الدرجة صفر في الكتابة: توازن الأضداد وحرية القارئ.
2026 ,02 أيار
فاطمة عبدالله: صوت العرب - جزر القمر.
يثير مفهوم “الدرجة صفر في الكتابة” الذي طرحه رولان بارت  في كتابه درجة الصفر للكتابة سؤالاً فلسفياً يتجاوز حدود النقد الأدبي ليصل إلى طبيعة العلاقة بين الكاتب والقارئ، وبين النص والحقيقة.
في التصور الشائع، يُفهم مصطلح “الدرجة صفر” بوصفه محاولة لبلوغ كتابة محايدة، خالية من البلاغة المفرطة أو الأيديولوجيا الظاهرة. أي كتابة شفافة تحاول أن تخفف حضور الكاتب في النص، بحيث يبدو الكلام أقرب إلى وصف الواقع منه إلى تفسيره.
غير أن فكرة “الصفر” يمكن تأملها من زاوية أخرى.
فالصفر في الرياضيات ليس مجرد غياب للقيمة، بل هو نقطة توازن بين الموجب والسالب. إنه المركز الذي تتعادل عنده القوى المتعارضة دون أن تلغي إحداها الأخرى. ومن هذا المنظور يمكن التفكير في “الدرجة صفر في الكتابة” بوصفها حالة توازن بين الأضداد داخل النص.
الكتابة الصفرية، وفق هذا التأويل، ليست كتابة بلا موقف، بل كتابة لا تفرض موقفاً واحداً. إنها كتابة تعرض الفكرة من جهتيها، تكشف إيجابياتها وسلبياتها، إمكاناتها ومخاطرها، دون أن تدفع القارئ دفعًا إلى نتيجة محددة.
في هذا النوع من الكتابة يتراجع صوت الكاتب بوصفه سلطة تفسيرية، ويبرز النص بوصفه فضاءً للتفكير.
فالكاتب لا يتحول إلى واعظ ولا إلى محامي يدافع عن قضية، بل إلى منظم للحوار بين الأفكار. يعرض الاحتمالات، ويكشف التوترات، ويترك للقارئ أن يتنقل بين المعاني دون أن يشعر بأن الطريق مرسوم سلفاً.
بهذا المعنى، لا تكون الكتابة الصفرية حياداً جامداً، بل توازناً ديناميكياً. إنها اللحظة التي تتجاور فيها الأضداد داخل النص دون أن يهيمن أحدها على الآخر.
وعندما يبلغ النص هذه الدرجة، فإنه يمنح القارئ حرية نادرة: حرية خلق “صفره” الخاص.
فالقارئ، مثل الكاتب، يعيش دائماً بين الأضداد. كل اختيار في الحياة هو مزيج من مكاسب وخسائر، من إيجابيات وسلبيات. ومن هنا فإن القراءة ليست مجرد استقبال للأفكار، بل عملية موازنة مستمرة بين ما نقبله وما نرفضه.
الكتابة التي تبلغ درجة الصفر لا تملي على القارئ ما يجب أن يعتقده، بل تمنحه الأدوات التي تمكنه من اتخاذ موقفه بنفسه. قد يقبل القارئ بعض السلبيات لينعم بالإيجابيات التي يراها جديرة بالاختيار، وقد يرفض الإيجابيات إذا رأى أن كلفتها أعلى مما يحتمل.
وهنا تتحول القراءة إلى فعل حر.
فبدل أن يكون النص وسيلة لفرض رؤية واحدة للعالم، يصبح مساحة يتشكل فيها المعنى عبر الحوار بين الكاتب والقارئ.
ربما لم يقصد رولان بارت هذا المعنى تحديداً عندما تحدث عن “الدرجة صفر في الكتابة”، لكن هذا التأويل يفتح إمكاناً جديداً لفهم الفكرة. فالصفر ليس غياباً، بل توازن. وليس صمتاً، بل نقطة التقاء بين الأصوات المتعارضة.
وفي زمن تتصارع فيه الخطابات الحادة، وتزداد فيه الكتابة الأيديولوجية التي تسعى إلى حشد القارئ بدل تحريره، قد تكون العودة إلى فكرة “الدرجة صفر” دعوة إلى نوع آخر من الكتابة: كتابة تحترم تعقيد العالم، وتثق بعقل القارئ، وتترك له حرية خلق توازنه الخاص.
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون