دعاء مأمون:صوت العرب - الاردن.
أعترف بشيء أولًا: أنا لم أكن دائمًا في هذا المعسكر.
لفترة طويلة كنت أشعر بشيء يشبه الانزعاج حين يُذكر نجم وإمام في النقاشات الثقافية، ليس لأنهما لا يستحقان، بل لأن طريقة الذكر كانت تُشبه طريقة الذكر في الصلوات: مُغلقة، مُكتملة، لا تحتمل سؤالًا. وأنا حين لا أستطيع أن أسأل، أبدأ بالشك.
لكن ثمة لحظة غيّرت شيئًا في طريقة تفكيري. لا أتذكر المكان بالضبط، ربما كان في سيارة أجرة أو في بيت صديقة، سمعت "أنا أتوب عن حبك أنا" تخرج من مكان ما وتوقفت. ليس لأنها كانت جديدة عليّ، بل لأن الشخص الذي كان يسمعها كان يبكي بهدوء ولا يعرف أن أحدًا يراه. تلك الكلمات التي صارت للكثير من العشاق صلاة ترتل في خلواتهم و محاريبهم التي يلجأون إليها في ئروة الشوق و الحب. وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا لم تُفهمني إياه أي مقالة نقدية قرأتها عن هذا الثنائي: أن هذا الفن لا يذهب إلى العقل أولًا.
حسنًا، لكن من أين تبدأ حين تريد أن تكتب عن ظاهرة كهذه؟
الإغراء الأول دائمًا هو الكلام عن "الظروف التاريخية" و"المشهد السياسي"، وهذا الكلام صحيح وضروري لكنه يُحوّل الأغنية إلى وثيقة. والأغنية ليست وثيقة. الأغنية شيء يحدث لك في لحظة لم تستعد لها.
نجم وإمام التقيا عام 1962. التفاصيل المعروفة عن اللقاء الأول تقول إن نجم سأل إمام لماذا لا يلحّن، وإن إمام قال إنه لم يجد كلامًا محترمًا، وإن نجم مزّق ورقة كانت بين يديه وكتب كلامًا جديدًا في نفس الجلسة، ولحّنها إمام قبل أن تنتهي الجلسة. تلك كانت "أنا أتوب عن حبك أنا". أول ما جمعهما لم يكن سياسيًا. كان عاطفيًا خالصًا.
هذه التفصيلة تستوقفني كثيرًا حين أفكر في طبيعة ما بنياه لاحقًا. لأن الرجل الذي سيُسجن بسبب الغناء بدأ بأغنية حب. والشاعر الذي سيُرعب الرؤساء بدأ بكلمات عاشق لا يستطيع النسيان. وكأن الصدق العاطفي كان شرطًا أساسيًا لكل ما جاء بعده، لا مجرد محطة عابرة.
"أنا أتوب عن حبك أنا؟" الجملة تسأل ولا تنتظر جوابًا. العاشق يعلن استنكاره لمجرد التفكيرأو السؤال عن التوبة "لذنب" حبه لمحبوبته , وهو يعرف في اللحظة ذاتها أنه كاذب على نفسه. وإمام حين غنّاها لم يُمثّل، كان يقول شيئًا يخصّه. رجل كفيف، عاش معظم حياته وحيدًا، عوده أقرب إليه من أي إنسان. هذه الأغنية كانت تشبه سيرته الخاصة أكثر مما تشبه أداءً فنيًا.
وهذا بالذات هو السبب في أنها لا تزال تُبكي أناسًا لم يسمعوا باسم إمام من قبل. لأن "أنا أتوب" لا تُخبرك بشيء لا تعرفه، بل تُعيد إليك ما نسيت أنك كنت تعرفه: أن العجز عن النسيان ليس ضعفًا، بل هو النوع الأكثر صدقًا من الحب. وحين يُغنّيها إمام بذلك المقام الذي يتردد بين الشكوى والاستسلام، يمنح هذا العجز شرعية لا يستطيع تقديمها لك أي شخص آخر في حياتك.
بينما "شيّد قصورك على المزارع" فهي تجربة أخرى تمامًا، وتستحق توقفًا نقديًا حقيقيًا.
الأغنية مكتوبة بصيغة الخطاب المباشر: نجم يخاطب السلطة بضمير المفرد المخاطَب، "شيّد، أطلق، أغلق". هذه ليست مصادفة أسلوبية. الخطاب المباشر يفعل شيئًا لا يستطيع فعله الوصف من بعيد: يجعل السلطة حاضرة في غرفة القصيدة، مرئية، يمكن محاكمتها. ونجم لا يتهمها بالظلم بالمعنى الأخلاقي المجرد، بل يسردها أمام نفسها بدقة جغرافية مذهلة: الخمارات جنب المصانع، والسجن مطرح الجنينة. هذه التفاصيل المكانية الحادة هي ما يجعل القصيدة وثيقة اتهام لا مرثية.
لكن الأذكى في هذا النص هو ما يفعله في النصف الثاني. بعد أن يسرد نجم كل ما تفعله السلطة، يتحوّل فجأة إلى ضمير الجمع: "احنا ما همناش". هذا التحوّل من "أنت" إلى "نحن" ليس بلاغيًا فحسب، بل هو موقف. نجم لا يكتفي بفضح السلطة، بل يُعلن موقع من يتكلم عنهم: نحن هنا، نراك، ولم نُطحن حتى الآن.
و"إمام" حين غنّى هذا النص فعل شيئًا بالغ الدهاء: لم يختر مقامًا غاضبًا صارخًا. اختار شيئًا أقرب إلى التحدي الهادئ، صوتًا يقول الكلام ويكاد يبتسم وهو يقوله. وهذا أشد وقعًا من الصراخ بكثير. لأن الغضب الهادئ يُوحي بأن صاحبه واثق مما يقول، بأنه يعرف شيئًا لا يعرفه من يخاطبه. والسلطة تخاف من الثقة أكثر مما تخاف من الصراخ.
مع تنوع التجارب في كتابات نجم تظهر" بهية" تجربة مختلفة جذريًا في طريقة اشتغال نجم.
هنا لا خطاب مباشر للسلطة، وهنا لا غضب معلَن. هنا امرأة تُسمّى وتُناجى، وفي مناجاتها تتشكّل مصر. الاسم اختيار غير بريء. "بهية" في التقليد الشعبي المصري اسم يحمل دلالات الجمال والأصالة والطيبة التي تُجهَد لكنها لا تنكسر. نجم لم يكتب عن مصر كفكرة مجردة، بل جسّدها في امرأة تعاني وتصبر وتنتظر وتُخذل ولا تكفّ عن الانتظار.
وهذه الحيلة الفنية تفعل ما لا يستطيعه الخطاب السياسي المباشر: تجعل القارئ أو المستمع يشعر بالألم على مستوى شخصي وحميم. أنت لا تُشفق على وطن مجرّد، بل تُشفق على امرأة تعرفها، أو تُشبه امرأة تعرفها. والشفقة الشخصية أعمق وأبقى من الغيرة الوطنية التي تُستدعى في الخطابات.
"إمام" غنّى "بهية" بطريقة تجعلك تشعر أن المناجاة حقيقية، أن ثمة امرأة فعلًا تجلس في مكان ما وهو يناديها. ليس أداءً مسرحيًا، بل نداءً حقيقيًا. وهذا الإحساس بالحضور الحي، حضور الشخص الذي يُغنّى له، هو ما يمنح الأغنية قدرتها على أن تظل مؤثرة حتى خارج سياقها السياسي الأصلي.
لكن فلنتوقف عند نقطة نقدية مهمة لا تُقال كثيرًا.
أسلوب "نجم " في الهجاء، وهو الأسلوب الذي اشتُهر به أكثر من غيره، يعتمد على آلية واحدة أساسية: التسمية. يُسمّي الفساد باسمه، يُسمّي الفقر باسمه، يُسمّي المسؤول باسمه أحيانًا. وهذه التسمية كانت في سياقها التاريخي فعلًا جريئًا في مواجهة خطاب رسمي يعتمد على التعمية والتجميل. لكن التسمية وحدها، مهما كانت دقيقة، لا تُغيّر بنية ما تُسمّيه. وهذا ما يُميّز نجم عن شاعر كـ"برتولت بريخت" مثلًا، الذي كان يُسمّي ويُفكّك في الوقت ذاته، يكشف الآليات لا فقط النتائج.
لكن، وهذا هو التمييز الجوهري، نجم لم يكن يكتب للنخبة التي تقرأ بريخت. كان يكتب للشارع. وللشارع قواعد مختلفة: التسمية الواضحة تفعل ما لا تستطيعه التفكيك النظري. الناس الذين يعيشون الواقع لا يحتاجون أن يُشرح لهم كيف يعمل، يحتاجون من يقول لهم إنه يراه ويعترف به. ونجم كان يفعل هذا بإتقان نادر.
وإمام من جهته كان يُضيف إلى هذا بُعدًا لا يستطيع النص وحده تحقيقه: الجماعية. الأغنية تُغنَّى معًا، أو تُسمَع في جماعة. وحين يسمع خمسة أشخاص في غرفة واحدة نجم يصف ما يعيشونه بصوت إمام، يحدث شيء لا يحدث حين يقرأ كل واحد منهم النص منفردًا: يكتشفون أنهم يشعرون بالشيء ذاته في الوقت ذاته. وهذا الاكتشاف، اكتشاف الغضب المشترك، هو أول خطوة نحو أي فعل جماعي.
لكن ثمة أغنية واحدة في تجربة نجم وإمام تستحق أن تُقرأ بشكل مختلف عن كل ما سبقها، وأن تأخذ حيّزًا أكبر في أي حديث جاد عن هذا الثنائي. ليس لأنها الأجمل موسيقيًا، ولا لأنها الأشد سخرية أو الأوقح سياسيًا، بل لأنها اللحظة التي تجاوز فيها نجم وإمام مصر كليًا، وقرّرا أن يتحمّلا ما لا يلزمهما تحمّله.
"يا فلسطينية".
أغنية لا تُوصَّف بسهولة، وحين تحاول تصنيفها تجد أنها تقاوم كل خانة جاهزة. هي ليست أغنية احتجاجية بالمعنى الكلاسيكي، وليست مرثية، وليست نشيدًا حماسيًا رغم أن فيها جذوة الحماس. هي أقرب إلى نداء، لكن النداء الذي يعرف أصحابه أنه ربما لن يُسمَع في الوقت المناسب.
نجم حين كتبها لم يكتب من موقع الشاهد المتعاطف، بل من موقع من يريد أن يكون شريكًا في الفعل: "وأنا بدي أسافر حداكو، ناري في إيديا وإيديا تنزل معاكو". هذا ليس تضامنًا شعريًا من بعيد. هذا إعلان رغبة في الانخراط، في حمل شيء، في أن يكون الجسد حاضرًا لا فقط الكلمة. والفرق بين الاثنين شاسع. كثير من الشعراء كتبوا عن فلسطين من مسافة آمنة، يُعلنون التضامن ويبقون حيث هم. نجم في هذه الأغنية يكتب وكأنه يحزم أمتعته.
وهذه الجرأة الشعرية لها تبعات فنية مباشرة. حين يكون الموقف الأخلاقي للشاعر حقيقيًا لا مصطنعًا، تتغيّر طبيعة اللغة تلقائيًا. كلمات "يا فلسطينية" لا تحمل ذلك الميل الخطابي الذي يُصاب به الشعر السياسي حين يُبالغ في تبجيل موضوعه. نجم يُخاطب فلسطين كما يُخاطب إنسانًا يعرفه: بحميمية فيها ألم، بمباشرة فيها احترام.
الصورة الشعرية الأقوى في النص هي "تموت شريعة هولاكو". اختيار هولاكو تحديدًا ليس عشوائيًا. هولاكو في الذاكرة العربية ليس مجرد غازٍ، بل رمز لذلك النوع من الدمار الذي يطال الحضارة قبل أن يطال الأجساد، الذي يُحرق المكتبات قبل أن يُحرق البيوت. حين يضع نجم الصهيونية في السياق ذاته، فهو يقول شيئًا أبعد من الإدانة السياسية: يقول إن ما يجري ليس مجرد احتلال أرض بل محو هوية، وهذا النوع من الجرائم يستدعي هذا النوع من الذاكرة الثقيلة.
وإمام، حين يُغني هذا النص، يواجه تحديًا مختلفًا عن كل ما واجهه في أغاني نجم الأخرى. "شيّد قصورك" تحتاج صوتًا فيه استفزاز هادئ. "بهية" تحتاج صوتًا فيه حنان مؤلم. لكن "يا فلسطينية" تحتاج صوتًا يحمل في الوقت ذاته الغضب والحزن والأمل وشيئًا يشبه الدعاء. وإمام يفعل هذا بطريقة لا أعرف كيف أصفها غير أنها تُشعرك أن الرجل لم يكن يُغني لجمهور، بل كان يُغني لأناس غائبين يتمنى لو يسمعونه.
المقام الذي اختاره إمام لهذه الأغنية يتذبذب بين الشجن والانتفاض، وهذا التذبذب ليس خللًا في الأداء بل هو الأداء ذاته. لأن الموقف الحقيقي من فلسطين لا يمكن أن يكون أحادي النبرة: لا يمكن أن يكون حزنًا خالصًا لأن في الحزن الخالص استسلامًا، ولا يمكن أن يكون حماسًا خالصًا لأن في الحماس الخالص تجاهلًا لثقل ما حدث. إمام وجد المقام الذي يعيش بين هذين الطرفين، وهذا أصعب بكثير من اختيار نبرة واحدة والإلزام بها.
لكن ما يجعل "يا فلسطينية" أكبر من مجرد أغنية تضامنية جيدة هو ما تقوله عن طبيعة الفن الملتزم حين يكون التزامه حقيقيًا. الفن الملتزم في أضعف حالاته يُنتج خطابًا يُشبه البيان السياسي لكنه أطرب. وفي أقوى حالاته يُنتج ما يفعله نجم هنا: يأخذ قضية عامة ويُعيدها إلى جوهرها الإنساني، يُذكّرك أن خلف كل رقم وكل إحصاء ناسًا لهم أرض وحمام وذاكرة وحق في السكينة. "تقتل حمامكو في حماكو"، الحمام هنا ليس رمزًا للسلام بالمعنى الاستهلاكي المبتذل، بل هو تفصيلة حياة يومية تُقتل أيضًا، ليس فقط البشر بل كل ما يُشكّل معنى أن تكون في مكانك.
وهذا الانتباه إلى التفصيلة الصغيرة المحمّلة بالمعنى الكبير هو ما يُميّز نجم الشاعر عن كثير ممن كتبوا في القضية ذاتها. الشعر الكبير لا يصف الكوارث بأحجامها، بل يجد فيها شيئًا صغيرًا يُختزل فيه الكل. وحمامة في "يا فلسطينية" تفعل ما لا تستطيع فعله أرقام اللاجئين.
ثمة بُعد آخر في هذه الأغنية لا يُلاحَظ كثيرًا: إنها كسرت حاجزًا جغرافيًا في تجربة نجم وإمام. كانا حتى تلك اللحظة ظاهرة مصرية في جوهرها، حتى حين كانت أغانيهما تتسرّب خارج الحدود. لكن "يا فلسطينية" كانت خطوة متعمّدة نحو الوجدان العربي الأشمل، إعلانًا بأن الصوت الذي يرفض الظلم في مصر لا يمكنه أن يصمت حين يرى الظلم ذاته يرتدي شكلًا آخر في مكان آخر. وهذا الاتساق الأخلاقي بين الموقف الداخلي والموقف الخارجي هو ما يمنح الفنان مصداقيته الكاملة: لا يمكنك أن تُغني ضد القمع في بلدك ثم تلتزم الصمت حين يحدث القمع ذاته لجيرانك.
وحين انتشرت الأغنية خارج مصر، في لبنان وسوريا والأردن وأماكن أخرى، لم تنتشر لأن الناس كانوا يبحثون عن نجم وإمام تحديدًا، بل لأنها كانت تقول ما كانوا يريدون أن يقوله أحد بهذه الدقة وبهذا الصدق. الجمهور العربي الذي تبنّى الأغنية كان يتبنّى معها ضمنيًا حقه في أن يكون له فن يُعبّر عن قضاياه الكبرى دون أن يتخلى عن إنسانيته وتفاصيله الصغيرة في الوقت ذاته.
وهذا، أكثر من أي شيء آخر، هو ما يجعل "يا فلسطينية" العمل الأكثر نضجًا في تجربة نجم وإمام. ليس لأنها الأقوى شعريًا على الإطلاق، بل لأنها الأكثر اكتمالًا في رؤيتها: فن يرفض أن يختار بين الجمال والموقف، بين الخاص والعام، بين المصري والعربي، بين الغضب والحنين. وهذا الرفض للاختيار، هذا الإصرار على أن الفن يستطيع أن يحمل كل هذا في الوقت ذاته، هو بالضبط ما أثبت نجم وإمام أنه ممكن.
لكن كيف تحوّل هذا كله من تجربة إنسانية وفنية إلى ظاهرة ذات أثر توعوي موسّع؟
الجواب يكمن في السياق الذي وُلدت فيه التجربة. مصر ما بعد هزيمة 1967 كانت مجتمعًا في حالة صدمة عميقة. الخطاب الرسمي كان يُصرّ على رواية لا تتطابق مع ما يعيشه الناس يوميًا. والفجوة بين ما يُقال رسميًا وما يُحسّ به فعليًا كانت تتسع يومًا بعد يوم. في هذا الفراغ بالذات، حين تفقد الكلمة الرسمية مصداقيتها، تصبح الأغنية الصادقة أقوى من أي خطاب. لأنها لا تدّعي الموضوعية ولا تتظاهر بالحياد، بل تقول: أنا أعرف ما تشعر به، وهذا ما أشعر به أنا أيضًا.
نجم وإمام ملأا هذا الفراغ بدقة مذهلة. لم يكونا يُلقيان خطبًا، بل كانا يُصادقان الناس. والصداقة، على خلاف الخطابة، تفعل فعلها ببطء وعمق وبدون ضجيج. الناس الذين سمعوا هذه الأغاني لم يتحوّلوا في ليلة واحدة، لكنهم بدأوا يرون واقعهم بعيون مختلفة قليلًا. بدأوا يُسمّون ما كان بلا اسم. وحين تمنح الإنسان لغة ليُسمّي ما يعيشه، تمنحه القدرة على التفكير فيه، وحين يفكّر فيه يبدأ في رفضه.
والدليل على هذا النجاح لا يحتاج إلى بحث نظري، بل إلى ملاحظة واقعية بسيطة: السلطة خافت.
السلطة لا تسجن ما لا يؤثر. حين قرّرت أجهزة الأمن أن تلاحق رجلًا يعزف عودًا وآخر يكتب شعرًا بالعامية، وحين صدرت بحقهما أحكام بالسجن مرات متعددة، كانت هذه الأجهزة تعترف ضمنيًا بشيء لم تكن لتعترف به أمام الرأي العام: أن هاتين الأغنيتين تفعلان شيئًا ما في الناس. وأنّ نجم نفسه تساءل علنًا: إذا كان الشعر يمكن فهم معناه، فهل اكتشف هؤلاء أن موسيقى إمام تسبّهم وتفضحهم؟ السؤال الاستنكاري يحمل إجابته: نعم، اكتشفوا ذلك.
السلطة الواثقة من نفسها لا تخاف الأغاني. والسلطة التي تسجن المغنّين تكشف بنفسها عن قدر هذا الفن.
وأكثر من ذلك، حين انتشرت هذه الأغاني على أشرطة كاسيت متآكلة في زمن لم تكن فيه منصات رقمية، انتشارًا لا يمكن إيقافه، كان هذا الانتشار دليلًا على أن الناس كانوا يبحثون عن هذا الصوت بالذات. لم يكن الجمهور مستقبلًا سلبيًا، بل كان شريكًا فاعلًا في حفظ هذا الفن وتداوله وحمايته. والجمهور الذي يُهرّب فنًا يحتجّ بهذا الفعل قبل أن يحتجّ بأي شيء آخر.
ثم جاءت لحظة ميدان التحرير عام 2011 لتختبر كل هذا في الواقع لا في النظرية.
حين عادت أغاني نجم وإمام لتُغنَّى في الميدان، بين جيل لم يُعاصر نجم وإمام في أوجهما، كان ذلك أبلغ شهادة على أن ما صنعاه تجاوز زمنه. ليس لأن الواقع لم يتغيّر، بل لأن هذه الأغاني كانت قد زرعت شيئًا في الوجدان الجمعي ظلّ كامنًا عقودًا ثم أطلّ برأسه حين جاءت اللحظة المناسبة. الفن الذي يصنع هذا لا يُقال عنه إنه مجرد تنفيس عاطفي. الفن الذي يظل حيًا في ذاكرة الناس أربعين عامًا ثم يعود في لحظة احتجاج كبرى كان يحمل بذرة حقيقية للتحفيز لا مجرد حنين إلى الماضي.
وثمة تفصيلة لا تُلاحَظ كثيرًا في هذه العودة: الشباب الذين غنّوا لنجم وإمام في الميدان لم يكونوا يُؤدّون طقسًا، كانوا يجدون في هذه الكلمات ما يُعبّر عن لحظتهم أدق مما يستطيع أن يكتبه أي شخص في تلك اللحظة. وهذه الحيوية، هذه القدرة على أن يكون الفن أدق من الصحافة وأسرع من البيان السياسي في وصف ما يحدث، هي العلامة الأكيدة على أن ما بناه نجم وإمام كان أعمق من موضة أو مرحلة.
وفي النهاية، حين أجمع كل هذا وأقف أمامه، لا أجد لديّ تردد في قول ما أعتقده.
نجم وإمام نجحا. نجحا بالمعنى الأعمق والأصعب، لا بمعنى أنهما غيّرا حكومة أو أسقطا نظامًا، فهذا ليس ما يستطيعه الفن ولا ما يُطلب منه. نجحا لأنهما فعلا ما لا يستطيع فعله غير الفن حين يكون صادقًا تمامًا: منحا الناس لغة لما كانوا يحملونه بلا لغة، وأشعرا الفرد بأنه ليس وحيدًا في غضبه وحبه وخوفه وعجزه. ووسّعا المساحة التي يستطيع فيها الإنسان العادي أن يُفكّر ويشكّ ويرفض.
الكلمة والصوت حين يلتقيان بهذا المستوى من الصدق لا من الكمال بل من الصدق يتحوّلان إلى شيء يشبه الضمير الجمعي. لا يُملى من الخارج، بل يُوقَظ من الداخل. ونجم وإمام لم يكونا يُلقّنان الناس ما يجب أن يؤمنوا به، بل كانا يُذكّرونهم بما كانوا يعرفونه أصلًا ونسوه أو خافوا من قوله.
ما يستطيع الفن فعله وما لا يستطيعه سؤال لا جواب مريح له. لكن الجواب المريح ليس ما أبحث عنه. ما أعرفه هو أن رجلًا يبكي في سيارة أجرة وهو يسمع أغنية كُتبت قبل أن يُولد، وأن جيلًا كاملًا وجد لغته في كلمات كُتبت لجيل آخر، وأن سلطة كاملة خافت من عود ومن قلم. هذه الوقائع الثلاث تكفيني.
بدأت هذه الكلمات في غرفة متواضعة في الغورية، بين رجلين لا يملكان شيئًا سوى عود وقلم. وانتهت، إن كانت قد انتهت، في كل مكان يجد فيه إنسان أن الكلمات التي يحتاجها موجودة قبل أن يبحث عنها. ذلك "قبل أن يبحث" هو الجواب كله.