2026 ,26 كانون الثاني

باسم صادق:صوت العرب - القاهرة.
اذا كان يوجين يونسكو قد قدم في مسرحيته الكراسي، التي عرضت لاول مرة عام 1952، تصورا عبثيا لفكرة غياب الحقيقة وفقدان التواصل في عالم وهمي تحفه اللاجدوى في كل مفاصله، فإن العرض العرائسي الاماراتي الكراسي للمخرجة السورية المتميزة هنادة الصباغ قد طرح تصورا مغايرا لفكرة الرمزية العبثية بكل ما يحمله الكرسي من دلالات، ففي عرضها الذي قدم ضمن فعاليات الملتقى العربي الخامس لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة بالقاهرة، انحازت هنادة إلى الإنسان لا إلى العبث المجرد، فتعاملت مع الكرسي بوصفه علامة بصرية وثقافية مكثفة للصراع على للسلطة والانتظار والغياب، وإدمان السوشيال ميديا وغيرها، في صياغة تهكمية شديدة التكثيف ومحملة بالعلامات الدالة الكاشفة لدونية السلوك الإنساني وعبثيته.
لم يكن الكرسي عند هنادة الصباغ شاهدًا على خواء الوجود بقدر ما أصبح مساحة للاعتراف، ومرآة للذاكرة الفردية والجمعية، حيث تتحرك الدمى بين حضور مادي صامت ودلالات إنسانية نابضة.
اعتمد العرض على اقتصاد بصري ذكي، ولغة عرائسية دقيقة، تزاوج بين الإيماءة والصمت والموسيقى، لتصنع عالما مسرحيًا يعج بالتأويلات، ويعيد تعريف العبث باعتباره سؤالًا أخلاقيًا وجماليًا، لا مجرد فوضى وجودية.
هكذا نجحت الكراسي الإماراتية في التحرر من ظل مرجعية النص، لتؤسس عالمها الخاص، وتثبت أن مسرح العرائس قادر على اختبار القضايا الكبرى بجرأة وعمق، دون أن يفقد دهشته أو شعريته.
*شاركت في الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة في دورته 5.
تصوير: فاطمة شعبان.