2026 ,19 نيسان

الفنان السوداني الراحل "مختار بخيت".
عصام أبو القاسم:صوت العرب - الشارقة.
حزين لرحيل الصديق العزيز مختار بخيت؛ الرجل الذي أبدع أجمل أعماله الدرامية بوجدان "لمة الحبان"، واستحوذ على قلوب المشاهدين بحكاياته الشعبية البسيطة والذكية، القائمة على مفارقات "البندر والفرقان"، والهادفة إلى عكس ثراء ولذائذ الخلفيات العرقية المتنوعة في البلاد حين تتقبل بعضها بعضا وتتواصل وتتفاعل.
لقد كان بخيت ممثلا فكاهيا رشيقا، وحكواتيا بمزيج عجيب من الفطرة والتمرس، يملك القدرة على تحويل أكثر المواقف قسوة إلى مهرجان صاخب بالضحك، وهو يملك العدة اللازمة لذلك: وجهه المرح الذي تلتقي في خطوطه انكسارات أيام الشقاء بطموحات التحقق، وملامح الفرح المؤجل، والألفة الأنيسة.
هو، إلى جانب جمال حسن سعيد ومحمد عبد الله وإبراهيم كوميك، منحوا الكوميديا السودانية نبضها الجديد، وحرروها من سطوة الأداء النمطي الذي ميز عمل الجيل الأسبق من الكوميديين، وفي مقدمتهم الفاضل سعيد.
ومختار، على وجه الخصوص، نجح في ابتكار نسخة تلفزيونية بديعة تحاكي مسلسلات الإذاعة التي تعتمد على فضاء "دكان الحلة" في نسج الحكايات والحبكات الدرامية؛ وذلك من خلال سلسلته الدرامية الرائجة "الدعيتر"، التي قدم منها مواسم عدة قبل أن تضطرب أحوال البلاد وتأتي على الأخضر واليابس.
عبر هذه السلسلة، وبقدر ما احتفى مختار - مع فريقه بطبيعة الحال- بالإرث الثقافي والاجتماعي لمجتمع غرب السودان -محدثا تجديدا مهما على الشاشة بهذا التوجه- أفسح أيضا مجالا واسعا لبقية ثقافات السودان لتتجاور وتتحاور في مساحة من الحب والسماحة والابتهاج.
ولقد رسخت تلك السلسلة اسمه لدى جمهور "الشاشة الصغيرة"، بل إنها غيرت اسمه فصار لقبه "الدعيتر" أشهر من اسمه الحقيقي، وجعلته محبوبا لدى قطاعات واسعة من الناس، لدرجة أنه كان يتعرض للحرج أحيانا حين يذهب لواجب عزاء؛ لما يثيره حضوره من ضحكات لا إرادية!
في عز الحريق ووسط الخراب الذي عرفته البلاد، سعى بخيت -الذي تعرض لمحنة حقيقية وخرج منها أكثر سطوعا وحلما- إلى نشر ثقافة الحياة والتعايش والأمل والوئام الاجتماعي، ودفع الثمن غاليا من صحته واستقراره. وها هو يرحل اليوم بعيداً عن أسرته وأهله وجمهوره الواسع.
يرحل مختار بخيت اليوم، لكن "الدعيتر" سيبقى خالداً في الأذهان وفي كل ركن من أركان السودان.
بالغ التعازي لأسرته الصغيرة وأهله وعائلة الدراميين السودانيين.