قراءة نقدية في المسرحية التونسية "الهاربات" ...تاليف وإخراج وفاء الطبوبي.
2026 ,18 كانون الثاني
 *د. محمد أمين بنيوب: صوت العرب – القاهرة.
الهاربات على ضفاف الانتظار
1- ثلاثية الهروب والانتظار والتيه 
عندما نكون أمام لحظة مشاهدة عرض مسرحي وتلقيه، كفرجة شاملة، فإننا نكون أمام منجز فني مركب، يتداخل فيه البعد الذاتي بالبعد الواقعي وبالبعد التخييلي. فالمبدع المسرحي يروم تقاسم تجارب معاشه أو متوقعة لها امتدادات في السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي وينقلها نحو عوالم واقعية/ متخيلة لنعيش معه رؤاه الفنية، طروحاته الجمالية؛ قضاياه الإنسانية، قناعاته الفكرية وقيمه المجتمعية.
فالعرض المسرحي، يعكس بجلاء، التقائي التجربة الإبداعية مع جمالية الأداء التعبيري بكل لغاته اللفظية والحركية والسمعية والبصرية وما يتركه لدى المتلقي في مخيال ذاكرته وطرق تواصله مع المادة الإبداعية وترجمة دلالاتها المادية والرمزية وخطاباتها المرئية والخفية.  
بهذا المعني، فإننا بصدد محاولة فهم وتحليل نسق من العمليات والقواعد، التي تسند التوليد والمساءلة والتأمل ودرجات التوقع واحتمالات الاستجابة أثناء المشاركة الإبداعية للمتلقي في منجز الهاربات. أول مواجهة لي مع هذه النسق المركب في عرض الهاربات، كان النص ثم العرض المصور. في المرحلة الأولي، عندما قرأت نص الهاربات للمبدعة وفاء طبوبي مرات عديدة وأعدت قراءته لأستجلي دهاليزه، (بالرغم من صعوبة فهم بعض كلمات المعجم الدراجي التونسي) لكن الكتابة النصية، ارتقت بكيفية ذكية لكي ترى وتشاهد، لا لتقرأ وتتلى وبشخوص تفعل، وتتصارع وتتحرك وتقاوم من أجل البقاء والاستمرار.
لا يمنحك المتن دعامات سهلة للولوج إليه. نص عار من الإشارات الركحية، خال من التوجيهات الجانبية المتكررة وأمكنته غير معرفة، باستثناء فضاء المحطة. لا وجود لديكور فخم للإبهار مثبت وسط الركح ولا شهادة ميلاد للشخصيات ترسم هيكلها وتقاسيم هيئتها. حتى الزمن غير محدد، يبدو ملتبسا وقاتما.
جل هذه العلامات خارج النص، تجد تحققها الفعلي والرمزي في ثنايا العرض وفي حوارات الشخصيات، في غضب أقوالها وجرح صرخاتها، في عنف حركاتها وتعب سيرها اللامتناهي وفي توثر علاقاتها وشدة أفعالها ومقارعة وجهات نظرها. ربما هي رؤية الكاتبة/ المخرجة، لكي تشركنا في ملحمة الهروب ومحنه. فعندما تحل فواجع الهروب ونكساتها فجأة، بلا ميعاد وبلا استئذان، فإنها تدفعك لاختراق كل المنافذ الضيقة والكوات المهترئة بغية النجاة. لاوقت لديك لقياس الزمن ولابرهة لك للتعرف على هويات من يرافقك ولاوقت كاف لديك للتدقيق في جغرافية الفضاء ولافرصة لك للتفريق بين إشارات الوقوف وعلامات الموانع وحواجز العبور.
لاتمتلك أي شيء، سوى شظايا زحمة العبور والهروب وثقل فن الحكي وسهام القول لكي تعلن للملأ، شهاداتك الموشومة بالإقصاء والتمييز والتصريح مما تبقى من إرث أدميتك المنزوعة وإنسانيتك اليتيمة. أنت في نظرهم، بمثابة دابة هائمة/ كلب مجروب لقيط تائه وسط الحشود الهائمة، فقط تأخذ طوعا، ليعاد تدويرك وتطويعك وتنقيحك وتلقيحك حسب المنفعة والمصلحة والغنيمة. أنت مجرد هاتف مشروخ معدد للنباح العمومي. (Aboiment Public).
هذا مانستسفه في اللوحة الأولى المعنونة بالمحطة، تبين بجلاء هذه النظرة الدونية للكائن البشري. في مبادلة حوارية ما بين شخصية لبني و شخصية فاطمة:
لبني:كلاب حد ما عبرنا حد ما كلمنا كلاب احنا
فاطمة: الكلاب خير منا يلموهم مرة في العام..يلقحوهم يداووهم يوكلهم يشربهم وبلاش..واحنا ميتذكرونا كان وقت الانتخابات.. يجو ينبحو علينا هب هب هب ويذوبو. 
لكن هذه الصورة القاتمة والموحية بالاستسلام والتراجع والانتكاس، ستتم مقاومتها ومساجلتها وفضحها على طول مسار الحكي، حيث ستتخذ الشخصيات، قرار المواجهة والثورة والتبليغ وكشف كل النواميس المعدة والمجهزة سلفا من قبل المؤسسات ومنظومة القوانين الجائرة، لمحو جوهرالإنسان وتكبيل بقائه في العيش والوجود ومصادرة أحلامه.
هذا ماتصرح به أميمة في المقطعين الأخيرين من اللوحة الخامسة واللوحة الاخيرة عبر تسجيل صوتي خارجي:
" الضو
احنا لي نشرقو بيدينا الظلام ونجيبو ليكم الضو لعينكم..
كونو ثابتين في خطوتكم ياش ماضيعوش ثنيتكم ماضيعوش حلمتكم.. 
ناخد حقي وحق لي كيفي لي ضاع في الثنية..نفعل القانون العادل لي يدافع علي المضلومين..المقهورين..القانون هو الحل نكتبوه احنا للناس...صوتنا صوت حق.. احنا القانون."
في نهاية المطاف،يقدم النص/ العرض، طروحات وإشكالات وأسئلة حول الصراعات التي تخترق المجتمع التونسي وهي نفس الصدامات  التي تساءل قضايانا وانتظاراتنا الراهنة في مجتمعاتنا العربية ويبقى للمبدع المسرحي،طرق زوايا المقاربة الفنية والمعالجة التعبيرية التي تزاوج بين نقد وتشريح الواقع والسخرية من أعطابه وأضراره دون استنساخ واستسهال.في هذا المنحي تقول المبدعة وفاء الطبوبي "تنبثق فكرة العرض من خلال تأثري كمواطنة شاهدة على مايدور في الواقع من أحداث وتغيرات وتحولات بمختلف مجالاتها لأعيد صياغتها في العرض المسرحي بشكل ساخر ينقد الواقع دون أن يحاكيه"
يتوزع نص الهاربات عبر ست لوحات. لوحة المحطة، أو لحظة اللقاء المفاجئ للشخصيات في المحطة، لوحة التصريح بهويات الشخصيات، لوحة الضياع، لوحةالحلمة، لوحة المأزق، لوحة شوارع وكياسات واللوحة الاخيرة بمثابة صرخة أمل هارب.
ينهض العرض على حكاية، تقع أطوار أحداثها في محطة على مايبدو محطة مهجورة أومنسية في ضواحي المدينة. لا نعرف بالضبط جغرافية هذه المحطة ولامعالمها الواضحة. ربما المخرجة، أرادت أن تقحمنا منذ البداية في فضاء المحطة وصخب أصواتها وضجرمحركاتها. لا إشارات ولا أضواء تدل على ذلك. فقط فضاء قاحل، جاف ويابس. فضاء بدون حياة، غياب بنايات تطل عليه أوأشجارتحيط به.
 بقيت اتخيل طبيعة هذه المحطة القفراء:
-هل هي محطة حافلات؟
- هل هي محطة قطارات أم ترومواي؟
- هل هي محطة حافلات أم محطة سيارات أجرة؟
- هل هي محطة مخصصة للنقل السري؟
لا يهم. مادام فضاء المحطة هوفضاء العبور والانتظار والتيه بامتياز. فضاء بوح وحكي. فضاء تشتبك فيه الهويات والأقدار وتعلن فيه الأسرار والخبايا وتحتك فيه فواجع وكوابيس العابرين وأحلام ونوايا المهمشين.
وسط ظلام دامس يعم الفضاء اللعب من كل جوانبه إلا من خيط ضوء باهت وخافت، تلتقي فيها ست شخصيات. خمس نساء ورجل. لاتربطهم أية علاقات سابقة. فقط حتمية عبور الفضاء المهجور، منحهم لحظة التعرف والكشف عن هويات منتمية لفئات اجتماعية هامشية ومتوسطة إن لم نقل كائنات أيلة للتلاشي، تجرمعها أثقالها واحزانها، أعطابها وانكساراتها والنزر من أحلامها في مجتمع قذف بها نحو أغوار الجحيم اليومي. 
 في هذا السياق، تأخذ الشخصيات موقعها الفعلي والحركي في مجريات اللعب وفي صلب سلطة المبادلة، نكتشف أن هذه الهياكل الأدمية، تنتمي لفئات هامشية، معطوبة نفسيا واجتماعيا واقتصاديا. فهي تبحث فقط عن لقمة عيش تسد رمقها اليومي في انتظار حافلة تطوح بهم في اتجاه مناطق الكدح وأزقة الاستغلال.
بدت لي أن هذه الشخصيات، اعتادت كل يوم أن تقف في نفس المحطة وفي نفس التوقيت. لاجديد يقع تحت جنح الظلام ولا جديد يحدث مع انبلاج خيوط الصباح. الكل ينتظر وصول الحافلة في اتجاه أماكن العمل، عفوا، في اتجاه أسواق الاستغلال.
لكن هذه المرة، ستحدث صقعة وجدوية غيرت مجرى حياة شخوص المحطة، فجرت بركان دواخلها ودفعها لمجابهة فعل القهرواليأس. ففضاء الاشتباك العمومي، منحها التفكير في أوضاعها والانتباه، كونها كائنات إنسانية لاعبيدا خاضعة. ربما، شرعت في استعادة وعييها والتحررمن قيود الذات وأغلال الاخر. هكذا عشت خلال تلق العرض المصور، تصريح الشخصيات بمسارهويتها بقصدية تتبع تاريخها المنسي والهامشي. شخصيات، تقيم على ضفاف الانتظار وعتمة مطرقة الهروب وسندان التيه. من شخصية فاطمة الخادمة في البيوت، شاخت من شدة الاستغلال، تقوس ظهرها، نتيجة نظام السخرة بالمنازل. شخصية منيرة، التي نذرت حياتها في تتبع والتقاط المتلاشيات البلاستيكية من القمامات والمزابل وإعادة تجميل رائحتها النتنة وبيعها للمتلاشين. شخصية أميمة، تشتغل كاتبة مؤقتة بمكتب محامي، تحلم في يوم ما أن تلتحق بالقضاء الواقف، لتقف وتدافع بجرأة على حقوق المستضعفين. شخصية صابرين، أستاذة إنجليزية مؤقتة بدون وضعية قانونية تضمن حقوقها المادية والمعنوية. مجرد فائض، يسد بها خصاص العطب التعليمي وترمز للطبقة الوسطى المتعلمة والتي اندحرت والتحقت بطبقة الفقراء. أما شخصية لبنى العاملة في معمل الخياطة، فهي تقع تحت رحمة استغلال عنف مزدوج، عنف ظروف العمل الحقيرة واللإنسانية وظروف حياة إسرة تساوم الجزء من أجرتها مقابل مزاولتها العمل. حلمها الوجودي، العثور على رجل وتوديع العبودية المزدوجة والاحتماء بزواج ذي بعد عبودي واحد وأوحد. أخيرا شخصية أسامة، المطلق، العامل، الموزع بين ثقل تأدية نفقات أبنائه وشبح توقيفه من قيل أعوان الشرطة.
 صحبة هذه الشخصيات المشائية والجوالة، المنكسرة والهائجة، معها ستجعل من فضاء اللعب، سينوغرافيا متحركة ودالة وستحول جل معالمه. لم يعد ملجأ للهجرة والهروب والانتظار، بل تحول فضاء المحطة، لحلبة صراع نفسي، يروي محكيات جريحة من صميم المعيش، تتقاطع في ملامحه ووجوده وامتداداته، مبادلات قوية بين الشخصيات، تصارع الزمن الرتيب وتواجه عتمة الظلام للخروج نحو بصيص من النور. بدت لي تلك الوجوه، كأنها كانت في رحلات مضنية وقاسية، تجر خلفها إرثا من الرشوم والندوب. أشبه بمجموعة غجر، آتون من كل فج عميق، تركوا ورائهم حوائجهم اليتيمة. لم يخلفوا أي شيء لأنهم لا يملكون أصلا أي شيء. يتامى يجوبون الساحات، جيئة وذهابا. مشيا وركوضا، يتحركون فرادي ومجتمعين في مناطق ضوئية متباينة كأنها أقفاص مسيجة، مشكلين بذلك لوحات كوريغرافية، بصرية منظمة بتلوينات مختلفة.
 فقوة عرض الهاربات في قوة وحرفية الأداء التعبيري والجسدي للممثلين. هذا يدل على أنهم اشتغلوا بدقة والتزام وتدريب محكم ويتملكون موهبة احترافية عالية، مكنتهم من تحويل النص إلى منظومة حركية متناسقة وبايقاعات مضبوطة. وهذا ماترتكز عليه المبدعة وفاء الطبوبي في إنجاز مشاريع أعمالها المسرحية حيث تؤكد " أختار الممثلين حسب مدى قدرتهم على الالتزام والتفرغ للمشروع، فالعمل يتطلب ستة ساعات يوميا ومن خمسة إلى ستة أشهرتدريب. كذلك يجب أن يكون للممثل ذو مؤهلات جسدية عالية وهذا غاليا ما لا يتوفر لدى الممثل العربي الذي يرتكز على قدسية النص اللفظي وليس الحركي".
2- لوحة الهروب من الإطار
أكثر ماشدني في المنجز الفني موضوع الهروب الذي احالني على لوحة الرسام الإسباني بيرديل بوريل والموقعة باسم "الهروب من الإطار”. تدل اللوحة على شاب فقير يغادر إطار اللوحة وهوفي حالة اندهاش وفزع وترقب. صمم الفتى، الهروب من وضع كبل وجوده وقيد حريته وقرر الخروج نحو أمكنة وفضاءات، تستوعب حريته وتسمح له بالتمرد ضد كل أشكال الضبط الاجتماعي وجل أنماط الهيمنة والخضوع.
كذلك عرض الهاربات، قدم لوحة تشكيلية، تعبيرية كوريغرافية بالجسد والرقص والركض والمشي في جميع الاتجاهات. بالنسبة لي شكلت هذه اللوحة هجرة جماعية للثورة على كل الإطارات الصنمية التي رسختها القوانين والأعراف الخرساء وزكتها السلطة، لتجعل من المواطنين رعايا ومن الحقوق هبات وعطايا ومن مؤسسة السلطة آلة وصية ومهيمنة علي كل مفاصل المجتمع وفئاته الاجتماعية.ويبقى في الأخير،طرح هذه المقاربة الفكرية والفنية التي وضعت المرأة في موقع دال في سلطة العرض المسرحي.عنوان المنجز الفني بصيغة الجمع المؤنث وحضور مركزي للشخصية المؤنثة الفاعلة في مسارات الحكي والمحكي (خمسة نساء) في حين اختارت رجلا واحدا هو بدوره خاضع للظغط والقهر.هذا دفعني لطرح استفهامين حول الطرح الفكري والفني لعرض الهاربات:
-هل المحطة مقتصرة فقط على جمهرة من النساء وحضور رجل واحد مجرد مصادفة أم مبرر ؟
- هل مبدعة العرض، أرادت أن تذكونا بأن موقع النساء في مجتمعاتنا ومؤسساتنا تهيمن عليها الثقافة الأبوية والسلطة الذكورية، المؤسسة على السيطرة وأرادت بذلك منح النساء مساحات شاسعة للكلام والفعل؟
في نظري، لم يفصح عرض الهاربات عن خطاب دوني أو تمييزي أو إقصائي اتجاه للرجل، مادام هو نفسه معرض للعنف والتهميش، بل جنح العرض لطرح ونقد كل القوالب التي حنطت المرأة وجردتها من إنسانيتها وحقوقها. هنا تحضر الكتابة والركح المسرحي باعتبارهما خطابين ثقافيين وفنيين، للجهر بالتحرر والانعتاق من الرقابة والتسلط والاغتراب والقطع مع فكر الوصاية والحجر والتسيد.
فالمرأة والرجل سيان في أفران التهميش ودقاق الرماد دون تمييز"فالتمييز النوعي الجنسي بين الذكر والأنثى هو تمييز تركيبي مؤسساتي ثقافي وليس خاصية بيولجية طبيعية."
مراجع معتمدة:
وفاء طبوبي، نص مسرحية الهاربات (مرقون).
محمد سييف (وآخرون)، الإخراج المسرحي العربي المعاصر: مسارات وتجارب، دار الفنون والآداب، البصرة –العراق،2022.
هشام بلهاشمي، الكتابة المسرحية العربية وأسئلة مابعد الكولونيالية، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة - سلسلة رقم 38- طنجة، 2016.
 * الورقة  النقدية التطبيقية لمسرحية "الهاربات" من (تونس) إخراج (وفاء الطبوبي)  ،ضمن الدورة 16 للمهرجان المسرح العربي الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح بالقاهرة – مصر- ما ين 10 و 16 يناير 2026 .
كاتب وناقد مسرحي مغربي
 
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون