*واقع النقد المسرحي العربي ورهانات تطويره وترسيخ خصوصيته .
2026 ,26 كانون الثاني
د. زهور بن السيد
د. زهور بن السيد:صوت العرب - القاهرة.
مقدمة: في سؤال النقد المسرحي العربي
 استطاع النقد المسرحي العربي أن ينتزع حضوره في الساحة النقدية العربية بصفة خاصة والعالمية بصفة عامة، ويثبت وجوده بما راكمه من دراسات وأبحاث ومقالات نقدية على مستوى التنظير والتطبيق، وعلى مساحة زمنية طويلة يرجح النقاد أنها تعود إلى البدايات الأولى لظهور المسرح بشكله الأوروبي في الوطن العربي.[  ـ يوثق كتاب "دليل نقاد المسرح العربي... 1899 ـ 2020م" تراجم نقاد المسرح العربي على مدى أكثر من مائة عام، ويرجع أول مقال نقدي مسرحي تطبيقي إلى سنة 1899م. أو قبله كما يشير إلى ذلك عنوان كتاب الدكتور شمس الدين الحجاجي: "النقد المسرحي في مصر من عام 1876 إلى عام 1923م. وقد أكد العديد من الدارسين على مواكبة النقد المسرحي للإبداع المسرحي منذ بدايتها في التربة العربية على يد مارون النقاش عام 1848م.]
إلا أن النقد المسرحي العربي، ومع ذلك،  يطرح العديد من الأسئلة ويتصف وضعه بالإشكالي والتعقيد، فهو في كثير من نماذجه يتسم بغموض الإطار المعرفي والمنهجي أو ضعفه، والتباس المفاهيم والمصطلحات النقدية المأخوذة من المرجعيات الغربية، والتفاوت بين التنظير والتطبيق، إضافة إلى التفاوت بين الإبداع المسرحي الذي أسس وجوده وخصوصيتة، وممارسة نقدية تأخذ معظم أدواتها من المرجعيات والنظريات الغربية، ناهيك عن المستجدات الكبرى التي يشهدها العالم، والتي خلخلت الثوابت وسرعت إيقاع التطور خاصة في ظل الثورة التكنولوجية الهائلة التي أثرت على مختلف مراحل المسرح إبداعا ونقدا. فقد أمدت المبدعين والنقاد بوسائل جديدة وهائلة مما يمكن استثماره في العمليتين، الإبداعية والنقدية وفتحت مساحات واسعة للنشر في غياب رقابة نقدية صارمة.
ومن هنا فإن هذا النقد، وكغيره من الممارسات النقدية في العالم، يحتاج إلى التفكير النقدي به، وإلى آلية معرفية ابستيمولوجية، تساهم في إنتاج معرفة علمية به، تراجع تراكمه وبرامجه ومناهجه وأهدافه وتستشرف آفاقه. 
إن الاشتغال على موضوع النقد المسرحي العربي، نابع من طبيعة الأسئلة التي يثيرها، ومن هاجس إنتاج معرفة نقدية حول النقد المسرحي العربي، تسير في اتجاه تنظيمه وتطويره. 
وهكذا تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية، تتعلق بالوضع الاعتباري للنقد المسرحي العربي، واقعه بما فيه مكامن قوته ومكامن ضعفه وإشكالاته ومعضلاته، وآفاق تطويره وإمكانية تأسيس مشروعه النقدي الخاص به.
وتتفرع عن هذه الإشكالية، مجموعة من الأسئلة التي توجهنا في البحث، وتمكننا من تشخيص واقع النقد المسرحي العربي في حصيلته الكمية والنوعية وممكنات تطويره. وهذه الأسئلة هي كالتالي:
ـ ماهي حدود المتحقق من النقد المسرحي العربي، وقدراته في إنجاز مقاربات نقدية تراعي مقومات العمل الإبداعي المسرحي وخصوصيته (النص والعرض)؟
ـ وما هي الإشكالات والمعضلات التي تعوق تطور النقد المسرحي العربي، وتحول بينه وبين تأسيس خصوصيته؟
ـ وكيف يمكن أن نطور الممارسة النقدية المسرحية في اتجاه بناء مشروع نقدي مسرحي عربي، يراعي سياق الإبداع المسرحي العربي وخصوصياته، ويقوم على أسس علمية وابستيمولوجية ومنهجية عالمية؟
وبناء على ما سبق، ولبحث هذه الأسئلة، سنعالج موضوع النقد المسرحي العربي من الزوايا التالية:
1.واقع النقد المسرحي العربي 
2.إشكالات النقد المسرحي العربي ومعضلاته 
3.آفاق النقد المسرحي العربي ورهانات تطويره وتأسيس مشروعه النقدي
أما المنهج الذي سأتبعه في هذه الدراسة، فهو المنهج الوصفي التحليلي لما يتيحه للباحث من أدوات إجرائية تسعفه في إنجاز بحث علمي على موضوعه، إذ يستهدف وصف الظاهرة المدروسة وفهما وتفسيرها من منطلق تحديد الإشكالية، وصياغة الأسئلة وتحديد الفرضيات، وجمع المعطيات وتنظيمها وعرضها وتحليلها ومناقشتها، والتوصل إلى نتائج موضوعية حولها. 
الكلمات المفتاحية: النقد المسرحي العربي ـ نقد النقد المسرحي ـ مشروع النقد المسرحي العربي
تمهيد
إن دراسة قضية النقد المسرحي العربي، واقعه وآفاق تطويره، تستلزم بداهة، تعريف الكلمات المفتاحية في الدراسة. ونواجه صعوبة تحديد ماهية النقد المسرحي العربي ونقد النقد ومشروع النقد المسرحي العربي، إذ لا يوجد لها تعريف قار وموحد يلتقي عنده أهل الاختصاص، وإنما تختلف التعاريف بحسب اختلاف المنطلقات المعرفية والمواقف والأهداف.
وتأتي صعوبة تعريف النقد المسرحي من صعوبة تعريف موضوعه الإبداع المسرحي، حيث تتداخل في تشكيله حقول معرفية وفنية وجمالية عديدة، (النص المسرحي، والسينوغرافية والإخراج والأداء والجمهور ومختلف الفنون والمهارات التي تجتمع في العرض المسرحي)
كما أن مفهوم النقد المسرحي يختلف ويتبدل نتيجة عوامل تاريخية وموضوعية، يعود جانب منها إلى تطور النقد بصفة عامة وتأثره بالعلوم الإنسانية، ويعود الجانب الآخر إلى تطور الظاهرة الإبداعية المسرحية عموما.
النقد عامة تخصص معرفي فكري إبداعي، يأخذ على عاتقه مهمة تتبع الإبداع في مختلف الأجناس الأدبية والفنية، بالتساؤل والبحث والتحليل والتقييم والتقويم، ويكشف معضلاته وعثراته ومواطن الضعف والقوة فيه. وقد حقق تراكما هائلا في ربوع الوطن العربي الكبير، وحظي بموقع أساسي بين فروع المعرفة، وبرع فيه نقاد ودارسون كبار. 
والنقد المسرحي كذلك تخصص معرفي فكري، يعنى بالخطاب الإبداعي المسرحي بالدراسة والتحليل والتأريخ والتنظير وغير ذلك من العمليات التي تستدعيها الممارسة الإبداعية. ويستمد النقد المسرحي خصوصيته من خصوصية الإبداع المسرحي.
جاء في المعجم المسرحي ل (ماري إلياس وحنان قصاب) أن النقد المسرحي هو "تسمية عامة تشمل مجالات متعددة منها التي تنصب على الحركة المسرحية من نصوص وعروض، ومنها الدراسات التي تعرف بالكتاب ونصوصهم وبالمخرجين والممثلين وبالعروض المقدمة وبتاريخ المسرح. ومنها الأبحاث النظرية حول المفاهيم المسرحية وطرق تحليل النص والعرض. هذه الكتابات يمكن أن تصدر في كتب ومجلات مختصة، أو تأخذ منحى إعلاميا وتبث عبر وسائل  الإعلام المرئية والمسموعة."[  ـ ماري إلياس وحنان قصاب: "المعجم المسرحي مفاهيم ومصطلحات المسرح وفنون العرض، مكتبة لبنان ناشرون، لبنان، 1997، ]
وورد في "معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية" أن النقد المسرحي هو "العملية التحريرية أ أو الشفوية ـ الخاصة بتحليل وتفسير، وتقييم العرض المسرحي، بما في ذلك النص، والإخراج، والتمثيل، والديكور، والعناصر الأخرى المشتركة في تكوين العرض وقد يكون لكل عنصر من هذه العناصر ناقد متخصص، وقد يتناول النقد النص الدرامي وحده ـ مطبوعا أو معروضا ـ بالدراسة والتقييم. ولهذا النقد النصي ـ بصفة عامة ـ "[  ـ إبراهيم حمادة: "معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية"، مكتبة الأكلو مصرية، مصر، 1994، ]
وبما أن خطاب النقد المسرحي العربي مثل أي خطاب معرفي آخر، تعترضه عدة إشكالات ومعضلات، فإنه يتطلب معرفة إبستيمولوجية، هي نقد النقد. 
يقول جابر عصفور في تعريف نقد النقد بأنه: "نشاط معرفي ينصرف إلى مراجعة الأقوال النقدية، كاشفا سلامة مبادئها النظرية وأدواتها التحليلية وإجراءاتها التفسيرية."[  ـ جابر عصفور: "قراءة في التراث النقدي" ـ دار سعاد الصباح، 1992، ص: 20.]
وهو أيضا "نشاط معرفي (إبستيمولوجي) ينعكس معه النقد على نفسه"[  ـ جابر عصفور، المرجع السابق، ص: 20. ]
أما مفهوم مشروع النقد المسرحي العربي، فيحيل إلى الطموح والهدف في تشييد خطاب النقد المسرحي بخصوصيته وهويته، وذلك بتحديد الأسس المعرفية والخلفية النظرية والمنهجية والأدوات الإجرائية، في إطار مواكبة التحولات والتطورات التي يشهدها النقد الأدبي والمسرحي بشكل عام، والتميز عنه بالخصوصية التي تسمح بقراءة الإبداع المسرحي العربي نصا وعرضا في سياقه الثقافي والتاريخي والفكري الذي أنتجه، دون الوقوع في الاستلاب والتبعية والاستهلاك لما ينتجه الغرب في مجال النقد عامة على مستوى التنظير والتطبيق.
1 ـ واقع النقد المسرحي العربي:
تحت هذا العنوان، سأحاول رصد واقع النقد المسرحي العربي، وتقديم صورة عامة واضحة عن أهم ملامحه ومقوماته وأدواته المنهجية ومصادره المتعددة، وعلى رأسها النقد الصحفي والنقد الجامعي، والوقوف على مواطن القوة فيه، وعلى الإشكاليات التي تحول دون اكتماله وتحقيق خصوصيته.
لقد حقق الحقل الإبداعي والنقدي المسرحيين تطورا واضحا في ظل مجموعة من العوامل، منها: الاتصال الحضاري والثقافي مع الغرب، وإنشاء الجامعات وانتشار التعليم العالي في مختلف ربوع الوطن العربي الكبير، وتشجيع الترجمة والصحف والمجلات المتخصصة ودور النشر والمهرجانات والمناسبات المسرحية، هذا إضافة إلى المستجد التكنولوجي الذي يعرفه هذا العصر، والذي اكتسح كل المجالات بما فيها المجال الإبداعي الأدبي والفني والنقدي.
إن هاجس المسرحيين العرب هو ترسيخ التجربة المسرحية إبداعا ونقدا وتطويرها. وتجلى ذلك في طرح مختلف قضايا وإشكالات الممارسة المسرحية ومعالجتها، ومنها: تاريخ الظاهرة المسرحية العربية، وقضية التأسيس والتأصيل، والآفاق والتطور، وقضايا التنظير والتجريب، وإشكالية المنهج، وغيرها.
ومن مظاهر هذا التحقق النقدي المسرحي في الوطن العربي، تحوله عبر مسار زمني يبدأ، بحسب بعض المؤلفات الصادرة حول موضوع النقد المسرحي العربي، بتاريخ 1876م، كما يشير إلى ذلك عنوان كتاب الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي: " النقد المسرحي في مصر من عام 1876 إلى عام 1923"، ومنها ما يؤرخ لهذه البداية بـتاريخ 1899م، ففي كتاب "دليل نقاد المسرح العربي... 1899 ـ 2020م"[  ـ أصدرته الهيئة العربية للمسرح عام 2023.] للكاتب العراقي الدكتور بشار عليوي، والذي جمع فيه تراجم نقاد المسرح العربي على مدى أكثر من مائة عام، وثق الباحث لأول مقال نقدي مسرحي تطبيقي بسنة 1899م.
ويذهب العديد من الدارسين إلى أن النقد المسرحي واكب الإبداع المسرحي منذ بداياته الأولى، التي يؤرخ لها بعام 1847م على يد مارون النقاش بمسرحيته "البخيل" المترجمة عن مسرحية موليير، وأعمال أبي خليل القباني، وجورج أبيض...[  ـ ولا نريد هنا أن نخوض في قضية البدايات الأولى للمسرح في البلاد العربية، فهناك من الباحثين من يؤرخ لها بما قبل الإغريق، كالباحث الفرنسي إتين دريتون في كتابه "المسرح المصري القديم" 1928، يؤكد أن الفراعنة عرفوا المسرح قبل الإغريق. ] 
ويؤكد رائد النقد المسرحي بالمغرب الدكتور حسن المنيعي، الذي اهتم بظاهرة النقد المسرحي العربي، وركز على المتابعة المحايثة لها في كثير من مؤلفاته[ ـ ومن هذه المؤلفات: "أبحاث في المسرح المغربي الصادر سنة 1974م وقد ورد ضمنه محور: النقد المسرحي. وكتابه: " هنت المسرح العربي... هنا تجلياته الصادر سنة 199àم، ورد ضمنه محور تحت عنوان: "النقد المسرحي المغربي"، ومؤلفه: "النقد المسرحي العربي (إطلالة على بدايته وتطوره)، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة، رقم 13، ط 1، 2011.]، على ارتباط النقد المسرحي العربي بأوضاع الإبداع، ويؤرخ لهذه البداية بتاريخ 1921م على يد محمود عباس العقاد وإبراهيم المازيني، يقول إن هذا النقد "ارتبط في الغالب بأوضاع المسرح العربي الذي كان يعيش من حين لآخر حالات تأرجح بين الازدهار، والانحسار، كما ارتبط أيضا بندرة النقاد المتخصصين، وهذا ما دفع الكثير من الباحثين إلى التأكيد على عدم وجود نقد مسرحي عربي حقيقي في مرحلة التأسيس، في حين ظهر نقد بديل يهتم بالنص المسرحي، من حيث هو كتابة أدبية. في هذا الصدد يعد كتاب (الديوان في الأدب والنقد) لمحمود عباس العقاد، وإبراهيم المازني الذي صدر سنة: 1921م، أول عمل نقدي اهتم بتحليل مسرحية (قمبيز) لأحمد شوقي، وبعده بسنوات نشر إدوار حنين مؤلفه الموسوم بـ (شوقي على المسرح) في عام: 1936م، الشيء الذي جعل الكتابة المسرحية تحظى بعناية فائقة من لدن الدارسين"[ ـ د. حسن المنيعي: "النقد المسرحي العربي (إطلالة على بدايته وتطوره)، مرجع مذكور، ص: 29.].
وتتقارب تواريخ بداية النقد المسرحي في الأوطان العربية، في المغرب مثلا يؤرخ لها الدكتور حسن المنيعي بفترة ما قبل الاستقلال بالمغرب، وبالتحديد الفترة ما بين (1923 ـ 1940). 
وكانت بدايات هذا النقد المسرحي العربي متعثرة تحاول التأسيس لنفسها وتحقيق وجودها، يقول الدكتور حسن المنيعي في تقييمه لما تحقق من هذا النقد: "ليس في إمكاننا أن نتحدث عن وجود نقد درامي بمعنى الكلمة في فترة الاحتلال، أي النقد بمفهومه الحالي الذي يلاحق النتاج ويحكم عليه في سائر أبعاده، ويعكس ثقافة الناقد وعمق إدراكه للمسرح، فلقد كان علينا أن ننتظر طويلا حتى ندرك نتائج إيجابية في هذا المضمار، ونقف على بعض المجلات والجرائد التي أفاد بعض كتابها كثيرا من القراء وعشاق الفن الدرامي بانتقاداتهم المنهجية التي تنطوي على مجموعة من المقاييس الأدبية والجمالية والفنية، وتجعلنا عباراتها أمام رصيد من التأويلات والأحكام البناءة".[ ـ د. حسن المنيعي: "أبحاث في المسرح المغربي"، مطبعة النجاح الجديدة ـ الدار البيضاء، منشورات الزمن، الطبعة 3، يناير 2001، ص: 55. ]
وإذا كان هذا النقد إلى حدود الستينيات، يشتغل في غياب المنهج ولا يتجاوز، في معظم نماذجه، التعليق والتلخيص والوصف والتركيز على الجانب الأدبي أكثر من الجانب الفني والتقني في العمل الإبداعي المسرحي، فإنه منذ السبعينيات والثمانينيات، و في ظل المستجدات الثقافية التي انفتح عليها العالم العربي، قد دخل مرحلة جديدة سمتها البارزة هي التجريب، والسعي إلى تحديث وسائل وممكنات العمليتين الإبداعية والنقدية المسرحيتين، يقول الدكتور عبد الرحمان بن زيدان: "لا نغالي إذا قلنا إن نقدنا المسرحي في وضعيته الإشكالية، ومهما بذلنا من جهد لتوسيع معرفته، يبقى شئنا أم أبينا متحركا في التجريب، ومهما تمنهجنا نبقى في منهج تجريبي، لأن هذا النقد يتعامل مع نصوص سمتها الأساسية هي تجريبيتها."[  ـ د. عبد الرحمان بن زيدان: "إشكالية المنهج في النقد المسرحي العربي"، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995م،  ص: 113.]
واستمر النقد المسرحي العربي يشيد خطابه ضمن فعل المثاقفة، ينهل من الغرب المقاربات والخلفيات المعرفية، الفلسفية والفكرية منها، بحثا عن صفة العلمية. وقد عمل النقاد والباحثون الجامعيون على مواكبة المشهد الثقافي والفكري العالمي، سعيا إلى تطوير خطاب النقد العربي، والنتيجة أنه عرف تحولات كبيرة، إذ انتقل من مجرد كتابات لا تتجاوز التقويم اللغوي والتلخيص والأحكام الانطباعية، إلى ممارسة نقدية تميزت بتنوع المرجعيات المعرفية والمفاهيم والمصطلحات وتعدد المناهج المطبقة في المقاربات التطبيقية، فمن مناهج التحليل الاجتماعي والنفسي، مرورا بالواقعية والبنيوية التكوينية وصولا إلى مناهج السميائيات وجمالية التلقي.
ومن مظاهر هذا التحقق النقدي المسرحي في العالم العربي أيضا، تعدد مصادره: النقد الصحفي، والنقد الجامعي الأكاديمي، والنقد الثقافي وغيرها. وسأقف في المحاور الأتية على بعض هذه المصادر من حيث دورها وأهميتها في المشهد النقدي المسرحي العربي، وكذا الوقوف على بعض عوائقها التي تعرقل تطور هذا النقد.
1 ـ 1 ـ النقد الصحفي
ارتبطت بداية النقد المسرحي العربي بالمقال النقدي وبالمنابر الصحفية (الجريدة والمجلة بشكل خاص)، والتي احتضنت التجربة المسرحية إبداعا ونقدا منذ بداياتها، ولعبت دورا أساسيا في رعايتها ومواكبتها، بالتأريخ والتعريف بالمبدعين المسرحيين وبأعمالهم، والتعريف بالعروض المسرحية وبالاتجاهات والأشكال المسرحية، والتجارب والنظريات والمقاربات الرائدة في الغرب والعالم العربي.
إن التراكم النقدي الصحفي جدير بالاهتمام والتثمين، إذ يقدم صورة واضحة عن تجربة النقد المسرحي العربي، ويعكس تطورها ونوعيتها في التنظير والتطبيق، وطرح قضاياها المختلفة. ويستمد هذا النقد أهميته كذلك من مشاركة باحثين ونقاد وأساتذة جامعين في كتابة المقال النقدي حول المسرح، الشيء الذي يجعل مفهوم "النقد المسرحي الصحفي" دالا على النشر في المنابر الصحفية (ورقية أو إلكترونية، متخصصة وغير متخصصة)، أكثر من دلالته على الخصوصية الصحفية. 
وتتفاوت هذه المقالات بين التقرير الصحفي والإعلانات والدراسات السطحية البسيطة، وبين المقال الذي يتصف بمقومات الدراسة الأكاديمية والدراسة المعمقة العلمية. ويعد النقد المسرحي المرتبط بالصحف والمجلات مرجعا مهما يعتمد في الأبحاث العلمية.
وقد عرف هذا المصدر تأسيس مجلات خاصة بالمسرح إبداعا ونقدا، إضافة إلى المجلات الخاصة بالجامعات وكليات الآداب والفنون والمعاهد العليا في البلاد العربية، كما تشكل الفضاءات الرقمية (المواقع الأدبية والنقدية الإلكترونية والمجلات الإلكترونية...) في هذا العصر، جانبا مهما من هذا المصدر. 
ولا شك أن النقد المسرحي المرتبط بالصحف والمجلات يعاني من عوائق وإشكالات، تؤثر سلبا على المشهد النقدي المسرحي العربي، ومن ذلك هيمنة النقد الصحفي غير المتخصص، واقتصار ما ينجز حول العمل الإبداعي على الوصف والتقرير وبعض الأحكام الانطباعية الغير المسندة بخلفية معرفية محددة. 
ومن ذلك أيضا، التراجع عن الصرامة في النشر، حيث بدأت تغيب اللجن العلمية التي تقيم العمل المقترح للنشر بناء على معايير محددة، لغوية وتحليلية وموضوعية ومنهجية وغيرها، من أجل ضمان الجدية والعلمية، ومنع الفوضى في المجال الإبداعي والنقدي. وقد تصاعدت هذه الفوضى مع النشر الإلكتروني المتاح للجميع دون استثناء، حيث فُسِح المجال واسعا أمام النقد الجاد والضعيف في الآن نفسه، وعلى القارئ أن يكون لجنة نفسه، واعيا ومثقفا كي يستطيع أن يحدد النقد البناء من غيره.
1 ـ 2 ـ النقد الجامعي: 
يعتبر النقد الجامعي مصدرا مهما من مصادر النقد الأدبي العربي بصفة عامة والنقد المسرحي بصفة خاصة، ساهم في تحديث النقد العربي وتطويره. ومن خصائصه التي تميزه، حرصه على الالتزام بمبادئ البحث العلمي وشروطه، ومنها تحديد الإشكالية موضوع البحث، وصياغة الفرضيات والأسئلة الموجهة للدراسة، والتأطير النظري بتحديد الخلفيات المعرفية المستند إليها في البحث، والمنهج المتبع والمصطلحات والمفاهيم النقدية المعتمدة. وعمل كذلك على إغناء المشهد النقدي باستقطاب نظريات فكرية وفلسفية غربية جديدة، وتجريب مناهج حديثة (المنهج الاجتماعي والواقعي والبنيوية والبنيوية التكوينية والسيميائية وجمالية التلقي...) 
لقد حقق النقد المسرحي العربي الجامعي تراكما كميا ونوعيا مهما من الدراسات والأبحاث سواء في التنظير أم التطبيق، واستطاع أن يتخطى مرحلة النقد الانطباعي، والتعاليق السطحية حول مضامين النصوص، ووصف بعض مكونات العرض كالديكور والإنارة والجمهور، والتي سادت من بداياته المفترضة إلى حدود الستينيات. وفي أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات بدأ يتشكل خطاب نقدي مسرحي تحتضنه الجامعة، سمته التحول والسعي إلى امتلاك منهج/ مناهج نقدية.
لقد حرص النقد الجامعي على التحلي بالوعي النقدي وتوخي الدقة في طرح القضايا المسرحية، والتسلح بالأدوات المنهجية والكفاية المصطلحية في قراءة وتحليل وتفسير الأعمال الإبداعية. ولعل إلقاء نظرة على عناوين بعض الرسائل والأطاريح الجامعية في المغرب على سبيل التمثيل، في مرحلة الثمانينات والتسعينات، والمكتوبة باللغة العربية[  ـ مثلنا بالأبحاث المكتوبة باللغة العربية وهناك كذلك أبحاث وأطاريح جامعية مكتوبة باللغتين الفرنسية والانجليزية.]، كفيل بأن يبرز لنا أهمية هذا النقد الجامعي وقيمته المعرفية والتحديث الذي أنجزه في مجال النقد المسرحي العربي:
نماذج من الرسائل الجامعية لنيل شهادة الدروس العليا المعمقة:
"الشعر المسرحي في المغرب" حسن الطريبق (1981م)
"بنية التأليف المسرحي من البداية حتى الثمانينات" محمد الطريبق (1984)
"الاحتفالية والتراث في المسرح المغربي" مصطفى رمضاني (1986م)
"المسرح المغربي بين النظرية والتطبيق" عبد الرحمان بن زيدان (1988م)
"مسرحيات توفيق الحكيم والطبيعة المأساوية" أحمد الغازي (1988م)
"أصول مسرح اللامعقول بين يوجين يونيسكو وتوفيق الحكيم" محمد البرمكي (1990م)
"قضايا التمسرح وتجلياته في الكتابة الدرامية بالمغرب" حسن يوسفي (1991م)
"تلقي المسرح: المغرب نموذجا" نوال بنبراهيم (1992م)
"المصطلح المسرحي عند العرب" أحمد بلخيري (1995م)
نماذج من أطاريح الدكتوراه:
"توظيف التراث في المسرح العربي" مصطفى رمضاني (1993م)
"القالب المسرحي العربي بين النص العربي محاولة البحث عن منهج تجريبي لمقاربة النص المسرحي" محمد الكغاط (1993م)
"إشكالية المنهج في النقد المسرحي العربي" عبد الرحمان بن زيدان (1993م)
"الميثولوجيا الإغريقية في المسرح العربي المعاصر" يونس لوليدي (1994م)
"المأساة والمأساوية في المسرح العربي" عبد الواحد بن ياسر (1994م)
"المقدس في المسرح العربي: من نظام الفرجة العربية القديمة إلى المسرح العربي الحديث" سعيد الناجي 
"الميتا مسرح بين المسرح الغربي والمسرح العربي (البنية والوظيفة)" حسن يوسفي (1998م)
"مواصفات الهوية في المسرح الاحترافي" حميد اتباتو (2001م)
ومن خلال هذه العناوين تتضح لنا أهمية الجامعة في تحديث النقد المسرحي، فهي لم تقتصر على المسرح المغربي بل شملت مختلف قضايا المسرح العربي والعالمي تنظيرا وتطبيقا، وكذا مقارنة تجربة المسرح العربي بالمسرح الغربي في الكثير من جوانبه ومقوماته، إضافة إلى تشخيص واع لواقع المسرح العربي بالاهتمام بتاريخ الظاهرة المسرحية في الوطن العربي منذ بداياتها الأولى إلى مرحلة التأسيس والتأصيل والتطور، والمدارس والاتجاهات المسرحية، ورجالات المسرح، وقضايا التجريب والتحديث وتأطير خطاب النقد المسرحي العربي وتجديد أسئلته.
 وعمل الأساتذة والباحثون الجامعيون على بحث مختلف قضايا الإبداع والنقد المسرحيين، وتجريب مناهج نقدية حديثة في القراءات التطبيقية، كالمنهج التاريخي والاجتماعي والفني والسيميولوجي ونظرية التلقي.[  ـ تجدر الإشارة إلى أن معظم النقاد المسرحيين في المغرب هم أساتذة جامعيون، وأذكر منهم: الدكتور حسن المنيعي ود. محمد الكغاط، ود. عبد الرحمان بن زيدان، ود. يونس لوليدي، ود. مصطفى رمضاني، ود. حسن بحراوي، ود. حسن يوسفي، ود. عز الدين بونيت، وغيرهم. الشيء الذي يجعلنا نستنتج أن النقد المسرحي بالمغرب هو في الأصل نقد جامعي.] إضافة إلى المحاضرات والندوات والعروض التي تحتضنها الجامعات العربية. كما فتحت هذه الجامعات شعبا مخصصة للمسرح ولمختلف فروعه، لتدريسه كمادة أساسية، وتوجيه الطلبة إلى الاشتغال على قضاياه وتأطيرها.
وعلى الرغم من هذا الدور البارز الذي لعبته المؤسسة الجامعية في الوطن العربي في إرساء أسس نقد جديد يستجيب لشروط العلمية والموضوعية والتحديث، إلا أنه هو أيضا مطبوع بالنواقص والمعضلات، نجملها فيما يلي:
إنه نقد في الكثير من نماذجه، يطبعه الانتقاء من الخلفيات المعرفية الغربية، وإسقاط الأدوات الإجرائية بشكل آلي على النصوص المسرحية العربية، دون مراعاة خصوصيتها.
تراجع البحث العلمي الجامعي والفوضى التي يشهدها خاصة في ظل الثورة التكنولوجية التي فتحت المجال أما الطلاب على وفرة المعلومات، حتى أن الطالب لا يكلف نفسه البحث في المصادر والقيام بجهد الفهم والترجمة، ومن ثمة انتشار ظاهرة النسخ والإلصاق، والاستعمال اللاعقلاني للذكاء الاصطناعي، الشيء الذي يؤثر سلبا على النقد والناقد والعمل الإبداعي.
تراجع دور الجامعات العربية في تجريب وترسيخ المناهج النقدية مقارنة مع الدور الذي لعبته في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات في تطوير النقد المسرحي والبحث العلمي. 
تقويض عمل الناقد الأكاديمي، وعدم تقبل صرامته العلمية في تقويم الإبداع والحكم عليه، في مقابل الحرية في النشر في المنابر الإعلامية خاصة الإلكترونية منها.
1 ـ 3 النقد المسرحي الرقمي
لقد شهد مجال الإبداع الأدبي والفني في علاقته بالتكنولوجيا الحديثة تطورات متلاحقة وسمات بارزة، اتسمت باستثمار هذا المستجد، وتوظيف تقنيات ووسائل التكنولوجيا الحديثة، وانبثق على إثرها مفهوم جديد يجمع بين ما هو تقني وما هو أدبي وفني، هذا المفهوم هو الإبداع الرقمي أو الأدب الرقمي، أو مفاهيم أخرى: الأدب التفاعلي، الأدب الإلكتروني، النص المترابط والنص المتشعب، وغيرها.
ويعرفه فيليب بوتز (Philippe Bootz) بأنه "أدب متعدد الوسائط (الصوت، الصورة، النص) ويخضع لعلاقات تفاعلية مباشرة وغير مباشرة، بمعنى أن المبدع يدخل في علاقات تفاعلية حميمية مع المتلقي الرقمي والالكتروني والحاسوبي بتبادل الملاحظات والانتقادات والتعاليق المختلفة، وقد يكون هذا التفاعل على غير مباشر بحضور أحد الطرفين."[  ـ فيليب بوتز، "ما الأدب الرقمي؟" ترجمة محمد أسليم، مجلة علامات، ع: 35، النادي الأدبي الثقافي بجدة، السعودية، حزيران، 2011، ص: 103.]
وقد حقق الإبداع والنقد المسرحيين بدورهما مسارا تطوريا واضحا في ظل هذه المستجدات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم، فدخلا على إثرها مرحلة جديدة، بمقياس العامل التكنولوجي الذي فرض نفسه على العاملين في المجال الإبداعي والنقدي، إذ لم يعد استثمار التكنولوجيا الحديثة في الإبداع الأدبي والفني وفي النقد ترفا أو خيارا، بل ضرورة حتمية. وهكذا انبثقت تخصصات جديدة من قبيل: المسرح الرقمي، النص المسرحي الرقمي، العرض المسرحي الرقمي، والنقد الرقمي... والمسألة تتخطى مجرد الرقن أو استعمال الوسائط التكنولوجية في نشر العمل المسرحي، إلى إدخالها كمكونات في بناء العمل الإبداعي، كما أصبح بمقدور المتلقي التفاعل مع العمل الإبداعي ومع صاحبه والمشاركة الفعلية في عملية بناء النص. 
 إن المقومات الجديدة في الإبداع المسرحي نصا وعرضا، تفرض على النقد أن يجدد أدواته وأسئلته حول كيفية التعامل مع موضوعه: الإبداع المسرحي الذي انفتح على ممكنات حديثة في كتابة النص والسناريو والإخراج والديكور والتمثيل. ويرى الدكتور سعيد يقطين أنها "تكشف لنا بالملموس أننا أمام فهم جديد ورؤية مغايرة للإبداع وللنص، ولا يمكن إلا أن يكون الاختلاف في الفهم والتفسير والتأويل مطروحا أيضا وبشكل كبير. ولابد لنا من مواكبة جيدة لهذه التصورات المختلفة، بناء على مواقف محددة وتتبع دقيق ليتأتى لنا دخول الأدب الرقمي بوعي وتقدير عميقين لخصوصية هذا الإبداع الجديد في التجارب التي سبقتنا في هذا المجال."[  ـ د. سعيد يقطين، النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية (نحو كتابة عربية رقمية)، 2008، ص: 189.]
1 ـ 4 المهرجانات والفعاليات المسرحية:
تلعب المهرجانات المسرحية في الوطن العربي، سواء على المستوى المحلي أو العربي، دورا مهما في تطوير الظاهرة المسرحية إبداعا ونقدا، حيث العروض المسرحية والندوات الفكرية والتطبيقية، والجلسات النقدية التي تلي العروض والتوصيات وغير ذلك. وتتيح للعاملين في المسرح مبدعين ونقادا، اللقاء والتواصل المباشرين، ومناقشة قضايا المسرح، وتبادل التجارب والخبرات الخاصة بالبلدان العربية... وهذا يحفز على مواصلة العطاء والاستمرارية والتجريب والسعي إلى تجويد الأعمال، وتطوير رؤية نقدية، كما أن هذه اللقاءات المسرحية العربية تتيح التقارب بين المهتمين والمختصين بالمسرح، وتتيح العمل من أجل بناء مشروع النقد المسرحي العربي.
لكن، ومع ذلك فإن هذه المهرجانات المسرحية لا تصل إلى تحقيق كامل هذه الغايات بسبب مجموعة من الاختلالات، أذكر منها:
إن "الجلسات النقدية" أو "المسامرات النقدية" أو "المناقشات النقدية" التي تعقد غالبا بعد العروض في المهرجانات والتظاهرات المسرحية، هي عبارة عن نقاشات وأراء المسرحيين والنقاد والمهتمين حول العروض المقدمة، تتطرق غالبا إلى مضامين النصوص والعروض وصاحب العمل، وبعض الجوانب الفنية والدلالية والأساليب المسرحية. وهذه المواكبة النقدية غنية بآراء النقاد وطروحاتهم السديدة، ولكنها لا ترقى إلى مستوى الدراسات والقراءات النقدية التي تحلل العمل المسرحي نصا وعرضا بناء على خلفية معرفية ومناهج نقدية قائمة بذاتها، وأدوات إجرائية محدد مسبقا. 
وفي رأيي يجب استثمار هذه اللقاءات الكبيرة، وكل هذه الجهود والطاقات والاستفادة من الفعاليات المسرحية في اتجاه تأسيس مشروع النقد المسرحي العربي. حيث يمكن تأسيس حلقات بحث مشتركة على مستوى الوطن العربي، على غرار المدارس والحلقات الفكرية في الغرب (حلقة براغ في اللسانيات ـ مدرسة كونستونس في جمالية التلقي بألمانيا.... وغيرها)، تنتهي إلى تحقيق هذا الطموح الكبير. 
إن المهرجانات المسرحية غالبا ما تقوض دور الناقد المسرحي وتختزله في القيام بالتوثيق وكتابة التقارير والمناقشات المباشرة والتجزيئية للعمل الإبداعية المسرحية خاصة العروض المسرحية.
إن الندوات الفكرية الجادة تخرج بتوصيات مهمة، لكنها غالبا تبقى حبيسة الأوراق، ولا تعبر إلى التفعيل. كما أن الإقصاء من المهرجانات والمناسبات المسرحية يطال العديد من الكفاءات والفاعلين المسرحيين في الوطن العربي، فلا تتاح لهم الفرصة للمشاركة في هذه التظاهرات الكبرى، مما يؤدي إلى إقصاء رؤيتها وتصوراتها النقدية.
2 ـ إشكالات النقد المسرحي العربي ومعضلاته:
من المجحف أن نصدر الآن أحكاما قيمية عن النقد المسرحي العربي تنعته بالضعف والاضمحلال والتراجع، فتاريخه طويل وكمه كبير، ونوعيته لها طابعها العلمي والفني والمنهجي، واستطاعت أن تنتج المعرفة حول موضوعها: النص والعرض المسرحيين، بكشف دلالاته وأبعاده الفكرية والفنية والجمالية.
إضافة إلى تعدد نماذجه وتنوعها واختلاف أشكاله (النقد الصحفي ـ النقد الجامعي/ الأكاديمي ـ النقد الثقافي والنقد المرتبط بالوسائل والمنابر الإلكترونية من مقالات وكتب ومجلات إلكترونية...)، وتعدد منطلقاته المعرفية والنظرية وأدواته المنهجية. 
إلا أنه نقد ذو طابع إشكالي، تعرقل اكتماله مجموعة من العوائق والمعضلات، أجملها فيما يلي:
ـ إن جانبا من إشكاليته يكمن في أنه نقد تطبعه الفردية وأنه غير مؤسساتي، فهو لم يؤسس مشروعه الخاص على غرار النقد المسرحي الغربي، باستثناء النقد الجامعي الذي يحمل عنوان المؤسسة التي ينتمي إليها، والذي يتميز بخاصية الاستجابة لمعايير البحث العلمي.
ـ عدم انسجام تطور النقد المسرحي العربي مع تطور موضوعه: الإبداع المسرحي العربي، ذلك أن هذا الأخير كان يتطور في اتجاه، فبالرغم من أنه ولد بتأثير من المسرح الغربي، إلا أنه استطاع أن يطور نفسه، ويؤسس خصوصيته، فقد انطلق من الترجمة ثم الاقتباس وانتهى إلى التأسيس والتأصيل باستثمار التراث العربي في الكتابة. أما النقد المسرحي العربي، فبالرغم من مواكبته للظاهرة المسرحية الإبداعية وارتباط ظهورها بظهوره، إلا أنه لم يسر في نفس خط تطورها، فقد ظل مرتبطا في ممارساته التطبيقية بالمرجعية الغربية، يأخذ منها أدواته، ولم يبلور مشروعه النقدي الخاص به.
كما أن انفتاحه الواسع على النظريات المعرفية والمناهج النقدية الغربية، قد أدى، من حيث لا يريد الناقد، إلى مجموعة من الإشكالات والمعضلات، منها إشكالية المنهج، وإشكالية المصطلح والمفاهيم النقدية:
ـ إشكالية المنهج: تعد المناهج النقدية إحدى أهم دعائم النقد الأدبي والفني، وشرط أساسي لقيامه كما باقي العلوم، وكان هذا هاجس النقد العربي، يقول محمد مندور: "الأبحاث الجدية والمثمرة لا يمكن أن تقوم في كافة العلوم إلا على أساس المناهج السليمة".[  ـ محمد مندور: "النقد والنقاد المعاصرون"، مطبعة نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة (بدون تاريخ)، ص: 148.]
ويقول الدكتور عبد الرحمان بن زيدان عن أهمية المنهج في الممارسة النقدية: "لماذا يمارس الناقد العربي الكتابة النقدية إن لم تكن كتابته وعيا بالمنهج؟".[  ـ عبد الرحمان بن زيدان: "الوعي بالمنهج في الممارسة النقدية العربية"، جريدة العلم الثقافي، 14 أكتوبر 1995، ص: 7.]
فالمنهج هو "منظومة من الأدوات الإجرائية والمفاهيم والمصطلحات بها تتقعد القواعد وتتضح المفاوز والمسالك وتنفتح مغالق النص".[  ـ عبد الرحمان بن زيدان: المرجع السابق، ص: 7.] 
لقد شكلت المناهج النقدية مقوما أساسيا في تطوير النقد الأدبي عامة والمسرحي خاصة، ذلك لأنه يضفي العلمية والموضوعية على العمل النقدي، ويحقق قراءة واعية بالإبداع. 
وعلى الرغم من النتائج الإيجابية التي حققها النقاد باتباعهم المناهج النقدية الغربية، فإنها مع ذلك تطرح العديد من المشاكل وتنعكس سلبا على العديد من المقاربات نتيجة ما يلي:
الانفتاح اللامشروط على النظريات المعرفية والمناهج النقدية، وتوظيفها في أرضية ثقافية جديدة دون مراعاة الفوارق والاختلافات التاريخية والحضارية الموجودة بين الثقافتين، المصدرة والمستقبلة "مما يكون سببا في تشويهها حينا، واختزالها أحيانا أخرى."[  ـ د. عبد العالي بوطيب: "إشكالية تأصيل المنهج في النقد الروائي العربي"، مجلة عالم الفكر، المجلد 27، ع: 1، 1988، ص: 10.]
غالبا ما يتم تطبيق أدوات المنهج الإجرائية في غياب استحضار الخلفية الإبستيمولوجيا المؤطرة له، الشيء الذي يضعف المقاربة النقدية. فالمنهج ليس مجرد أدوات إجرائية يتم قراءة العمل الإبداعي بتطبيقها آليا، وإنما للجانب المعرفي أهميته المحورية، فمنه تنبثق الأدوات الإجرائية. لذا على الناقد أن يتعامل مع المنهج في كليته، أي في جوانبه المعرفية والإجرائية.
إن اقتباس النقد العربي للمناهج النقدية من الغرب، يواجه إشكالية ناتجة عن اختلاف البيئات، المصدرة والمستقبلة. هذا الاختلاف يؤدي بالنقد إلى إسقاط مفاهيم وأدوات إجرائية من البيئة الغربية على نصوص إبداعية دون مراعاة بيئتها، يقول الدكتور عباس الجراري محددا طبيعة الإشكالية في نقدنا: "ونحن حين ننظر في محاولات نقادنا في المرحلة الحديثة والمعاصرة نجد أنهم سعوا إلى التوسل ببعض مناهج النقد الجديد، التي أعطت ثمارا كلية أو جزئية عند الغربيين، ولكن سعيهم لم يتجاوز التجريب الذي لم يتم دون الوقوع في الخلل، وهو خلل مرده إلى أن التطبيق متقنا وسليما، وما كان له أن يتأتى على الوجه الأنسب بسبب الاختلاف الذي يمس نوع المعطيات ومدى تأثيرها حين تكون مستخلصة من بيئة ويحاول إلصاقها ببيئة أخرى..."[  ـ د. عباس الجراري: "خطاب المنهج" الهلال العربية للطباعة والنشر، الرباط، ط 2، 1995، ص: 24.] 
ـ إشكالية المصطلح النقدي: بما أن النقد الأدبي عامة والنقد المسرحي خاصة يستند إلى المرجعية النظرية والمنهجية الغربية، فإنه يأخذ منها مفاهيمها ومصطلحاتها النقدية، إلا أن توظيفها في الكثير من النماذج النقدية يتم دون تمحيصها وفهمها في سياقاتها المعرفية التي أنتجها. والحقيقة أن المصطلح النقدي المأخوذ من المرجعيات الغربية لا يفد إلينا كمجرد "دلائل لغوية عارية ومفصولة عن أي سياق معرفي، بل هي كيانات تأتينا محملة بتاريخها ورؤاها وأشكالها في الوجود والاشتغال"[  ـ د. سعيد بنكراد: "المصطلح السيميائي: الأصل والامتداد، مجلة علامات، عدد 14، سنة 2000، ص: 7.]
لذلك من الضروري نقل هذه المصطلحات من لغاتها الأصلية إلى اللغة العربية بإدراك تام لأصولها المعرفية التي أنتجتها، والتي أمدتها بحمولتها الثقافية "ذلك أن الاكتفاء بالمعادل الذي يسنده، سيلحق ضررا كبيرا بالفكر وبطرق التفكير وفي جميع الحالات لا فائدة تذكر من مصطلح جامد لا روح ولا تاريخ له"[  ـ د. سعيد بنكراد "المصطلح السيميائي: الأصل والامتداد، مرجع سابق، ص: 8.]
والمطلوب هو الحرص على توظيفها بعد الإلمام بها واستيعابها من طرف القارئ، مع الحرص على انسجامها مع الموضوع (الإبداع المسرحي العربي)، ومع خصوصيته والشروط التي أنتجته. 
ـ إشكالية موضوع النقد المسرحي: تتعلق هذه الإشكالية بخصوصية الإبداع المسرحي، من حيث هو عمل مركب من نص له خصائص أدبية ودرامية، وعرض تدخل في تشكيله مجموعة من التخصصات التقنية والفنية، فهو من جهة النص يتقاطع مع الأجناس الأدبية، ومن جهة العرض ينتمي إلى فنون العرض وفنون الفرجة، حيث تلتقي فيه مختلف التخصصات الفنية والعلمية والتقنية. فالمسرح بذلك من أكثر الأجناس الإبداعية استعصاء على القراءة والتحليل.
 وهذا الوضع يربك الناقد، وقد يقتصر على إنجاز قراءة النص المسرحي، قراءة لا تختلف عن قراءة نص قصصي أو روائي وغيرها من النصوص الأدبية، مع أن النص المسرحي حتى وهو يتقاطع مع النصوص الأدبية في الكثير من مقوماتها وعلى رأسها اللغة، فهو يعتبر مكونا من مكونات العمل المسرحي في كليته، ينفتح على العرض عبر مجموعة من القرائن. وعليه فإن الناقد المسرحي ملزم بربط مكونات المسرح وعدم عزل بعضها عن البعض، يقول الناقد الدكتور محمد الكغاط: "وإذا كان الناقد المسرحي نفسه ينطلق من النص أحيانا، فإن عليه أن يربطه بالعرض مادام مطالبا بمقارنة كل عناصره، ومتابعة ما حققه المخرج من انسجام بين سائر مكونات المسرح وهو ينقل كلام النص إلى حركة الخشبة ولإدراك هذه الغاية يحتاج الناقد المسرحي إلى بعض المعرفة بالتقنيات المسرحية، وهذا ما يميزه عن الناقد الأدبي."[ ـ د. محمد الكغاط: "المسرح وفضاءاته"، البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع، القنيطرة، ط 1، 1996، ص: 182.] 
كما يتساءل محمد الكغاط: "هل يمكن تصور قارئ لنص مسرحي لا يعرف حتى تقسيم النص المسرحي الذي هو أساسا تقسيم تقني يتعلق بالعرض أكثر مما يتعلق بالنص؟ أو بعبارة أخرى، هل يمكن تصور قارئ لنص مسرحي لا يعرف ما يميز الأدب المسرحي عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى"[ ـ د. محمد الكغاط: المرجع السابق، ص: 182.]. 
ـ توتر العلاقة بين المبدع والناقد: من مظاهر أزمة النقد المسرحي، توتر العلاقة بين المبدع والناقد، حيث أصبح دور الناقد المسرحي ثانويا، يتم تجاوزه أو إقصاؤه من دائرة العملية المسرحية، فالمبدع المسرحي ينتج عمله دون اعتبار لوجود الناقد، ويستعيض عنه بالجمهور، إذ يقفز إليه مباشرة ويعول على انطباعه ورأيه واستحسانه وحكمه، ويكتفي من الناقد بالدعاية والإعلان عن ميلاد عمل جديد، ويرضى منه فقط بمواكبته بالتقارير والتعريف به وإبداء الرأي حول بعض جوانبه. وبذلك يفقد العمل الإبداعي أحد أهم الدعائم في توسيع أفق إنتاج الأفكار والتقويم وغيرها، ويفقد المتلقي وسيطا مهما في تقريب العمل منه وتوجيه ذوقه وفكره.
إن الوقوف على إشكاليات ومعضلاته النقد المسرحي العربي، ليس هدفا في حد ذاتها، وإنما الهدف منها هو جعلها مدخلا لتصحيح مسار النقد المسرحي العربي والنهوض به وتطويره.
3 ـ آفاق النقد المسرحي العربي ورهانات تطويره وتأسيس مشروعه النقدي 
إن رهانات تطوير النقد المسرحي العربي وتأسيس مشروعه النقدي تجد، في رأيي، أساسياتها فيما يلي:
ــ حل إشكالية الهوية والاختلاف في علاقتها بالمرجعية المعرفية الغربية وسياق التحولات العالمية الكبرى التي نعيشها في هذا العصر.
 لقد حاصر النقد العربي نفسه بالخلفية المعرفية والمناهج النقدية الغربية، فرغم إيجابياتها فإن النقد العربي سقط في العديد من الإشكالات والعوائق كإشكالية المنهج والمصطلح النقدي والتفاوت بين النظرية والتطبيق، وانفلات العمل الإبداعي من مقاسات النقد الغربي الجاهزة، من جهة، ومن جهة أخرى وجد هذا النقد العربي نفسه محاصرا بسؤال الهوية والموروث الثقافي والنقدي العربي والإسلامي. أيضا، لقد تشكلت شروط جديدة في إطار التحولات الكبرى التي يشهدها هذا العصر عالميا، وحتما لابد لكل تطور في أي مجال من أن يستوعب هذه التحولات ويأخذها بعين الاعتبار. 
هكذا يجد النقد المسرحي العربي نفسه مدعوا إلى تأسيس مشروعه النقدي، انطلاقا من تشخيص واقعه واستثمار المرجعية النظرية والتطبيقية النقدية الغربية، وترسيخ وعي ابستيمولوجي بمفاهيمها وتصوراتها، واستيعاب التحولات العالمية المحيطة به، فنحن لا نعيش ولا يمكننا أن نعيش خارجها. وهو ما يقتضي من النقد المسرحي العربي إقامة حوار بناء داخل هذا الكل المتداخل والمتضارب والمختلف بين السياق المعرفي العالمي والخصوصية الذاتية من أجل بناء المشروع النقدي الخاص، وذلك بالانخراط في صناعة المعرفة النقدية مع تحقيق الاختلاف لا التبعية والاستهلاك: "فالانكماش داخل حدود علمية أو معرفية أو نقدية (خاصة)، يتبدى في نهاية المطاف أوغل في باب الوهم في الاعتقاد بإمكانية تقديم نظريات ومناهج (خاصة) أيضا، فمن شأن الانغلاق أن يفضي إلى اجترار أوهام (الخصوصية) لا تكتسب صفتها الحقيقية تلك، إلا باقتحامها مجال الحوار مع الآخر كلحظة أساسية لتجاوز الذات والإسهام في تطوير المعرفة بعيدا عن الاستلاب والتبعية"[  ـ أحمد اليابوري: النقد العربي المعاصر: أوهام الحدود وحدود الأوهام"، مجلة الوحدة، عدد 49، أكتوبر 1998، ص: 9.]
إن تطوير الممارسة النقدية المسرحية العربية يستدعي نوعا من الاستقلالية والتخلي عن التبعية النقدية المطلقة للنقد الغربي والعالمي، فالمجال فسيح ومفتوح للجميع لإثبات الخصوصية الذاتية والهوية الثقافية، والتي لا تتعارض مع الانفتاح على المعرفة الإنسانية المتاحة في إطار مجتمع المعرفة الذي نعيش فيه.
ـ تطوير البحث العلمي بشكل يستوعب التجربة الإبداعية في مسارها وفي كل منعطفاتها ومحطاتها التاريخية التطورية والتجريبية. وفي هذا الصدد يجب أن تستعيد الجامعة دورها في معالجة الإشكالات والعوائق، وترسيخ نقد مسرحي عربي بناء قائم على أساسيات البحث العلمي الجاد. 
ــ إن وجود ممارسة نقدية مسرحية متطورة رهين بوجود تراكم إبداعي مسرحي متطور أيضا، يقول عبد الرحمان بن زيدان: "النقد في كل دائرة ثقافية ـ قديمة أو حديثة ـ لا ينضج ولا يتطور إلا بعد نضوج الأدب نفسه ومن ضمنه المسرح كأدب وفن، أي نضوج مادته التي هو مخصص للبحث فيها والتعامل معها"[ ـ د. عبد الرحمان بن زيدان: "إشكالية المنهج في النقد المسرحي العربي"، مرجع مذكور، ص: 112 ـ 113.]. إن تطور النقد لا يحدث بعيدا عن تطور وتحولات الإبداع، والعكس صحيح.
لقد اتخذ الإبداع المسرحي مسارات جديدة في ظل المستجدات العالمية الكبرى، وتشعبت رؤاه وأفكاره وطرق الكتابة والعروض المسرحية. وهو ما يستدعي أن يقوم النقد المسرحي بمجهود فكري مضاعف حتى يتسنى له مواكبة هذا الإبداع في مقوماته الإبداعية والفكرية المستحدثة. وعلى هذا الأساس يجب المضي بالنقد المسرحي العربي إلى مرحلة جديدة تستوعب الشروط الإبداعية والمعرفة العلمية والنظرية الفلسفية والفكرية والفنية والجمالية العالمية.
ـــ نقد النقد ودوره في تطوير النقد المسرحي: إن تحقيق غاية تطوير النقد المسرحي العربي وبناء مشروعه الخاص، أرى أن تتم من مدخل تخصص نقد النقد. وهو "إبستيمولوجية نوعية خاصة بموضوع معرفي هو النقد الأدبي"[  ـ د. محمد الدغمومي: "نقد النقد وتنظير النقد العربي المعاصر"، مرجع مذكور، ص: 10.]، يضطلع بإنجاز قراءة واعية ودقيقة لمنجز النقد المسرحي العربي، ووضعه تحت مجهر النقد نفسه، بوصفه وفحصه ورصد واقعه وأسسه المعرفية والمنهجية، وكشف معضلاته وإشكالياته. ومن ثمة تأسيس رؤية جديدة وتحديد طرق تحقيق تطلعاته في بناء نفسه ومشروعه.
ويلخص محمد الدغمومي أهدافه فيما يلي:
"تمحيص المعرفة الأدبية داخل النقد الأدبي (المفهوم، المرجع، النسق)
التنظير للنقد الأدبي وإيجاد نمذجة له أو عدة نماذج.
تأصيل "منهج" نقدي محدد أو عدة مناهج (تصحيح، إغناء...)
البحث عن الخصوصية والوضع الاعتباري للنقد ضمن الدراسات الأدبية وغير الأدبية"[  ـ محمد الدغمومي: "نقد النقد: أسئلة المنهج في الدراسات الجامعية في المغرب"، (مؤلف جماعي)، ع: 18، 1991، ص: 306.]
ويعتبر نقد النقد تخصصا علميا أساسيا ينهض على وضع النقد المسرحي تحت آلية التساؤل والاختبار. وكثيرة هي الأعمال التي تجعل من النقد المسرحي موضوعا لها، سواء بالتأريخ أو التنظير وغيرها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هنا: هل كل ما تم إنجازه حول النقد المسرحي يدخل فعلا في إطار تخصص نقد النقد؟ من هنا ضرورة تحديد تعريفه وأسسه ومناهجه في قراءة العمل النقدي وتقييمه، وأدواته الإجرائية في ممارسة النقد على النقد. 
وحسب الدكتور محمد الدغمومي لا تعتبر هذه الأشكال المعرفية نقدا للنقد إلا إذا امتلكت خاصيات تجعله:
1."مشروع تفكير بديل في مجال النقد؛
2.مشروعا يتأسس على سؤال مركزي ـ هو بمثابة فرضية؛
3.استراتيجية تتوخى تغيير مشروع أو مشروعات سابقة؛
4.وعيا إبستيمولوجيا يستوعب مرجعية محددة؛ مفاهيم نسقية متضامنة وملائمة لها صفة نسق مستقل ولو نسبيا؛
5.لغة اصطلاحية بدرجة كافية؛
6.قوة استدلالية محققة للمعقولية والمقبولية؛
7.صيغة نظرية معبرا عنها، مقترحة أو معدلة لصيغة سابقة؟
أما نقد النقد، فينبغي أن يمتلك إضافة إلى العناصر الخمسة الأخيرة ثلاث خاصيات إضافية هي:
1.مجموع قواعد مستمدة من مرجعية محددة (نظرية أو منهج أو علم)؛
2.أدوات إجرائية يمكن أن تسيطر على الموضوع؛
3.استراتيجية تتوخى إنتاج صورة مغايرة لحالة الموضوع المنطلق."[  ـ د. محمد الدغمومي: "نقد النقد وتنظير النقد العربي المعاصر"، ص: 11 ـ 12.]
ـ الناقد المسرحي ودوره في تطوير النقد المسرحي العربي: أنطلق في إبراز هذا الدور من الأسئلة التالية:
هل تراجع دور الناقد المسرحي الذي يواكب العملية الإبداعية نصا وعرضا بالقراءة والتحليل والتصحيح، والذي يستند في أدواته إلى تيارات نقدية واضحة؟
من هو الناقد المسرحي الذي نراهن عليه في تطوير النقد المسرحي العربي والإبداع المسرحي، وإنجاز تطلعاته في بناء مشروع خطاب النقد المسرحي؟ 
"يحتل الناقد، دون أي شك، مكانته في رأس الهرم: إنه الشخص الذي يعرف عن شكل من أشكال الفنون أكثر منا، وهو الذي يستحق رأيه وتأويله نظرا واعتبارا خاصين. تلك التراتبية الهرمية التي تربع الناقد في قمتها قضت عليها الانزياحات الواسعة في العلاقات الاجتماعية، بعد تخلص الناس من الإذعان للسلطة. لقد توزعت عملية تقويم الفنون، وأصبح "الجمال"، دون أي شك، "في عين الرائي"، لا في عيني الناقد الخبير أو عالم الجمال."[  ـ رونان ماكدونالد: "موت الناقد"، ترجمة فخري صالح، المركز القومي للترجمة، دار العين، القاهرة، 2014 ـ ص: 16.]
إن الساحة الأدبية والفكرية اليوم، تكشف عن تراجع الناقد المتخصص إلى الوراء، وفسح المجال للقارئ غير المتخصص، كذلك الإبداع المسرحي أخرج النقد وسلطته المعرفية من اعتباراته، ومضى يبدع ولا يفكر في رأي الناقد ولا يخاف من أدواته التقييمية ومن تصنيف عمله في خانة النقد الجاد أم الضعيف والرديء؟    
ولعل النقد العالمي يعاني هو أيضا من عوامل مسؤولة عن تراجع الناقد وانصرافه عن النقد، "ويعزو رونان ماكدونالد ضعف دور الناقد في اللحظة الراهنة إلى انتشار المدونات والمواقع التي تتيح لأي شخص (بغض النظر عن معرفته وعلمه وتضلعه في الموضوع الذي يكتب عنه) الكتابة عن الكتب، والأفلام والمسرحيات والعروض الموسيقية. لقد حل هذا النوع من الكتابة "النقدية" محل الأقلام المتخصصة التي كانت، فيما مضى، توجه القراء وتدلهم على الكتب الصادرة حديثا، مما يستحق القراءة، أو الأفلام التي تجدر مشاهدتها، أو المسرحيات التي على عشاق المسرح أن يشاهدوها. وهكذا فإن ما ينشره موقع أمازون لبيع الكتب أصبح بديلا عن الكتابة النقدية المتخصصة"[  ـ موت الناقد ـ ص:13] 
ويفترض في الناقد المسرحي أن يمتلك معرفة كبيرة ودقيقة بالمسرح، تاريخه وخصائصه وأبعاده وبالمقاربات النظرية والمنهجية والأسس والخلفيات الفكرية والفلسفية التي يستند إليها في بناء أدواته التي يشتغل بها على الإبداع المسرحي نصا وعرضا. والطبيعي أن يكون الناقد ملازما للمبدع في كل مراحل الإبداع المسرحي، وحاضرا في وعي المبدع بفكره ومعرفته (في الكتابة والسينوغرافية والإخراج والأداء...)، وأن يكون النقد مواكبا للعملية الإبداعية المسرحية من النص إلى العرض، كاشفا مكامن الإبداع والفكر والجمال فيها ومقيما نواقصها، وألا يختزل دوره في الدعاية والإعلان عن ولادة عمل مسرحي، أو تقرير عن تظاهرة مسرحية
خاتمة:
انطلاقا من إشكالية الدراسة والأسئلة المتفرعة عنها، وانطلاقا كذلك من بحثها وتحليلها، خلصت إلى أنه:
لا يمكن للخطاب النقدي المسرحي العربي أن يحقق خصوصيته، ويبني مشروعه النقدي، إلا إذا أقام شكلا من أشكال الحوار الواعي والبناء مع المعرفة العالمية وخاصة الغربية، وعمل على استيعاب الحاضر النقدي والإبداعي المسرحيين، ومواكبة التحولات والمستجدات العالمية الكبيرة والمكتسحة، وكذا التشبث بحق الاختلاف والتميز الذي تكفله الهوية الثقافية والسياق الذاتي على كل المستويات، والتساؤل فلسفيا وفكريا عن كيفية تطوير النقد المسرحي، واستشراف آفاقه ومستقبله. والانخراط في ركب المعرفة العالمية، والتي لا تتعارض مع الخصوصية.
وأن الحاجة ماسة وملحة إلى تعزيز دور الناقد المسرحي المتخصص، الذي يجيب على أسئلة الظاهرة المسرحية العربية وتحولاتها في إطار المستجدات العالمية، ويعمل على تجاوز كل مظاهر الانتقاء والتلفيق وتطبيق النماذج الجاهزة على الإبداع المسرحي.
ومن هنا يفترض أن تكون معرفة الناقد المسرحي أكثر من معرفة المبدع والسينوغراف والمخرج وغيرهم من أعمدة وأركان العمل المسرحي، وبالضرورة يجب أن يكون مثقفا ومفكرا وعارفا بالإبداع المسرحي والاتجاهات والنظريات الفكرية والفلسفية النقدية، حتى يكون قادرا على تمحيص العمل الإبداعي نصا وعرضا، وقادرا على إنجاز قراءات نقدية تُخضع الإبداع للتحليل والتفكير بآليات وأدوات منهجية. فالنقد شديد الارتباط بالفكر والفلسفة والعلم والإبداع والفن والجمال. 
كما أن تطوير النقد المسرحي العربي رهين بتطوير الإبداع المسرحي، وأن تطوير هذا الأخير رهين بتطوير أدوات النقد، فالنقد والإبداع عمليتين متلازمتين، وجود كل منهما رهين بوجود الآخر، وتطوير أحدهما مرتبط بتطوير الآخر
وتتعزز هذه الخلاصات بمجموعة من الضرورات والإجراءات، على رأسها: تشجيع البحث العلمي في مجال المسرح إبداعا ونقدا، وخاصة البحث العلمي الجامعي الأكاديمي، وإعمال التفكير النقدي من أجل فهم النظريات المعرفية العالمية، والقدرة على محاورتها والتفاعل معها وبناء النقد المسرحي بخصوصية عربية ومعرفة علمية تستجيب لمستجدات العصر وأسئلته، وتحقق المواكبة العلمية العميقة والدقيقة للمسرح العربي في تطوره وتجربته للممكنات الإبداعية التي توسعت في هذا العصر. 
*المؤتمر الفكري المصاحب للدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، الذي نظمته الهيئة العربية للمسرح،بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية في القاهرة خلال الفترة من 10 إلى 16 يناير 2026/ ندوة "نحو تأسيس علمي لمشروع النقد المسرحي العربي"
 

 



2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون