مريم العريض في "سيدة كركوان": أيقونة نسوية تُنقش ذاكرة قرطاج على الركح .
2025 ,13 أيلول
*كافية الراجحي:صوت العرب - تونس .
قدّم مهرجان الحمامات الدولي عرض "سيدة كركوان "كحدث مسرحي مميّز يعيد إلى الحياة مدينة قرطاج 
الفينيقية من تحت الركام. في قلب هذا المشهد، تألقت مريم العريض في دور "السيدة"، حيث تجاوز أداؤها 
البعد النصي ليصبح لغة جسدية وصوتية متكاملة، تجّسد الصالبة والانوثة وتحّول الشخصية إلى أيقونة حيّة 
للمرأة المقاومة. فأضاف حضورها الغنائي بعدًا آخر للعمل، إذ قدّمت مقاطع مستوحاة من التراث البونيقي، 
امتدادًا لتجربتها في أغنية "إيديت يم ")سيدة البحر(، من تلحينها .هذا التداخل بين الغناء والتمثيل لم يكن 
مجّرد إضافة جمالية، بل وسيلة لاحياء التراث وربطه بالخيال الجمالي المعاصر، مما منح صوتها دوًرا 
محوريًا في تواصل الجمهور مع التاريخ والذاكرة الجمعية. 
فمهرجان الحمامات الدولي ليس مجرد منصة للعرض، بل شاهدًا حيًا على إبداع الفنانة ومساهمتها في إعادة 
الحياة إلى التراث، فيما تبرز مريم العريض كرمزية للمرأة القادرة على تحويل المأساة إلى ذاكرة نابضة 
بالحياة، وعلى ربط الماضي بالحاضر من خلال الفن. 
مريم العريض فنانة تونسية متعددة المواهب، تجمع بين التمثيل والغناء والاداء الجسدي، وتتميّز بقدرتها 
على خلق حضور مسرحي متكامل ينبض بالحس الجمالي والرمزي في آن واحد. عرفت من خلال أعمالها 
الغنائية والمسرحية وبسعيها المتواصل لاعادة إحياء التراث الثقافي التونسي،لا سيما التراث البونيقي، 
ودمجه مع المعالجات اإلبداعية المعاصرة. 
لقد شكلت تجربتها في عروض سيدة كركوان مثالا على قدرتها على مزج الاداء التمثيلي بالصوت والغناء 
والايقاع الجسدي، لتجّسد الشخصيات الرمزية بأسلوب يربط بين الماضي والحاضر، ويعيد إلى الذاكرة 
التاريخية نبضها المفقود.
العريض ليست مجرد ممثلة أو مغنية، بل هي رمز للمرأة المقاومة في المسرح 
التونسي، قادرة على تحويل المأساة إلى ذاكرة حية، وإضفاء بعد إنساني وجمالي على الاحداث التاريخية، 
مما يجعل حضورها الفني علامة فارقة في المشهد الثقافي المعاصر. 
حضور المرأة المقاومة مريم العريض في سيدة كركوان :أنوثة مقاومة وذاكرة نابضة 
يأتي عرض سيدة كركوان ليؤكد من جديد قدرة المسرح التونسي على إعادة استثمار التاريخ والذاكرة 
الجماعية في صياغة رؤى جمالية ودرامية ذات طابع معاصر. فالنص يستحضر مدينة كركوان البونية، 
وما تختزنه من دلالات حضارية مرتبطة بالصمود في وجه الانهيار، ليبني عليها حكاية مسرحية تتقاطع 
فيها المأساة مع الامل، والتاريخ مع الحاضر.في قلب هذا البناء الدرامي، تألقت الفنانة مريم العريض في تجسيد شخصية "سيدة كركوان"،
حيث بدا أداؤها أبعد من مجرد تمثيل لشخصية مكتوبة، بل تحّول إلى فعل جمالي قائم على الجسد والايماءة والايقاع 
الداخلي للحركة. و تميز حضورها على الركح بطاقة شعرية جعلت من الشخصية محور العرض وأحد 
أبرز مفاتيحه التأويلية. 
من الناحية الاخراجية، منح العمل مساحة واسعة للتعبير الجسدي والايقاع البصري، وهو ما جعل أداء 
العريض يكتسب بعداًطقسياً أقرب إلى المشاهد االحتفالية. فقد تعاملت مع جسدها بوصفه نصاً آخر، يوازي 
النص المكتوب، بل ويتفّوق عليه أحياناً، في خلق صور مسرحية غنية بالدلالات. ومن خلال نظراتها، 
وقفاتها، وحركات يديها، استطاعت أن ترسم مساراً درامياً يبرز الصلابة والانوثة، ويؤسس لصورة المرأة 
ككائن مقاوم قادر على تحويل المأساة إلى ذاكرة نابضة بالحياة. 
فالاداء هنا لم يكن محايداًولا زخرفياً، بل مشبعاً بالرمزية. "السيدة" لم تُطرح كأنثى منكسرة أو شاهدة 
صامتة على الخراب، بل كرمز للكرامة الانثوية التي ترفض الاندثار.
العريض قدّمت شخصية تحمل في داخلها مزيجاً من الصرامة والعاطفة،من الغضب والحنين،من الانكسار والرغبة في النهوض. بهذا المعنى، 
صاغت صورة جديدة للمرأة في المسرح التونسي، لا تقف عند حدود الجماليات الشكلية، بل تنفتح على 
رهانات فكرية وثقافية أعمق: مقاومة التهميش، استعادة الهوية، وإعادة االعتبار للذاكرة التاريخية. 
كما أن علاقتها ببقية عناصر العرض ـ من السينوغرافيا إلى الايقاع الموسيقي ـ عّززت من مركزية دورها. 
فقد بدت وكأنها المحّرك الاساسي للمشهد المسرحي، قادرة على تجسيد التحولات الدرامية، ومخاطبة المتلقي 
مباشرة من موقع القوة لا الضحية. هنا يكمن تفّرد أدائها: تحويل الخاص إلى كوني، وتحويل الانثوي إلى 
صوت جمعي يعكس قلق المجتمع وإصراره على البقاء. 
إن تجربة مريم العريض في سيدة كركوان تضعها ضمن الاسماء البارزة في مسار المسرح التونسي 
تتحدى النسيان وتحّول الالم إلى طاقة إبداعية. إنها تجربة تتجاوز حدود العرض الواحد لتفتح أفقاً جديداً
المعاصر، لانها جمعت بين الحس الجمالي والوعي الرمزي، وقدّمت نموذجاً راسخاً للانوثة المقاومة التي 
حول دور المرأة الفنانة في إعادة كتابة الذاكرة المسرحية. 
المشهد البصري والموسيقي: تكامل الفنون 
تميّز العرض بمزج متوازن بين التمثيل والغناء والرقص التعبيري، مدعوًما بخلفيات سينوغرافية رقمية 
دقيقة وأزياء تاريخيةُ صّممت على نحو يوثّق الملابس الفينيقية للجنود والنبلاء والعامة، بما عكس البنية 
الاجتماعية والتراتبية الطبقية آنذاك.
وقد أُدخل البعد العاطفي من خلال قصة حب رمزية بين شخصيتين من طبقتين اجتماعيتين مختلفتين،
ليجّسد العرض التوترات الطبقية والتحولات الانسانية داخل سياق الانهيار 
التاريخي. الحب هنا لم يكن انفعالا مباشًرا، بل حالة هّشة تعكس المقاومة والخيانة والتحالفات المتغيرة. 
الصوت الغنائي: جسر بين التراث والمعاصرة 
إلى جانب الاداء التمثيلي الذي قدّمته ضمن عرض "سيدة كركوان "في إطار مهرجان الحّمامات الدولي، 
أظهرت الفنانة مريم العريض حضوًرا مميًّزا من خلال توظيفها للصوت الغنائي بوصفه مكّونًا دراميًا 
وجماليًا متكاملا. فقد أدّت، في لحظات متفرقة من العرض، مقاطع غنائية مستوحاة من التراث البونيقي، 
جاءت بمثابة امتداد لتجاربها السابقة في استحضار الموسيقى القرطاجية، ولا سيما عندما قدّمت أغنية 
"إيديت يم ")سيدة البحر( باللهجة البونية خلال إحدى التظاهرات التراثية بمدينة نابل. 
فالتداخل بين التمثيل والغناء أتاح لها أن تساهم في إثراء العرض على مستويات متعددة؛ فالغناء لم يكن 
مجّرد إضافة جمالية، بل شّكل وسيًطا بين المتلقي والمشهد التاريخي، وأداةً لاحياء ذاكرة موسيقيةُ غيّبت 
عبر العصور. ومن خلال حضورها الغنائي، بدا وكأن العريض تستحضر أصواتًا دفينة من أعماق 
المتوسط، لتربطها بالراهن المسرحي في صياغة تحاكي الروح الطقسية للاداء المسرحي القديم، وتؤسس 
في الان ذاته لتجربة معاصرة تتجاوز حدود التقليد الفلكلوري. 
وبذلك، تحّول صوتها في العرض إلى عنصر مركزي داخل البنية الدرامية، يرافق تحوالت الشخصيات 
ويعكس تصاعد التوتر الدرامي بين ازدهار المدينة وانهيارها المأساوي. إّن إصرارها على إعادة إحياء 
اللغة والموسيقى البونيقية لم يكن مجّرد حنين إلى الماضي، بل مشروًعا فنّيًا واعيًا يربط التراث المطمور 
بالافق الابداعي الراهن، متجاوبًا مع روح المهرجان الذي يسعى بدوره إلى إعادة قراءة الذاكرة الثقافية 
ضمن صيغ أدائية مبتكرة. 
إبداع متجذر في التاريخ 
يُمثّل عرض "سيدة كركوان "محطة مسرحية بارزة في المشهد الفني التونسي المعاصر، إذ نجح في إعادة 
قراءة التاريخ القرطاجي من منظور جمالي وإنساني ونسوي في آن واحد. فالمسرح هنا لم يكتِف بسرد 
الاحداث التاريخية أو توثيق الوقائع، بل عمل على صياغة تجربة حسية متكاملة تمزج بين الخيال والابداع 
الفني، بين النص المكتوب والصورة الحركية، لتقديم رؤية جديدة للمسرح التونسي تتجاوز التقاليد الشكلية 
المعتادة. 
أما مريم العريض، فقد برزت في هذا السياق كرمزية حيّة للمرأة المقاومة، جسدت عبر حضورها الجسدي 
والصوتي وعبر حركاتها التعبيرية التوازن بين الصالبة والانوثة، بين الصمود والعاطفة. لم يكن أداؤها 
مجرد تجسيد لشخصية، بل أصبح فعلا فنيًا يحمل رسالة واضحة عن قدرة المرأة على مواجهة الخراب والتحّول إلى شاهد حّي على التاريخ، يحمله الحاضر ويعيده إلى الذاكرة الجماعية. لقد استطاعت العريض أن تحّول "السيدة" إلى صوت فني متكامل يربط بين الماضي والحاضر، بين المأساة الفردية والجماعية، 
فتصبح المرأة فيه ليست مجرد شخصية على الركح، بل أيقونة للكرامة والصمود، وصوتًا يعيد للتاريخ 
نبضه في الذاكرة الراهنة. 
إن عرض سيدة كركوان ليس فقط كعمل مسرحي ذو قيمة فنية، بل كمشروع ثقافي يعيد تأهيل التراث 
ويضعه في قلب التجربة المعاصرة، حيث يصبح الفن أداة لفهم الماضي وإعادة اكتشافه من خلال رؤى 
نسوية وإنسانية تتناغم مع الحس الجمالي للمسرح الحديث.
* باحثة تونسية.
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون