يوسف الحمداني:صوت العرب - البحرين.
يمضي وهو يذرع الشوارع والأزقة والأسواق وبيوت الفن والثقافة العتيدة العريقة والمكتبات وكأني به مدينة تُختزل في شخص واحد متعدد يدعى حسن النفالي ، ذلك الإنسان النبيل الوادع الكريم المثابر، القامة الفنية الإدارية المحنكة المتعددة الاهتمامات كنسيج كازبلانكا الاقتصادية الثقافية التي تسرق اهتمامك نحو تعدد وتمدد تواريخها وحضاراتها الضاربة في عمق الشرق والغرب معا ، وكأني به يريدك أن تكتشف هذه المدينة دفعة واحدة وفي جولة تمكن من رسم تضاريس خارطتها بحنكة فريدة ، دافعا بك نحو أسئلة دهشوية غرائبية توغل في أسرار لا يعلمها سوى من كان في قلب وشرايين هذه المدينة ، ولم تك تعلم أو تدرك حينها بأن هذه الجولة النفالية الأولى هي المفتاح الأول لجولات كازابلانكية جديدة ، خاصة ما إذا تعلق الأمر بفسيفساء تاريخ وأفق ثقافاتها وقاماتها ومسارحها ..
وكما جرت العادة بالنسبة إلي .. في المهرجانات تؤجل المنامات وتنتشي أحلام اليقظة حتى دهشة أخرى تحفزك على اكتشاف آخر يوغل بك في حلم آخر لا تود الإفاقة منه إلا عندما يصبح هذا الحلم واقعا حيا يتجسد أمامك بكل تفاصيله في كل لحظة تعيشها في المناسبة التي تمت دعوتك من أجلها .
وكانت المناسبة مهرجان ابن امسيك الدولي للمسرح الاحترافي في دورته الرابعة عشر ، أما المناسبة الأهم في قلب هذه المناسبة ، هي تكريم المهندس الإداري والخبير المسرحي المحنك والعريق القامة الفنية الباذخة بالعطاء الثقافي والمسرحي اللامحدود الصديق حسن النفالي ، فمن أي زاوية تتحدث عن هذه القامة وهي تسكن في كل الزوايا المضيئة في كازبلانكا والمغرب والوطن العربي والفسح الدولي ؟ .
ماذا نقول عن مكرم هذا المهرجان وهو الذي بتكريمه هذا يكرم أصدقائه والمسرحيين المغاربة والمدعوين وجمهور المهرجان كله ؟
ماذا نقول عن هذا المكرم الذي يغادر رأسه وسادة الراحة والغفوة والمنام من أجل أن يطمئن على المهرجان وضيوفه من الأصدقاء المسرحيين العرب ؟
ماذا نقول عن هذا المكرم وهو الذي يستقبل ضيوف المهرجان بنفسه ليلا وفجرا ونهارا ويجعل مركبته الخاصة في خدمتهم في كل الحالات بما فيها حالات الطوارئ الصعبة ؟
ماذا نقول عنك يا نفالي وأنت الذي تخطفنا كل ليلة بعد فعاليات المهرجان إلى ما يفتح شهية الحوار حتى أقاصيها ، وتشمس بنا ضحى نحو مقاه ومدن أخرى لنكتشف مسارح ومواقع ثقافية لم نتعرف عليها قبلا إلا أحيانا من خلال ما قرأنا أو استمعنا إليه من خلال أصدقائنا المغاربة ؟
ماذا نقول وأنت الذي في كل سانحة تقرب مسافة التواصل عبر هاتفك مع بعض الأصدقاء الذين نحبهم من أمثال الناقد المفكر الدكتور خالد أمين والناقد الدكتور محمد بهجاجي والناقد الدكتور عبدالمجيد شكير والناقد الدكتور محمد العزيز والناقد الصديق كمال خلادي الذي قصدني من مدينته مكناس ليقوم بواجب الصداقة تجاهي هو والمخرج محمد الحر والذي قصدني أيضا من الرباط واستضافني فيها في يوم آخر والفنان المخرج عبدالجبار خمران والصديق المخرج أمين ناسوربعد جولة في المعهد العالي للفنون المسرحية بالرباط ؟
ماذا نقول عن الجولة الرائعة التي هيأتها لنا لزيارة المعهد العالي للمسرح والتنشيط الثقافي بالرباط وعن الفرصة الرائعة التي جمعتنا بمديرة المعهد الصديقة الفنانة الدكتورة لطيفة أحرار ولقائنا هناك بالأصدقاء من أمثال الدكتور مسعود بوحسين والسينوغراف طارق الربح وبطلبة المعهد الرائعين والرائعات ؟
وكم أسعدني وأنا أرى في هذا المعهد كل قاعات المحاضرات والمسارح والتدريبات متوجة بأسماء أهم المبدعين المسرحيين في المغرب ..
ولكن وكما العادة ، النفالي حتى في جولاته لا يستقر له حال قبل أن ينجز فعلا مسرحيا يعنى بالمسرحيين المغاربة ، فحين كنا في الرباط ، أودعنا أمانة عند عميدة المعهد الفنانة لطيفة أحرار ومضى إلى وزارة الثقافة لينجز مهمة تعنى بالمهرجان وبالمسرحيين المغاربة ، فهو المشغول بهم المسرح وشجونه وشئونه أينما حل أو ارتحل .
ماذا نقول عنك أيها النفالي القدير وأنت تهيء كل اللقاءات الإعلامية للإعلاميين المغاربة والعرب الضيوف ، وخاصة الصديقة الإعلامية المانيستيرية النشطة نجوى المهيري ، من أجل أن تضيء سماء المهرجان على الصعيد العربي والدولي ، مكتفيا بقطعة ساندويتش تحرك موتور الدرب واللقاءات ، متناسيا نفسك أيتها القامة الكبيرة المكرمة التي ينبغي أن تتسلط عليها كل الأضواء في هذا المهرجان ؟
وما أجمل تلك اللحظة التي هيأها لي الصديق النفالي للقاء الفنان المؤسس الكبير صلاح الدين بنموسى ، هذا الفنان الحساس الرقيق القامة المسرحية التي تخرجت من معطفها أجيال وأجيال ، والذي تشكلت أعماله المسرحية بوصفه مخرجا ومؤلفا وممثلا وسيناريست منذ العام 1962 ، والتي على ضوئها أتعرف هناك في جمع اللقاء على الفنان الممثل والمخرج الكبير عبدالقادر مطاع .
إن الصديق النفالي جعل المهرجان بمعارفه الكثيرة ملتقى لكل أجيال المسرح ، وما أجمل اللحظات والكلمات التي قيلت في حق النفالي في تكريمه بالمهرجان ، وكم أسعدني في هذا المهرجان مدى حب الفنانين الكبار والشباب للنفالي ، إذ كانت أغلب الفرق المسرحية في هذا المهرجان قد أهدت عروضها المسرحية للنفالي مكرم المهرجان ، وهو تكريم مستحق بلا أدنى شك ، خاصة وأن خبرته العريقة في إدارة المهرجانات مغاربيا وعربيا تجعله فاعلا في كل مهرجان يدعى إليه .
ومن خلال علاقتي الحميمة بالنفالي وجدته أحد أهم من يدافع عن الشباب المسرحيين في المغرب وبلا هوادة ، ويحاول قدر المستطاع توفير الدعم لهم حتى وإن تعقدت واستصعبت الأمور ، خاصة وأنه أحد أهم الفاعلين في لجان دعم العروض المسرحية بالمغرب ، وإذا اقتضى الأمر فلا بد من ناحيته أن يطرق باب وزير الثقافة المغربي حتى تتسهل على الفرق إمكانية تسيير عروضهم المسرحية أو المشاركة بها في المهرجانات العربية والدولية ، فمثله يعد مدرسة في إدارة تسيير المهرجانات العربية والدولية ، خاصة وأنه أحد أهم رؤساء النقابة في المغرب ، بجانب كونه فنانا مسرحيا شارك كممثل وإداري في عدة فرق مسرحية ، مثل فرقة بيضاوية ومسرح الشامل والمسرح البلدي ، وأدار جولات فنية لفرق وطنية مرموقة كمسرح 80 والفنانين المتحدين ونجوم الخشبة ، كما التحق بفرقة اليوم ، كما أدار مهرجانات مهمة بالمغرب ، مثل مهرجان الصويرة ، ومهرجان الفكاهيين المغاربة بأكادير ، والمهرجان الوطني للمسرح المدرسي ، ومهرجان الرباط الدولي ، ومهرجان موازين ، ومهرجان الهيئة العربية للمسرح ، ومهرجانات كثيرة أخرى .
ويعتبر النفالي أحد أهم مؤسسي النقابة الوطنية لمحترفي المسرح ، وترأسها لفترة ، كما ترأس الإئتلاف المغربي للثقافة والفنون كما ساهم في إعداد قانون الفنان ومرسوم البطاقة المهنية ، كما تقلد مهام رسمية كمستشار لوزيرة الثقافة السيدة ثريا جبران رحمة الله عليها وغفرانه ، والذي تصدى لإصدار كتاب عنها تحت عنوان ( الأيقونة ثريا جبران ) ولي في هذا الكتاب مساهمة أيضا .
كل هذه الخبرات الطويلة والضالعة والضاربة عمقا في روح المسرح ، جعلت من النفالي قامة مسرحية مهمة لا غنى للمسرح في أي مكان عنها ، ولعلنا نلمس دوره بوضوح في توجيه إدارة المهرجان ووقوفه معها حتى آخر لحظة تنجز فيها مهمتها ، وإذا استعصى عليها ذلك ، تجده أول المتابعين لهذه المهمة ، ولا يغمض له جفن حتى تنتهي هذه المهمة بسلام ، ولقد لاحظت ذلك من خلال متابعته للبروجكتر الخاص بعرض وصايا الديك التونسي لمخرجه وليد الدغسني ليلة الافتتاح ، كما يتابع ويقترح ما من شأنه الارتقاء بالمهرجان ، ومن أهم ما استوقفني في هذا المهرجان ، إشادته بصديقه مدير المهرجان إسماعيل بوقاسم وثناءه الكبير على الفنان الشاعر الشاب الممثل الإعلامي الفنان التشكيلي حسن عين الحياة ، الذي بذل بجانب فريق العمل بالمسرح جهدا كبيرا لإعداد افتتاح المهرجان الذي أضاءت ليله الفنانة النجمة الجميلة حنان خالدي ، ولختامه الذي استضاء بقصائده الحميمة .
وما أسرع خطى الواثق بأمر المسرح الصديق النفالي ، حين أشدت أمامه بعرض ( السكات ) لنادي خشبة الحي وإخراج الفنان المشاكس المبدع أسامة فيجاج ، إذ سرعان ما تواصل مع الفرقة وبعث لي بالعرض المصور ، وأمله في ذلك أن يحظى هذا العرض بفرصة المشاركة في أي مهرجان عربي أو دولي ، وهو في رأيي جدير بأن يشارك نظرا لأهميته وفرادته الفنية .
هو النفالي الذي لحظة تكريمه ليلة افتتاح المهرجان ، نسى كل ما غمره من حب وإشادة بجهوده الكثيرة في المسرح المغربي والعربي والدولي ، وراح يكرم بكرم احتفائه بضيوف المهرجان كل من شارك فيه ، وكنت أحدهم طبعا ، حيث قدمني في الندوة الفكرية التي حملت عنوان ( الوضع الاعتباري للفنان المسرحي في وطننا العربي ) كما قدم قراءة احتفائية بكتابي ( صرخات في وجه النقد المميت ) مساء تدشينه بقاعة مركز ابن امسيك المسرحي .
هكذا هو النفالي .. وكأني به لا يغفو إلا ليصحو على مهمة مسرحية وعيناه قلقتان على ضيوف المهرجان من أصدقائه ، وما أثقل الخطى لحظة الوداع ، كانت لحظة صعبة يشوبها الوجوم وهو يمضي بي إلى المطار للمغادرة من مطار كازبلانكا ..
يمضي ونمضي ونحن نتساءل : هل بدأ المهرجان حتى ينتهي ؟ ..