محمد الروبي:صوت العرب - القاهرة.
منذ أن رحل زياد الرحباني قبل أسبوع، أو قل عشرة أيام – ما عدت أعدّ الأيام – وأنا غارق حتى أذنيّ في عوالمه.
كل اكتشاف يقودني إلى اكتشاف آخر، وكل دهشة تفتح لي بابًا إلى دهشة أعمق.
كأن موته حرّر في طاقة الإصغاء التي كنت أؤجلها.
كأنني الآن فقط مستعد لسماعه، بجدّ، وبكامل وعي.
وسط هذا الغرق، وسط الحزن الذي لم يمنع محبيه من الابتسام كلما مرّ صوتُه أو عبارة من مسرحياته، فكرت أن أكتب.
لا رثاء. ولا تحليل موسيقي.
بل شيئًا يشبه الاعتراف...
عن علاقتي بزياد الذي لم أسعد يومًا بلقائه وجهًا لوجه،
و أوقن أنه لم يسمع عني أبدًا.
ومع ذلك، كان بيني وبينه خيطٌ طويلٌ من الأسرار المشتركة.
كأن صوته كان يعرفني.
كأن جملته الساخرة كانت تقول لي: "ما تخاف، مش لوحدك".
كأن موسيقاه تُربّت على ظهري في الغرفة المعتمة، وتهمس: "ما تفقدش الإيمان".
عرفت زياد في البداية كما عرفه كثيرون من جيلي: ملحقًا بصوت فيروز.
هو ابنها، مؤلف موسيقى أو موزّع، يقف هناك في الظلّ الهادئ.
في البداية، أعجبتُ به كما يُعجب أحدُنا بحسّ النكتة الذكي، وباللهجة البيروتية المحببة، وبلقطاته التي تسخر من السلطة والدين والتقاليد.
ثم مرّ وقتٌ طويل قبل أن أُدرك أن زياد لا يسخر إلا لأنه موجوع، ولا يهاجم إلا لأنه خائف، ولا يعزف إلا لأنه يريد أن ينجو.
كنت أظنه عقلًا ساخرًا، فتبين لي أنه قلبٌ متعب.
الذي لا يُقال كثيرًا عن زياد، أنه كان وحيدًا.
وأن تلك "العصابية" في صوته وضحكه، كانت تخفي شعورًا كثيفًا بالغربة.
غربة في بلده، في بيته، في طبقة مثقفة كان جزءًا منها ويحتقرها، في وجدان عامّ لا يريد أن يسمع إلا ما يطمئنه.
ولعل هذه الوحدة هي ما جعلت كثيرين يشعرون أنه "منهم"، حتى دون أن يعرفوه.
و أنا من هؤلاء.
أعدتُ الاستماع لموسيقاه فوجدت أنني لم أكن أعرفها.
شاهدت مسرحياته،- المتاحة على اليوتيوب - فإذا بي أسمع جُملًا لم أنتبه لها من قبل.
كأن زياد لا يعطيك روحه كلها في اللقاء الأول، بل يُراكمها معك، كلما كبرت يوما زادك شغفا
لا أعرف إن كنتُ أكتب هذا النص لأرثي – مرة أخرى - زياد، أم لأطلب منه أن ينتظرني قليلًا...
فلا أزال ألاحقه في أعماله، أحاول أن أسمعه كما يجب.
ولا أزال أتعلّم منه: كيف يُقاوم الإنسان بالخفة، وكيف يهرب إلى الفن لا فرارًا بل مقاومة.
ولا أزال أحاول – بعد فوات الأوان – أن أقول له: "أنا سمعتك... اسمعني أنت".