2025 ,10 أيلول

دعاء مأمون:صوت العرب – الاردن.
منذ انطلاقة الحركة المسرحية في الأردن، كان يُنظر إلى الخشبة باعتبارها مساحة للتنوير، وساحة لطرح الأسئلة الجريئة التي تعكس قلق الإنسان الأردني والعربي على حد سواء. غير أنّ واقع المسرح اليوم يطرح علامات استفهام كبيرة، ليس فقط حول ما يُقدَّم من عروض، بل أيضًا حول آليات الاختيار، وطبيعة المهرجانات، والدور الحقيقي للمؤسسات الثقافية الرسمية. لقد أصبح من المعتاد أن نرى الأسماء ذاتها تُعاد وتُكرَّر كل عام في المهرجانات، حتى بات المشهد أشبه بحلقة مغلقة يدور داخلها عدد محدود من المخرجين والفرق، في الوقت الذي يتم فيه تهميش جيل جديد من الكتاب والمسرحيين الشباب.
إن هذه الحالة لا يمكن توصيفها إلا بالتحجيم المقصود للمواهب، أو بالتسيّب الإداري الذي يفتح الباب أمام "تنفيعات" واضحة، ليُكرَّس حضور أشخاص بعينهم على حساب حيوية الحركة المسرحية. كيف يمكن لعروض مسرحية أن تشارك في مهرجان هنا، ثم تعود لتشارك في مهرجان آخر، وربما ثالث، لتحصد الجوائز نفسها؟؟، وكأننا أمام إعادة تدوير فني بلا روح؟ أين القيمة المضافة لمثل هذا التكرار؟ أليس الهدف من المهرجانات خلق مساحة للتنوع والاختلاف وتقديم الجديد لا اجترار ما قُدّم سابقًا؟.
الأزمة الأعمق تكمن في غياب النصوص القوية ،والجرأة على تبني الأقلام الجديدة. فالمشكلة ليست في قلة المواهب، بل في غياب الفرص الحقيقية للظهور. إن الورش المسرحية التي تُقام كل عام، غالبًا ما تقتصر على الأسماء ذاتها، وكأن الدعوات مرسومة على مقاس أشخاص بعينهم. وبالتالي فإن ما يُنتَج من نصوص وعروض يظل حبيس الدائرة الضيقة نفسها، بعيدًا عن الانفتاح على طاقات جديدة كان يمكن أن تساهم في إنعاش المشهد
. أما ما حدث في حفلات الختام لبعض المهرجانات الأخيرة، فهو أمر يدعو للأسى. إذ تحوّلت الأمسية الفنية –التي يُفترض أن تكون احتفاءً بالمنجز المسرحي– إلى مساحة أقرب إلى المهزلة. فما شهدناه لم يكن احتفالًا فنّيًا راقيًا، بل استعراضًا عشوائيًا افتقد لأدنى مقومات الفن.
وزاد الطين بلّة المشهد الذي شهدناه على المنصة ،حين يتم الطلب علنًا دعمًا ماديًا وتذاكر سفر من إحدى الشخصيات، في صورة لا تليق لا بالمسرح الأردني ولا بالمشهد الثقافي برمّته. أمام هذا الواقع، يفرض السؤال نفسه: أين وزارة الثقافة؟ أين المساءلة على مثل هذه التجاوزات؟ وأين الرؤية الوطنية الواضحة التي تنقذ المسرح من هذا التراجع؟ .
إن استمرار الحال على ما هو عليه يعني المزيد من الفشل والتداعي الفني، ويفتح الباب واسعًا أمام فقدان الثقة بين الجمهور والمسرح. إن إصلاح الوضع لا يتطلب معجزات، بل خطوات عملية جادة
: فتح المجال أمام المواهب الجديدة بعيدًا عن المحسوبيات
. تخصيص صناديق دعم شفافة لمشاريع مسرحية نوعية تُقيّم وفق معايير فنية حقيقية.
إشراك النقاد والأكاديميين في لجان الاختيار لضمان موضوعية أكبر.
إعادة النظر في شكل المهرجانات بحيث تُصبح مختبرًا للإبداع لا مجرد مناسبة احتفالية شكلية.
إن المسرح الأردني بحاجة اليوم إلى وقفة صادقة، وإلى مساءلة شجاعة: هل نريد خشبة تُعيد إنتاج الرداءة، أم خشبة تُعطي المسرح مكانته الحقيقية كرافعة للوعي والفكر والإبداع؟ المسرح الأردني إلى أين؟ سؤال ليس للترف الفكري، بل هو جرس إنذار قبل أن يتحوّل المسرح –كما يخشى البعض– إلى مجرد ذكرى باهتة في سجل الثقافة الأردنية.