في ذكرى رحيلها ":الكاتبة ألفة الإدلبي .."ست الشام".
2026 ,17 نيسان
أمينة عباس: صوت العرب- دمشق.
لقبت بـ "ست الشام". وحين قرأ محمود تيمور مجموعة من القصص التي كتبتها قال: "إنها طراز خاص وشخصية مستقلة، فيها تصوير للحياة الشرقية، فهي شرقية الجو والروح والنزعات". أما مارون عبود فقال عنها: "لقد استطاعت أن تصور لنا في قصصها أعماق نفسية المرأة ونزواتها، فأفادت بذلك القصة العربية جيداً". في حين رأى المفكر والمؤرخ السوري إبراهيم الكيلاني أن لقصصها قيمة وثائقية فولكلورية حملت الكتاب في الشرق والغرب على ترجمتها إلى لغاتهم. كما أكد عبد السلام العجيلي على موهبتها البارعة في تسجيل قصص الحياة الواقعية بأسلوب رائق وسرد طليّ، مستمدين من نضارة الحياة الشامية التي تصفها فيما تكتبه، وتكاد تكون برأيه الوحيدة بين قصاصينا وكاتباتنا القصصيات التي بلغت درجة الكمال بهذا النوع من الفن القصصي.
قارئي وناقدي
على الرغم من أنها لم تكتب إلا عندما تجاوزت الثلاثين من عمرها، وقد كان لها ثلاثة أولاد، إلا أن ذلك لم يأت بين ليلة وضحاها أو نتيجة نزوة عابرة، وهي التي كانت مولعة بالقراءة منذ صغرها تأثراً بوالدها الذي كان ذوّاقة للأدب ويمتلك مكتبة تراثية قديمة، تجولت فيها بين كتب الجاحظ وكتاب الأغاني للأصفهاني وغيرهما من الكتب التراثية القديمة. وأتاحت لها مكتبة خالها الكاتب المعروف كاظم الداغستاني الاطلاع على الكتب الحديثة، فقرأت فيها لطه حسين وتوفيق الحكيم وجبران خليل جبران ومي زيادة. ومن هنا كان تشجيع الأهل هو الذي دفعها للقراءة أكثر ومن ثم الكتابة، اللتين لم تنقطع عنهما رغم زواجها في مرحلة مبكرة من عمرها. ولحسن حظها، فإن زوجها شجع اهتماماتها الأدبية، وهنا تقول: "لولا تشجيع زوجي وتحفيزه لي على الكتابة لما استطعت أن أكتب حرفاً، وقد كان في الواقع قارئي وناقدي الأول، مع أنه كان طبيباً ودراسته كلها علمية".
من الخواطر إلى القصة القصيرة
في العام 1930 بدأت بكتابة الخواطر دون نشرها. وحين أصيبت بمرض أقعدها الفراش لمدة طويلة عام 1932، كان الكتاب رفيقها إلى أن شفيت. لذلك عندما بدأت كتابة القصة القصيرة في فترة الأربعينيات لم تجد صعوبة في كتابتها. وقد نالت قصتها "القرار الأخير" التي شاركت بها في المسابقة التي أعلنت عنها إذاعة لندن لاختيار أفضل ثلاث قصص من العالم العربي الجائزة الثالثة، فكان ذلك عاملاً محرضاً لها على متابعة الكتابة. ولما اجتمعت لديها مجموعة من القصص، أرسلتها إلى محمود تيمور رائد القصة القصيرة العربية، لكتابة مقدمة لها إن وجد أنها صالحة للنشر، فكانت النتيجة أن كتب لها مقدمة عبر فيها عن إعجابه بما كتبته، فكان ذلك دافعاً لها لأن تستمر في كتابة القصة.
دمشقية المولد والهوى
ولأن الإدلبي كانت دمشقية المولد والهوى، لم تغب دمشق يوماً عن صفحات كتاباتها، ولطالما كانت تقول: "دمشق هي أمي، وكم أتمنى أن أكون ابنتها البارة". وقد كانت كذلك، حيث لم تخلُ كتبها ورواياتها من اسم دمشق في عناوينها، منذ أول كتاب ألفته وحتى آخر كتاب، فحضرت دمشق بأريجها وعبقها وعاداتها وتقاليدها وناسها. وهنا تقول: "عندما يكتب الكاتب عن بيئته يكون أكثر صدقاً. أحب دائماً أن يكون الكاتب أميناً وصادقاً إلى أبعد حد فيما يقول، وهو معنيّ أن يكتب عن الأشياء والأمور التي يعتقدها ويؤمن بها فقط". أما عن مدى كون هذه الكتابات تلخص سيرتها الذاتية، فكانت تؤكد دائماً أنها لم تصوّر نفسها في أي عمل من أعمالها، وقد كانت تستمد قصصها وشخصياتها من بيئتها ومعارفها وأقاربها: "أضع شعوري أو شيئاً منه في أبطال رواياتي، أحاول دائماً أن أتقمص شخصياتهم فأضع نفسي مكانهم وفي مثل عمرهم". ولا بد من الإشارة إلى أن هناك منطلقين كانت تحرص دائماً على الكتابة من خلالهما: المنطلق القومي، وهي التي عالجت الأحداث القومية التي مرت على الوطن العربي كالثورة السورية والقضية الجزائرية والفدائيين، ومنطلق اجتماعي، إذ كتبت عن المرأة والظلم الذي مارسه الرجال عليها، وهذا ما جعلها تنهي روايتها "دمشق يا بسمة الحزن" بانتحار البطلة صبرية لتهز ضمائر من بيدهم تقاليد الأمور. ولذلك كانت الإدلبي من أبرز نساء النهضة الوطنية، وقد ناضلت من أجل تحرير المجتمع وعملت من أجل نصرة حقوق المرأة، فشاركت في مؤتمرات تناقش قضاياها، وكانت من أوائل السيدات اللواتي خرجن في مظاهرة ضد الاحتلال الفرنسي، في حين خرجت عام 1948 لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين وعملت على خدمتهم، كما تواصلت عام 1960 مع أهلنا في الجزائر ودعمت نضالهم، وقامت بواجبها النضالي في حرب 1967 وحرب 1973، فكانت واحدة من المناضلات السوريات.
الرواية كمن يبني بيتاً كاملاً
على الرغم من أن جل ما كتبته الإدلبي كان في القصة القصيرة، إلا أنها كانت ترتاح لكتابة الرواية أكثر من غيرها لأنها تتيح للكاتب أن يسهب في وصف التفاصيل والأحداث والمشاعر الخاصة، وهذا ما جعلها تقول: "القصة القصيرة كمن يبني غرفة، أما الرواية فكمن يبني بيتاً كاملاً". وقد كتبت روايتها الأولى في مرحلة متأخرة من حياتها، وقد تجاوزت من العمر 68، وهذا يعني أنها لم تقترب من هذا الجنس إلا بعد فترة طويلة من الكتابة والإبداع والنضوج الفني والأدبي. ولذلك جاءت ولادة الرواية الأولى لها "دمشق يا بسمة الحزن" ناجحة بامتياز، وهي التي تدور أحداثها في فترة العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. وقد عبرت الإدلبي في أكثر من حوار لها عن رضاها العام عن الرواية، مبينة أنها كتبتها على أساس أنها ثنائية أو ثلاثية، وقد كانت مكتملة الملامح في ذهنها، إلا أنها انصرفت عن إتمامها للبدء برواية أخرى لها هي رواية "حكاية جدي"، التي كانت حريصة على إتمامها لأنها كانت حكاية جدها لأبيها، وهي حكاية واقعية كانت تسمعها من أمها وخالاتها عندما كانت صغيرة، وتدور حول سبب هجرة جدها من بلاد داغستان إلى دمشق. وحين قررت أن تكتبها، كتبتها لليافعين، الفئة التي كانت ترى أنها من الأعمار المهضوم حقها أدبياً.
تمنت النقد اللاذع
لم تتعرض الإدلبي لنقد لاذع في مسيرتها الأدبية، وقد وجدت كل تشجيع من النقاد لكل ما كتبت، وإن كانت تتمنى وجود مثل هذا النقد لها، لأن ذلك كان يمكن أن يقومها أكثر مما كانت عليه. ولذلك كانت تقول دائماً: "لم أحقق طموحاتي بالشكل الذي كنت أتمنى، بل قصرت وقصرت جداً في هذا المجال، وألوم كسلي، فقد كان بإمكاني أن أعطي أكثر وأحسن مما أعطيت". رحلت الإدلبي عن عمر جاوز 93 في 21 آذار 2007 في باريس، وهي بعيدة عن دمشق التي عشقتها، لتعود وتسكن تحت ترابها بناء على وصيتها.
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون