2026 ,01 أيار

أمينة عباس: صوت العرب - دمشق.

منذ أن تُرجم كتاب "ألف ليلة وليلة" انتشرت هذه الموسوعة الأدبية في العالم، وانبهر بها عمالقة المفكرين والكتاب في الغرب الذين قدَّروا حضارة الشرق وأعجبوا بها. وقد قال بلزاك إنه سيصف الإنسان والمجتمع والبشرية ويحللهم في عمل واحد يريده أن يكون "ألف ليلة وليلة" الغرب، وذكر في رسالة إلى الكونتيسة هانسكا أنه بسبيل أن يؤلف مَلْهاته الإنسانية على نسق "ألف ليلة وليلة". أما تولستوي فقد كتب سنة ١٨٩١ أن ما أثَّر فيه أكثر من أي شيء آخر حتى الرابعة عشرة من عمره: حكاية يوسف في الإنجيل، وحكايات ألف ليلة وليلة، وخاصة حكاية الأربعين حرامي وحكاية الأمير قمر الزمان ، في حين أكّد فولتير على أهمية هذا الكتاب قائلاً: "لم أصبح قاصاً إلا بعد أن قرأت ألف ليلة وليلة أربع عشرة مرة"، أما الناقد والروائي الفرنسي ستندال فقد أعجب به إعجاباً شديداً وتمنى أن يصاب بفقدان الذاكرة حتى يعيد قراءة حكايات ألف ليلة وليلة، ويستمتع بها كما استمتع بها في أول قراءة، وهكذا أثرت ألف ليلة وليلة تأثيراً مباشراً وقوياً في أدب وفنون الغرب وأصبحت قصصها ولاسيما علاء الدين وعلي بابا والسندباد والأميرة الصغيرة، جزءاً من ثقافة الأطفال في أوروبا.
ليست هندية أو فارسية ولا علاقة لليهود بها

ظل نسبة كتاب "الف ليلة وليلة" الشغل الشاغل للمستشرقين الذين حاولوا نسبه إلى حضارات وثقافات غير العربية وهذا ما حاولت الكاتبة والروائية السورية د. ناديا خوست نفيه ونفي خياليته وذلك في كتابها الذي حمل عنوان "ألف ليلة وليلة والرواية التاريخية"، الذي جاء نتيجة ثمرة عملها في رواياتها المعروفة عن بلاد الشام والأجيال التي عاشت الصراع العربي الصهيوني من أول القرن العشرين حتى نهايته، حيث وفَّر لها ذلك العمل البحثُ عن الشهادات وقراءة الموسوعات والمذكرات التاريخية. إلا أن سحر ما في التاريخ من بيئة وعلاقات إنسانية واجتماعية وأفراح وأوجاع جعلها تتجاوز ما كانت تحتاجه من القرن التاسع عشر والعشرين إلى قرون أخرى، وأعادها إلى كتاب "ألف ليلة وليلة"، الذي حاولت من خلاله أن تردَّ على ما دار حول الكتاب الشهير، حيث أثبتت أن الليالي صورةُ واقع حي مُرَّ من عدسة فنان أو فنانين مبدعين، لكن القحط الذي سببه الغزو المغولي والحروب الصليبية أوهمنا بأن تلك الشخصيات الحية وتلك البيئة الغنية بالمياه والطيور خيالية، وأن الليالي من خلال مطلعها كانت ضد النساء، في حين أنها ليست كذلك، وأنها بدأت فنياً من تلك الذروة لتسوقنا إلى النساء الحاكمات العادلات والمحاربات الجريئات، لتؤكد أن الليالي ثمرة حضارة عربية إسلامية، ابنة دمشق وبغداد والقدس ومصر، وهي ليست هندية أو فارسية كما يُقال. وقد أُلّفت في نسق عام ومتصلة بكتب الرحالة والمؤرخين العرب واكتشافات القوافل التجارية في زمن لم يكن الشعر فيه ينفصل عن الحياة اليومية والوجدان. والأهم أنها أثبتت في كتابها "ألف ليلة وليلة والرواية التاريخية" أنه لا علاقة لليهود بالليالي لا من قريب ولا من بعيد، وأن الادعاء بأنها يهودية بِدعة تهدف إلى تهويد مقطع من التراث العربي.
أصالتها وصلتها بالرواية التاريخية
وتشير د. خوست في كتابها إلى أن كاتب "ألف ليلة وليلة" أو كاتبتها أو كُتَّابها كانوا قريبين من مركز المعلومات وبعثات الرحالة والموفدين وقصور الخلفاء والسلاطين، ومن تلك المعلومات تناولوا الوقائع التي أسسوا عليها البناء الفني. وقد كانوا مطلعين على ثقافة عصرهم، فاعتمدوا تسلسل الليالي كالمؤرخين العرب الذين اعتمدوا تسلسل السنوات ونقل أحاديث الرواة عن الأحداث، واعتمدوا مثلهم رواية الشعر كعنصر يؤسس لثقافة الخاصة والعامة، لتأتي حكاياتها مؤسَّسة على قصيدة. وهذا برأيها يؤكد أصالتها وصلتها بالرواية التاريخية المعروفة في المصنَّفات العربية، ويسند ذلك أن بعض الباحثين ذكروا أن ابن النديم أكد أنه رأى النسخة الكاملة من "ألف ليلة وليلة" بتمامها، أي في القرن العاشر، كمئتي حكاية.
شهرزاد ليست أسطورية
وفي سياق تأمل علاقة الفن بالواقع، بدت "ألف ليلة وليلة" لدى د. خوست موسوعة من زمن يمتد من القرن العاشر حتى الرابع عشر تقريباً، لتكون سجلاً أدبياً واجتماعياً ومعمارياً وإنسانياً، ملحمة تقدِّم منظومة معايير سياسية وأخلاقية وتربوية. وهي وإن كانت كذلك، إلا أنها لم تصنف الليالي كرحلة أو تاريخ، بل مجموعة من حكايات ممتعة تستند في أدائها إلى مكانة الراوي في مجتمعات شرقية تتذوق الحياة وتستعيد صورها في ليل متسع. أما لمن يبدو له أن الليالي خيالية، فهي قد تبدو كذلك للبعض كما جاء في الكتاب حين يتم سلخها عن كتب الرحالة والجغرافيين والمؤرخين العرب وما قدمته الحضارة العربية الإسلامية للفكر الإنساني من الشعر والفنون والعمارة والعلوم: "قد نتوهم أنها حكايات مسلية لا علاقة لها بمسألة العدل والظلم، ونستثنيها من علاقة الفن بالواقع لأننا نراها من زمن فقدنا فيه الطبيعة الغنية بالأشجار والمياه والطيور الشادية والأنهار المتدفقة، فتصحَّرت مجالات الخيال". من هنا توضح د. خوست في كتابها أن شهرزاد ليست أسطورية مثل عشتار، بل هي دنيوية من مجتمع دنيوي، تناولها كاتب الليالي مع موضوعاته وشخصياته من واقع حي في زمن فوار تنوعت فيه مجتمعات الحضارة العربية الإسلامية. ولذلك كانت شخصيات "ألف ليلة وليلة" برأيها قريبة من الوجدان العربي وأثَّرت في روائيي العالم ورساميه وموسيقييه، حيث قدَّمت شخصيات دنيوية متنوعة، فيها الإنس والجن، وفيها صيادون فقراء وخلفاء ووزراء وولاة، يتصدرهم التاجر المكتشف وأشخاص من دمشق وبغداد، وملك من ساسان، وأكبر تجار بغداد في أيام هارون الرشيد، ولصوص وحكام ورجال شرطة وأميرات. وفي حضن هذه التناقضات جرى الشعر والغناء وعاشت قصص الحب ومغامرات المسافرين.
الحفاظ على التراث العربي
كل ما جاء في الكتاب يبيِن الجهود الجبارة التي بذلتها د. خوست في جمع نصوصه، والذي يؤكد أنها لم تترك كتاباً من كتب التراث إلا وقرأته. ويبدو أن الهدف الأسمى للكاتبة من هذا الكتاب ليس تحيَّرها لكتاب "ألف ليلة وليلة" بل لحضارتها وتراثها، وهو ما هو جليّ في كل كتبها وكتاباتها، وهي المعروفة بنضالها في سبيل الحفاظ على التراث العربي. لذلك أرادت أن تقول من خلال العودة إلى "ألف ليلة وليلة" إن مجتمع هذه الليالي كان أكثر انفتاحاً، وهو يعكس حياة مجتمع راقٍ، وهو عكس ما تعيشه مجتمعاتنا الحالية من تخلف وواقع أليم.
د. ناديا خوست
روائية وقاصة سورية، من مواليد دمشق عام 1935. بكالوريوس فلسفة من جامعة دمشق، دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة موسكو، معروفة بكتاباتها التي توثق تاريخ دمشق وبلاد الشام، وتُعد من المدافعات عن دمشق القديمة وتراثها المعماري، في رصيدها عدد كبير من المجموعات القصصية، منها: أحب الشام، في القلب شيء آخر. ومن رواياتها: حب في بلاد الشام، أعاصير في بلاد الشام، شهداء وعشاق في بلاد الشام، وداع ولقاء في بلاد الشام، وفي الدراسات: مسار الواقعية في القصة السورية وكتب أخرى في المسرح.، عضو اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية، وعضو اللجنة العليا لدعم الشعب الفلسطيني ومناهضة المشروع الصهيوني. عضو اتحاد الكتاب. نالت جائزة الدولة التقديرية سنة 2016.