دعاء مأمون:صوت العرب – الاردن.
هل يعكس حضور المرأة في المسرح والسينما العربية تحوّلاً فعلياً في موقعها داخل العمل الفني، أم أن ما تغيّر هو شكل التمثيل لا بنيته؟
أطرح هذا السؤال وأنا أعرف أنه غير مريح. لأن الإجابة السهلة — نعم، تغيّر كل شيء، انظري إلى وجدة، انظري إلى فرح، انظري إلى هذا الجيل من المخرجات — هي إجابة تُريح ولا تُنير. والإجابة الأخرى — لا شيء تغيّر، هو مجرد تغليف جديد لقفص قديم — هي إجابة متشائمة بشكل يُعطّل التفكير. الحقيقة، كما أراها بعد سنوات من المشاهدة والكتابة النقدية، أعقد من الاثنتين وأقل راحةً منهما.
ربما لأنني، كلما شاهدتُ عملاً يُقال عنه إنه “أنصف المرأة”، أشعر بحاجة إلى التمهّل. ليس رفضاً، بل خوفاً من الإجابة السهلة. لقد تعلّمتُ — ببطء — أن أكثر الأعمال التي تُرضيني فوراً هي التي تستحق أن أُشكك فيها أكثر.
ما يشغلني — وربما يزعجني أكثر مما أود الاعتراف — ليس فقط ما يظهر على الشاشة أو الخشبة، بل كيفية بناء الشخصية النسائية داخل السرد. هل تمتلك قدرة حقيقية على الفعل والتأثير؟ هل تُخطئ وتتردد من داخل منطقها الخاص، أم أن أخطاءها مُصمَّمة لخدمة قوس درامي خارجها؟ هل رغبتها رغبتها فعلاً، أم أنها رغبة المخرج أو المنتج أو لجنة التحكيم مُلبَسةً جسدها؟
هذه الأسئلة لا تقبل إجابات نهائية. لكنها تقبل التفكير الأمين. وهذا ما سأحاول.
الأدوات التي أعمل بها — وتلك التي أتشكك فيها
سأكون صريحة منذ البداية، لأن الصراحة هنا ليست تواضعاً أكاديمياً بل ضرورة منهجية.
حين تقرأ نظرية لورا مولفي عن النظرة الذكورية في مقالتها «المتعة البصرية والسرد السينمائي» (1975)، تقرأ أداةً ثمينة ومحدودة في آنٍ واحد. ثمينة لأنها كشفت شيئاً حقيقياً لا يمكن رؤيته بعدها بعيون بريئة: الكاميرا الكلاسيكية تُقطِّع الجسد الأنثوي وتُعيد تجميعه لخدمة متعة المتفرج الذكوري، والمرأة على الشاشة موضوع يُنظَر إليه لا ذات تنظر. ومحدودة لأن مولفي كانت تتحدث عن هوليوود السبعينيات — وحين ننقل هذه الأداة بالكامل إلى سينما عربية تعمل في سياق ديني وطبقي وما بعد استعماري مختلف جذرياً، يحدث تشويه لا نلاحظه دائماً لأننا مشغولون بإعجابنا بالأداة.
و هذا نجده عند جوديث بتلر وفكرة أداء الجنس (gender performativity) في «اضطراب الجنس» (1990) فهي تقريباً تطرح الشيء نفسه. الهوية الجندرية ليست جوهراً ثابتاً بل أداء يتكرر ويمكن تخريبه — جميل نظرياً، ومُحرِّر على الورق. لكن ما معنى «تخريب» الأداء الجندري في سياق مجتمع يُعاقب هذا التخريب بثمن اجتماعي حقيقي تدفعه المرأة من حياتها اليومية لا من صفحات كتاب؟ الفلسفة تقول «يمكن». والواقع يقول «بكم؟» وأنا أقف بين السؤالين.
أما عند سبيفاك وسؤالها «هل يستطيع التابع الكلام؟» (1988) أجدُ هذا السؤال يلاحقني أكثر من غيره. فكلما شاهدت فيلماً عربياً يُعرض في مهرجانات الشمال وتصفق له لجان التحكيم، أجد نفسي أسأل: حين تتكلم المرأة العربية على شاشة كان أو البندقية، هل تتكلم فعلاً؟ أم أن صوتها يصل مُترجَماً عبر منظومة توقعات وأسواق وذوق غربي يريد أن يسمع ما قرر مسبقاً أنه سيسمعه؟ لا إجابة مريحة هنا. ولهذا بالضبط أحب هذا السؤال.
ربما تكون فاطمة المرنيسي — وهي الأقرب فعلاً لما أحتاجه كناقدة — فقد فعلت شيئاً مختلفاً: حفرت في التراث الإسلامي ذاته في «الحريم السياسي» (1987) بدلاً من أن تستورد مشرطاً غربياً لتشريح واقع عربي. هذا الفارق جوهري وليس إجرائياً. وهو ما يجب أن يميز النقد النسوي العربي الجاد عن مجرد تطبيق مناهج على مواد لا تعرفها تلك المناهج من الداخل.
كل هذه الأدوات التي أُعجَب بها وأتشكك فيها في الوقت نفسه، أجد نفسي أعود إليها كلما جلستُ وحدي أمام فيلم — ليس لأطبقها، بل لأرى أين تخونني.
قبل المضي، لا بد من التوقف عند فارق أنطولوجي — أي فرق في طبيعة الوجود لا في الشكل فقط — بين الوسيطين اللذين يشغلاننا. السينما تعمل بالغياب: الكاميرا تُؤطِّر وتقطع وتُعيد تركيب الجسد في غرفة المونتاج، وما تراه لاحقاً على الشاشة هو نتاج إدارة كاملة لذلك الجسد. حين تشاهدين فيلماً وحدك أمام الشاشة — كما أفعل — تملكين سلطة الإيقاف والتقديم والتأخير. لكن المسرح لا يمنحك هذه السلطة. الممثلة أمامك تتنفس وتتعرق وتُخطئ أحياناً في النطق وتُصحِّح نفسها. هذا الحضور الخام — الذي لا تستطيع الكاميرا تقليده مهما بلغت تقنياتها — يجعل المسرح مكاناً مختلفاً تماماً لسؤال الوكالة. الجسد على الخشبة أصعب إدارةً وأصعب ترويضاً. وهذا وحده يجعله مختبراً أكثر خطورةً وأصالةً.
في السينما: أفلام أعود إليها وأسئلة لا تتركني
صمت القصور
أعود إلى هذا الفيلم باستمرار. ليس لأنه مثالي — ليس كذلك — بل لأنه أمين بشكل يُزعج. مفيدة التلاتلي، التي درست في باريس وعملت مونتيرةً لسنوات طويلة قبل أن تُخرج، صنعت شيئاً نادراً: فيلماً يجعل المرأة ذاتاً تاريخية لا ضحيةً تُوظَّف لخدمة خطاب.
عُلية، ابنة الخادمة في قصر البايات التونسيين في خمسينيات القرن الماضي، لا تُقدَّم كبطلة. تُخطئ وتتردد وتخاف وتحب من لا يستحق. وكالتها تتشكل في لحظات كسر الخوف الصغيرة لا في انتصار كبير مُعلَن. والأهم — وهذا ما أحبه أكثر من أي شيء في الفيلم — أنه لا ينتهي بخلاص. عُلية تغادر القصر لكن القصر لا يغادرها. هذه التراجيديا المُضمَرة التي لا تصرخ بل تجلس ثقيلةً في الصدر، هي ما يجعل التلاتلي أكثر صدقاً من أعمال كثيرة جاءت بعدها تحت عنوان «تحرر المرأة» وأغلقت نهاياتها بفرح مريح.
الفيلم فاز بالكاميرا الذهبية في كان 1994 وبالتنيت الذهبي في قرطاج. لكن ما يهمني أكثر من الجوائز هو هذا: التلاتلي كتبت السيناريو استجابةً لمرض أمها المفاجئ وإدراكها أنها لا تعرف شيئاً عن حياة هذه المرأة التي ربّتها. هذا الدافع الشخصي الحقيقي يُفسّر ذلك الإحساس بالأمانة الذي يسري في كل مشهد. حين يأتي الفن من سؤال شخصي حقيقي، يُحسّه المشاهد حتى لو لم يُسمّه.
وجدة
هيفاء المنصور صنعت أول فيلم روائي طويل يُصوَّر بالكامل داخل المملكة العربية السعودية بيد مخرجة سعودية. هذه الجملة وحدها تحمل ثقلاً تاريخياً لا يمكن تجاهله. لكن ما يشغلني أكثر من الحدث التاريخي هو الخيارات الجمالية داخل الفيلم، لأن الجرأة التاريخية لا تضمن تلقائياً عمقاً فنياً.
وجدة فتاة عشر سنوات تريد دراجة. لا تريد أن تُغيّر العالم. لا تلقي خطاباً. لا تُمثّل «المرأة السعودية» كرمز. تريد دراجة لأنها تريد أن تسبق صديقها في السباق — وهذا كل شيء. وهذا التحديد البسيط هو الأذكى: الوكالة لا تأتي دائماً في لحظات البطولة الكبرى، بل في الإصرار اليومي الصغير على ما تريده حتى حين يقول لها العالم «هذا ليس لكِ».
أذكر أنني ابتسمتُ في مشاهد كثيرة، ثم انتبهتُ أن ابتسامتي نفسها جزء من اللعبة: أن أرتاح لفكرة أن الرغبة الصغيرة يمكن أن تكون كافية. لكنها — في الواقع — ليست كذلك دائماً.
المنصور صرّحت أنها لم تُرِد فيلماً يحمل شعاراً صاخباً. وهذا يظهر في النهاية التي لا تُقفل على انتصار نظيف: الأم لا تزال في مكانها المُعذِّب، والمجتمع لم يتحول، والدراجة موجودة لكن الطريق لا تزال ضيقة. أحترم هذا الاختيار.
لكن — ولا بد من لكن — يجلس في رأسي سؤال لا يرحل: هل كان الجمهور الغربي يُشاهد الفيلم نفسه الذي أُشاهده؟ أم كان يُشاهد «فتاة سعودية تتحدى النظام» بوصفها صورة نمطية مُريحة تُؤكّد ما يعرفه مسبقاً عن المنطقة؟ أطرح هذا السؤال لا لأشكك في قيمة الفيلم — قيمته حقيقية — بل لأن النجاح الدولي الكبير يستحق أن يُقرأ نقدياً لا أن يُحتفى به فقط.
سكر بنات
أحببته حين شاهدته أول مرة — ربما لأنني كنت أحتاج هذا النوع من الحنان. خمس نساء لبنانيات، صالون تجميل، حياة يومية بكل تفاصيلها الحقيقية والمضحكة والمؤلمة. لبكي تعرف كيف تنظر إلى النساء بحنو حقيقي لا يتحول إلى شفقة. لكن حين عدتُ إليه لاحقاً، لم أعد الشخص نفسه، ولا الفيلم بدا كما كان.
أرى الآن أن بيروت في الفيلم مدينة دافئة ومُبسَّطة بشكل انتقائي. الجرح السياسي والطائفي خارج الكادر تقريباً. هذا خيار جمالي مشروع. لكنه خيار، وكل خيار يستحق التساؤل عن دوافعه.
كفرناحوم
خرجتُ من الفيلم مثقلةً أكثر مما ينبغي — ليس بالحزن فقط، بل بشيء أقرب إلى الشك الأخلاقي الذي لا أرتاح له. الفيلم الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم في كان ورُشِّح للأوسكار ضخم وجريء ومؤلم بشكل يصعب التنفس معه.
لكن سؤالاً ظل يلاحقني بعد مشاهدته ولا يزال: حين تصنعين فيلماً عن فقر حقيقي ولاجئين حقيقيين ثم تعرضينه في مهرجانات تشتري تذاكرها بثمن لا يستطيع أن يتصوره أبطالكِ الحقيقيون — ماذا يحدث في تلك المسافة الهائلة؟ هل تمنحينهم صوتاً أم تُشهِّرينهم في مسرح لا يعنيهم؟ لا أملك إجابة. لكنني أرفض التظاهر بأن السؤال غير موجود، لأن التظاهر هذا هو الخيانة الأولى للنقد.
على حلة عيني
فاجأني هذا الفيلم حقاً. ليلى بوزيد صنعت فيلماً عن فرح، فتاة ثمانية عشر عاماً تُغنّي في فرقة روك سياسية في تونس صيف 2010 قُبيل الثورة مباشرة. ما يُميّز الفيلم أن بوزيد لا تُقدّم فرح بطلةً مكتملة. تُقدّمها خائفةً وعنيدةً وحائرةً ومحبةً ومُخطِئة في الوقت ذاته.
جسدها الصوتي — صوتها في الغناء تحديداً — هو الفضاء السياسي الحقيقي في الفيلم. وهذا ذكي لأنه لا يُعلن عن نفسه ولا يطلب منك أن تُصفّق.
ما بقي معي حتى الآن ليس الجوائز، بل لحظة صغيرة: فرح تُغني وأمها تنظر إليها بمزيج من الفخر والخوف لا تستطيع إخفاءه. لحظة لا تشرح نفسها ولا تطلب منك أن تفهمها. هذا النوع من الصمت البصري هو ما يجعل الفيلم يعيش بعد انتهائه.
المسرح يختلف عن السينما باختلاف جوهري يبدو بديهياً لكنه ليس كذلك في نتائجه. في المسرح، الجسد الأنثوي لا يمكن تقطيعه في المونتاج وإعادة تجميعه. هو كامل وحاضر ومتنفِّس أمام الجمهور.
في المسرح، لا أستطيع أن أختبئ كمتفرجة. أشعر دائماً أنني مكشوفة بقدر ما هي مكشوفة. وهذه العلاقة غير المريحة هي بالضبط ما يجعل أحكامي أقل ثقة… وأكثر صدقاً.
هذا الحضور يحمل قوةً لا تعرفها الشاشة. لكنه يحمل أيضاً خطراً مختلفاً: الاستعراض في المسرح مباشر، وحين تستخدم بعض العروض الجسد الأنثوي كأداة جمالية بحجة التحرر، تُعيد إنتاج النظرة الذكورية بوجه مختلف — وأحياناً أكثر خبثاً لأنه يرتدي ثوب الفن التجريبي.
بيروت تحديداً أنتجت مسرحاً تجريبياً جريئاً ومتحرراً شكلياً. لكن السؤال الذي لا أستطيع إسكاته هو هذا: هل الجرأة الشكلية تعني بالضرورة عمقاً حقيقياً في التعامل مع الجسد الأنثوي؟ في أحيان كثيرة لا.
المسرح الذي يمنح المرأة وكالة حقيقية هو ذلك الذي يبنيها من داخل الشخصية لا الذي يستخدم جسدها بياناً سياسياً. الفرق دقيق لكنه حاسم — وهو فرق أعرفه حين أراه، حتى حين يصعب عليّ تسميته.
كلما شاهدت فيلماً عربياً «نسوياً» ينجح في مهرجانات دولية كبرى، يجلس في رأسي سؤال واحد لا يرحل: من صفّق أولاً؟ الجمهور المحلي أم لجنة التحكيم؟
هذا ليس سؤالاً تآمرياً. لكنه سؤال ضروري لا أستطيع أن أكون ناقدة أمينة دون أن أطرحه.
هل المخرجة امرأة يكفي؟
لا. ببساطة: لا.
ربما لهذا لا أستطيع أن أكتب هذا النص بوصفه حكماً نهائياً. كل ما أملكه هو هذا التردد نفسه — وهذا الإصرار على ألا أُخفيه.
لن أقول إن ما شهده تمثيل المرأة في السينما والمسرح العربيين بين 2000 و2026 مجرد وهم. لأنه ليس كذلك.
لكنني لن أقول أيضاً إن ما حدث كافٍ. لأنه ليس كذلك أيضاً.
ما أعرفه — بعد كل هذه السنوات — هو أن النقد يحتاج إلى شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن يُصغي.
وجدة لا تزال تركض. عُلية لا تزال تغني في مكان ما في الذاكرة. فرح لا تزال تفتح عينيها على مدينة على حافة الاندلاع.
وأنا — كمن شاهدتهن — لا أزال أحاول أن أكتب دون أن أخون هذا الأثر.