقافي، بما يضع المؤسسة أمام مستقبل أكثر هشاشة وتعقيدًا.
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون