د. أمـــل الجمل :صوت العرب – القاهرة.
لأسباب عدة تحمست للمشاركة في مناقشة رواية «السماء الثامنة» أحدث إبداعات الكاتب الكبير محمد سلماوي، الصادرة عن دار الكرمة. ولبيت دعوة المؤرخ والشاعر شعبان يوسف لهذا الإقتراح بسعادة خصوصاً أن المناقشة تمت في حضور مؤلف العمل الذي أنصت للجميع برحابة صدر حتى مع من اختلفوا معه.
وحين طُلب مني الاختصار لأجل الوقت قال سلماوي في تأكيد وابتسامة طفل «اتركوها تتحدث خمس ساعات» ثم شكرني بود شديد على تحليلي للرواية رغم الاختلاف معي في بعض النقاط.
كنت أنهيت قراءتها في أمسية واحدة. رواية قصيرة، «نوفلا». أحداثها متسارعة، بإيقاع شيق متوازن، متدفق السرد. تحمست ليس فقط لأن اسم محمد سلماوي - الذي يُزين عتبتها الأولي (الغلاف) - هو كاتب كبير في مجال المسرح والرواية كما في الكتابة السياسية. لكن، أيضاً، لأني لا أنسى له إيمانه بأهمية الثقافة ومشاركته في وضع دستور عام ٢٠١٤ بكتابة الفصل الخاص بالثقافة مؤكدا فيه على أن:
«الثقافة حق للمواطن المصري، وأن الدولة ملتزمة بأن توفي بهذا الحق لجميع المواطنين دون تمييز بسبب البعد الجغرافي أو غير ذلك أو القدرة المالية.» إنه باب كامل يختص بالثقافة وبما ينبغي أن تكون عليه الثقافة في بلد بحجم وتاريخ وحضارة مصر.
السبب الثاني
لا أنسي ما حاكاه عن كلمة أديبنا الكبير نجيب محفوظ التي كتبها بمناسبة تلقيه جائزة نوبل في الأداب، وحينذاك سافر «سلماوي» إلي السويد حتى يٌلقيها نيابة عنه، كان بالكلمة فقرة تُطالب بوطن قومي للفلسطينيين. كان نجيب محفوظ الأسبق في دعوته، ففي ذلك الوقت لم تكن جملة وطن للفلسطينين تستخدم وكان يقال فقط «الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني».
عندما وصل سلماوي السويد شعر أن هناك محاولات للتواصل معه قبيل إلقاء الكلمة، مما أقلقه، فقد شعر أنهم قد يُفكروا في المطالبة بتغيير جٌملة نجيب محفوظ التي «تطالب بوطن للفلسطينين» وقرر سلماوي أنه إذا طُلب منه ذلك سيرفض بشكل قاطع حتى لو وصل الأمر للانسحاب في حفل ترسيم الجائزة، وتجاوب معه الوفد الصحفي المصري في ذلك حين أخبرهم بهواجسه.
السبب الثالث
صحيح أن «السماء الثامنة» أول رواية مصرية تصدر عن أحداث غزة - بعد طوفان الأقصى - في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، لكنها ليست أول رواية يكتبها محمد سلماوي عن فلسطين، فقد استهل إبداعه الروائى بــ «الخرز الملون» عن بطلة فلسطينة تشارك في حرب بورسعيد ضد العدوان الثلاثي على مصر. تبدأ الأحداث من عام 48 وصولاً إلي توقيع اتفاقية كامب ديفيد.
إذن، كان اهتمام سلماوي بالقضية الفلسطينية والبعد العربي حاضراً بقوة منذ أول عمل روائي. الحقيقة لا يمكن وصفه فقط بــ«الحضور» لكن يمكن اعتبار أعماله مهمومة بتجسيد التلاحم المصري الفسطيني.
البناء الدرامي
إنها رواية شديدة الرومانسية، تنحاز للحب. فيها أنفاس صوفية رقيقة هامسة. تقول بوضوح: اصنعوا الحب لا الحرب. في إطار السرد الدرامي نرى أحوال عديدة لمصر، تاريخها وآثارها وجغرافيتها، وألوان من مطبخها ومأكولاتها وأنواع من الأشجار، ونسج قضية الفيلا القديمة في جاردن سيتي في إطار محاولة سرقة الإخوان لتاريخ مصر، مشهد ينطوي على دلالة، فالمؤلف هنا يكثف جريمة الاخوان لسرقة مصر بمشهد رمزي وهو محاولات السطو على الفيلا التاريخية وهدمها لأجل بناء عقار آخر مول تجاري. أليس هذا ما كان يريده الاخوان.. هدم مصر وتاريخها وخلق مصر آخرى على هواهم؟
بداية ونهاية
يفتتح المؤلف عمله بخبر مقتل أو استشهاد عمر، ثم تنتهي الرواية بمشهدين لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض، الأول: الجريمة: حيث اصطياد جنود المحتل الصهيوني لأفراد الشعب الفلسطيني وهم يأخذون حصتهم من المساعدات التي أرسلتها مصر، ثم تدب حالة الهرج والمرج والكر والفر حيث ينجو منهم ناس ويُغتال آخرين غدرا، ومن تبقى يحاول إنقاذ المصابين وبينهم بطلة الرواية إيمان التي تحمل طفلا شاهد مقتل أمه أمام ناظريه فأصابه الخرس وصدمة نفسية جعلته لا يرى الجروح.
ثم يختتم المؤلف روايته بمشهد ما بعد الجريمة حيث نرى آخرين لازالوا علي قيد الحياة، بينهم إيمان والطفل الذي ستختار له اسم عمر، لا نعرف هل سوف يبقون على قيد الحياة أم لا؟ لكننا واثقين أنهم مكملين، صامدين، مؤمنين بما يفعلونه.. والدليل على ذلك الختام بنهاية القصيدة الجميلة المؤلمة التي كتبها عمر إلي إيمان عن السماء الثامنة.
تبدأ الرواية في القاهرة وتنتهي في فلسطين. تنطلق من القاهرة بخبر عن تلاحم مصري فلسطيني على أرض فلسطين ثم تختتم أيضاً بتلاحم أشد قوة بين الشعبين.
الزمن الواقعي الذي تدور فيه الأحداث تقريبا شهر، ما بين خبر الاستشهاد الافتتاحي وبين مشهد الإغتيال الغادر بنهاية الرواية ولقطة القصيدة، الاثنين ينتميان للزمن الحاضر والحاضر القريب.
أما الزمن الدرامي بينهما فيحتوي على عشرات الأزمنة واللحظات التي يعيشها عدد من الشخصيات التي يتميز بعضها بخفة الظل التلقائية المنسابة ضمن السرد، مجموع الأزمنة الدرامية يقترب من ربع قرن لأن البطلة تعود بذاكرتها لسنوات الدراسة وعلاقة الحب القوية، ثم انقطاع علاقتها بالحبيب لمدة عشرين عاماً.
الإيقاع فيها متوازن أحياناً، متسارع في أحيان آخرى، يتهادى بنعومة في مشاهد الحب والتأمل. يكتسب الإيقاع رونقه وتوازنه من القدرة على التنقل بين الحالات المختلفة للشخصيات، وتحقيق التناغم بينها جميعاً، بمعني أن إيقاع كل مشهد يُسهم في ضبط الإيقاع العام للرواية.
من مزايا البناء الدرامي تأكيد مهارة المؤلف في خلق شعور بالخوف على بعض الأبطال، سواء مع الأم وإن بشكل أقوى مع الزوج المخلص الحنون ايهاب لدرجة أنه في بعض اللحظات كنت ألوم ايمان على أنانيتها، كنت أشعر بالخوف والشفقة على ايهاب وأتساءل: ما ذنبه؟ إنه لم يرغمها على شيء.. لكن الخطاب الذي تركته ايمان له أعاد التوازن لمشاعري تجاهها، وميزة الخطاب أنه مكثف ومتوازن، ويخلق شعوراً بالارتياح.
الحاضر المكبل بالماضي
تُراوح الرواية بين الماضي والحاضر عبر الفلاش باك. ينطلق المؤلف من الحاضر المكبل بالماضي، الحاضر الأسير للماضي. لماذا؟ لأن الرواية تقول: نحن ندفع ثمن اختياراتنا. فما نقوم به في الماضي سندفع ثمنه حاضراً. وهو معنى يحمل تورية شديدة الذكاء والدهاء (الدهاء بالمعني الحلو والإيجابي) لأنها تقول بهدوء وبساطة ورقة: كل من يتخاذل عن قضية فلسطين، عن الدفاع عنها، عن الوقوف إلي جانبها سيدفع الثمن غالياً في المستقبل. وربما لن يكون له أي مستقبل.
أنا شخصياً قرأت الرواية بالشكل التالي، أو الرواية قدمت نفسها لي على النحو التالي: على خلاف المعتاد والشائع في الأعمال الأدبية - التي تضع المرأة رمزاً للبلد - أرى أن شخصية عمر رمز لفلسطين. أجل، رغم أنه مصري. بينما تمثل شخصية إيمان «الموقف من فلسطين» - سواء العربي أو العالمي، ليُصبح التساؤل المطروح: هل سنضحي ونختار الوقوف إلي جانب فلسطين وندفع الثمن أيا كان حجمه؟
ربما يستنكر البعض حديثي عن رمزية عمر وإيمان. وقد يقول قائل: إن عمر قد استشهد فهل هذا يعني أن فلسطين سوف تستشهد؟ وأنا أجيبهم: إن عمر في الرواية لم يمت.. صحيح أنه استشهد لكنه ظل حياً أكثر بعد ذلك، بل أحيا باستشهاده قلوباً كانت ميتة، لقد أحيا الحب، كما أن الطفل الذي تم انقاذه أُطلق عليه اسم عمر، وهو توظيف لا يخلو من دلالة عميقة.
استمتعوا بقراءة الرواية فما أحوجنا إلي أعمال تحكي عن الحب في زمن الحرب، واطمئنوا لم أحرق عليكم الرواية بتحليلي أو بحديثي عن مَنْ سيعيش أو يموت. أنا شخصياً لا أومن بموضوع حرق العمل، لأن الرواية ليست لغزاً يضيع معناه بمعرفة حل اللغز، الرواية لا تنتهي جمالياتها عند معرفة العلاقات بين البشر، وليست جُمل تقال عنها أو تٌحاول أن تُلخصها فنتوقف عن قراءتها: الرواية بناء درامي تصاعدي ومواقف لها روابط سحرية نعيشها مع الأبطال، وهذه الرواية مليئة بالمشاعر والمعلومات والمشاهد البصرية.
هذه الرواية تؤكد على أن الحب لا يموت، حتى الموت يُؤكد على أن الحب لازال حيا، ليس فقط حب إيمان لعمر، حتى وإن شابه تأنيب الضمير أو الشعور بالذنب، فالتضحية تؤكد ذلك، السفر إلي فلسطين يُؤكد ذلك. إنها رواية تُعلم الناس والعشاق كيف يتعاملون برقي عندما يختلفوا أو يفترقوا، وكيف يُمارسون فعل الحب.