د. أمل الجمل :صوت العرب - القاهرة.
حين تكتشف أهمية القوة الناعمة لبلدك خارج حدودها.. هكذا شعرت ودارت الأفكار في عقلي بعد أن أنهيت محاضرتي عن «جماليات السينما والتليفزيون» في مؤسسة عبد الحميد شومان، بالأردن.
فجر هذه الأفكار بداخلي ذلك الحديث المطول مع الأصدقاء والمسئولين عن هذه المؤسسة العريقة التي تلعب دوراً تنويرياً استثنائياً داخل الأردن عبر الندوات والمحاضرات والمقالات التي تجذب جمهوراً عريضاً، مثلما تمتلك مكتبة نادرة يُمكن أن نضرب بها المثل، لأنها تتجاوز حدود جدران المؤسسة وتسمح للمؤسسات والجامعات والهيئات الاخرى أن تستعير من كتبها.
أعود للفكرة التي دارت بعقلي عن اكتشاف أهمية القوة الناعمة لبلدي خارج حدودها. أحدهم قال فجأة: إن معرض القاهرة الدولي للكتاب نعتبره الأهم في كافة أرجاء الوطن العربي. سألته: لماذا؟ فتحدث عن تنوع الكتب وثراء المكان بالأنشطة المختلفة المتباينة والنقاشات والموائد المستديرة وغيرها من الفعاليات.. لكنه توقف طويلاً أمام الأسعار المشجعة المحفزة على الشراء، وأيده في ذلك آخرين. إن الأسعار المميزة لإصدارات الهيئة العامة للكتاب، والهيئة العامة لقصور الثقافة تفتح المجال أمام المؤسسة أن تشتري أضعاف مضاعفة مما تشتريه من معارض آخرى، ليس فقط في تعدد العناوين والموضوعات، ولكن أيضاً تسمح لميزانيتها أيضاً أن تشتري بها نسخاً من الكتاب الواحد لإهدائها لمكتبات مؤسسات آخرى.
هذا الأمر أعاد إلي الكلمات النقدية للبعض - من دول بترولية - للنسخ الشعبية في مصر من تلك الإصدارات، مٌلمحين إلى مستوى الطباعة حيث الجودة ليست فاخرة كما في بلادهم. لكني وقتها قلت. جودة الطباعة لا تأتي دائما في المرتبة الأولي طالما كانت الطباعة تسمح لنا بالاستمتاع بالقراءة، طالما كنا قادرين على القراءة وتغذية أراحنا وعقولنا ووجداننا بالوعي والمعرفة. ثم جاء حديث وإشادة الأصدقاء في الأردن الشقيق ليُؤكد على أهمية مثل تلك الإصدارات في اثنتين من أهم وأعرق المؤسسات المصرية، لم يكتفي الأصدقاء بذلك لكنهم تحدثوا عن سعادتهم بطباعة بعض كتبهم في تلك المؤسسات.
هذا يُعيدني إلي تجربتي الشخصية: فكتابي الثالث والذي صار مرجعاً مهماً في تاريخ السينما للمصرية - بشهادة الأساتذة وفي مقدمتهم د. مجدي عبد الرحمن / المونتير والمؤرخ الأبرز للسينما المصرية والعربية - وعنوانه: «أفلام الإنتاج المشترك في السينما المصرية» صدر عام ٢٠٠٩ عن هيئة قصور الثقافة/ سلسلة آفاق السينما، وقتها كان هناك أساتذة كبار يعرفون جديتي ويُقدرون قيمة ما أقوم به من بحوث ودراسات مثل المخرج والناقد أحمد الحضر والناقد والمؤرخ الأستاذ محمد عبد الفتاح.
طارق الطاهر
ثم سعدت بتجدد التجربة مرة آخرى هذا العام بإصدار كتابي «سطوة الصورة وسلطة المبدع» ضمن سلسلة آفاق السينما. والسبب وراء خروج هذا الكتاب من الهيئة اثنين من أكفأ المثقفين والكُتاب المخلصين للثقافة الذين يُدركان تماماً ما هو الدور المنوط «بقوة مصر الناعمة». إنهما الكاتب والصحفي الدؤوب طارق الطاهر، والروائي والصحفي الحسيني عمران.
هنا، أتوقف أمام الكاتب الصحفي طارق الطاهر الذي أتأمل نشاطه وعشقه للثقافة، شغفه بالتوثيق، هذا واضح جدا مع شخصية نجيب محفوظ، ومتحفه شديد التميز، وطارق إضافة إي كتبه وإصداراته فإنه لا يدخر جهداً شفيفاَ في مساعدة كل شاب وفتاة من الباحثين الجادين - بشكل أصبح نادر - مثلما يمتلك روح نقية تحتفي بأي إصدار جديدة ومناقشته، إلي جانب أن الطاهر يمتلك موهبة التعامل مع الموظفين والعمال في مختلف الدرجات، طارق يمتلك المثابرة والعزيمة التي لا تستسلم لاستخراج المعلومة والوثيقة التي يٌنقب عنها لإنجاز مؤلفه، مثلما يعرف دهاليز وشعاب هذه المؤسسات، لذلك يُعد من أنجح الناس الذين يمتلكون ملكة إدارة مثل هذه الأمكنة والمؤسسات وهو قادر على أن يجمع الناس من حوله لإنجاز المهام بكل السبل، لذلك لم يكن غريباً أبداً أن يتولى القيام بعدة مهام داخل الهيئة، فهو عضو المجلس ورئيس تحرير مجلة "الثقافة الجديدة" التابعة للهيئة، كما أشرف على لجنة النشر المسئولة عن اختيار عناوين معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الأخيرة.
الحسيني عمران
أما الحسيني عمران فهو روائي وكاتب صحفي يمتلك حس مهم يتعلق بكيفية اصدار الكتب القيمة دون أن يتخلي عن الجانب الترويجي والإعلاني الذي يجذب جمهور القراء، ويعمل مع فريقه بالمكتب مثل خلية نحل - خصوصاً السيدة مها التي لا تفارقها ابتسامتها رغم أي جهود تبذلها - وأعتقد أن السبب وراء ذلك حبها لعملها والدور الذي تبذله وإدراكها لأهميته، كما أن الجانب الإنساني لعمران قادر على جمع الناس من حوله لتحقيق مشروعه. إنه أيضاً يمتلك موهبة وقناعة تجمع بين الهادف والجاذب، بين الأعمال الترفيهية دون التخلي عن المضمون الفني والفكري وأوضح دليل على هذا تلك العناوين الصادرة عن هيئة قصور الثقافة في عهده، فهذا العام وحده نجح في إصدار أكثر من 165 عنوانًا جديدًا لـ«قصور الثقافة» في معرض الكتاب.
تأملوا العتبات الأولى لتلك الكتب ستجدونها في أغلبها أغلفة شديدة الجاذبية، تحمل جماليات فنية عالية المستوى، حتى العناوين ذاتها يتوقف أمامها الحسيني ويعتني بها طويلاً، وشخصياً خبرت ذلك فقد تناقش معي في عنوان كتابي، وأعرف أن هذا حدث مع آخرين، كما أنه لا يكتفي بترك تصميم الأغلفة للقائمين عليها لكنه يتدخل ويراجع، ويطلب تعديلات، ويُضيف إقتراحات ترتقي بمستوى الإبداع الخاص بالغلاف، مما يجعله ينافس أكبر دور النشر رغم أن الإمكانيات الطباعية والموارد لا تضاهي دور النشر الخاصة.
وهذا ليس بأمر غريب علي الحسيني عمران، فقد شغل منصب مدير الديسك المركزي للكل من مجلة الفيلم وموقع «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، ومدير إدارة التصحيح والمراجعة اللغوية بالهيئة العامة لقصور الثقافة، ومدير تحرير سلسلة الذخائر، وسلسلة نصوص مسرحية، وشارك في العديد اللجان، وأشرف على إصدار العديد من الكتب في شتي الفعاليات الثقافية ومنها مهرجانات سينمائية كبرى، وهو في الأصل أديب صدرت له مجموعة قصصية «تقاسيم الغربـة»، ورواية «الجذام»، ورواية «جوانتنامو»، ومسرحية «العاشق والمعشوق»، ومسرحية «مجرد حلم»، التي تم عرضها على خشبة مسرح قصر ثقافة الزقازيق.
أما عن سر سعادتي بالنشر هناك: أنني أدركت أن كتابي ستنفذ طبعته سريعاً مثلما حدث مع كتابي الأول في الهيئة. فالكتاب الذي يصدر عن هيئة قصور الثقافة يصل إلي شريحة كبير من المهتمين والمثقفين بسبب السعر الذي يكون في متناول أيدي الطبقة المتوسطة، والذي لا يُضاهيه السعر في دور النشر الخاصة التي ارتفعت أسعارها لما فوق ثلاثمائة جنيه وبعضها يصل إلي ألفين من الجنيهات.
صحيح أن الدولة تدفع جزءاً من هذه الكُلفة - دعماً للكتاب - حتى يصل بسعر يكاد يكون زهيداً إلي المواطن، لكن هذا واجب الدولة، واجب وزارة الثقافة، واجب الهيئة العامة لقصور الثقافة، وكذلك الهيئة العامة للكتاب.
خطورة دور القوة الناعمة
لماذا؟ لأن هذا جزء جوهري من القوة الناعمة لمصر، داخلها وخارجها، ففي البدء كانت الكلمة. وقد شاركت بمؤتمر أدباء مصر بالعريش ورزيت بعيني أهمية ذلك الدور، وحضرت فعاليات للهيئة بشهر رمضان كان أغلبها مجاني بحديقة الطفل بالسيدة زينب وشاهدت تجاوب الأهالي والأسر مع الفعاليات سواء كانت أدبية أو غنائية أو استعراضية أو فلكلورية، وهو أمر ذكرني بما يحدث في شوارع الدول الأوربية حيث تنتشر ثقافة الرقص والغناء وعزف الموسيقي. هذا يترك أثره في النفس والروح، ولا شك سوف يؤثر على السلوك مستقبلاً، فلتستمر الهيئة العامة لقصور الثقافة في دورها، بدعم من رجالها المخلصين.
وترجع أهمية القوة الناعمة أنها تملك قدرة فائقة على الجذب والإقناع دون اللجوء إلى العنف. إنها الحصن الحصين ضد الإرهاب، إننا حين نقدم كتب بأسعار زهيدة نمنح الناس فرصة للانشغال بالقراءة.
وحين تقيم الدولة عروضاً مسرحية مجانية، وآخرى بأسعار زهيدة تمنح فرصة للطبقة الفقيرة والمتوسطة أن تستمتع بالفنون، وتنغمس فيها، فتستقبل الرسائل التثقيفية والتوعوية، أو على أقل تقدير لا نترك لها فرصة لاستقبال الفكر المتشدد، أو الإرهابي.
لأنك حين تترك مساحة لعرض وتقديم الجمال فلابد أن يتأثر به المجاور له، المشاهد له، المستمتع به. إذاً، ليس من فراغ المثل الشعبي القائل: «من جاور الحداد انكوى بناره،، وجاور السعيد تسعد.» لذلك فهيئة قصور الثقافة بوابة مهمة تلعب دوراً خطيرا للإنفتاح على الوعي وغرس بذور التقديم. إنها من دون شك تضع الأساس الصحيح والدعائم المستنيرة للمستقبل.