العرض التونسي"روضة العشاق" في المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي "32".
2025 ,08 أيلول
فرادة المقترح جماليا ونصيا ودهشة الاداء.
لطفي العربي السنوسي:صوت العرب – القاهرة.
بالمسرح الفلكي المحاذي للجامعة الامريكية بوسط القاهرة وفي اطار الدورة الثانية والثلاثين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي تم امس السبت تقديم العرض الاول لمسرحية "روضة العشاق" نص واخراج معز العاشوري انتاج "شركة بروفا للإنتاج" تونس.. وقد حضر العرض جمهور غفير من المسرحيين والنقاد العرب والاجانب.. مع حضور لافت للباحث والبروفيسور باتريس بافيس Patrice Pavis..
هنا قراءة سريعة من باب التحية لفريق العمل خاصة وأنه لاقى ترحابا كبيرا من طرف الجمهور والمسرحيين والنقاد وقد أشادوا بالمسرحية وفرادة مقترحها الجمالي والنصي الذي اقتحم عالم المتصوفة من الابواب الصعبة..
تبدأ الرحلة في روضة العشاق من النقطة.. والنقطة لدى المتصوفة عين الوجود.. ورمز الوحدة في قلب الكثرة.. النقطة هي سر الأسرار.. و هي الفاصل بين الوجود والعدم.. وبين الغموض والوضوح.. وهي مدار جميع دوائر الكون كما تحدث عنها ابن عربي.. يصرخ المريدون من اين نبدأ...؟ فيأتيهم صوت الشيخ الجليل "الرحلة تبدأ من حيث انتم".. في اشارة الى النقطة عين القلب فهي سر الكون الذي لا يدرك بالعقل بل عبر تجربة روحية شاقة على طريق الله.. حيث سدرة المنتهى..
نحن امام عمل تجريبي حقيقي يخوض طقسا صعبا من خلال مغامرة اخراجية ونصية شاقة تطرق ابوابا عليها اقفال ثقيلة.. أبواب المتصوفة ومناخاتهم.. ولا يدركها غير الراسخين العارفين بمتونهم نصوصا وفصوصا.. ويبدو ان المؤلف، وهو المخرج هنا معز العاشوري، قد اشتغل طويلا، وعلى مراجع شتى، للوصول الى هذا المنتهى الذي قدمه امام جمهور التجريبي بعد تجوال عميق داخل نصوص مرجعية على غرار رسائل ابن عربي.. والمثنوي و ديوان العشق الإلهي لجلال الدين الرومي.. وطواسين الحلاج وسيرة البسطامي وغيرها من المراجع التي لم نمسك بعناوينها كلها بسب اختلافها وتعددها.. فالأمر لم يكن هينا في الواقع باعتبار حجم المدونة الصوفية وصعوبة التعاطي معها على المسرح خاصة..
يسترجع المؤلف المتن والطقس الصوفي بكل علاماته.. وذلك بتدشين اول وهو نقطة البدء حيث "المريد الصادق" مع الجماعة بصدد ترديد تسبيحات شفيفة.. هي كالتمرين في مناخات المتصوفة وطقوسهم.. بل هي مناجاة للذات الإلهية.. يبحث السالك من خلالها على نجاته والنجاة لن تكون فردية هنا بل مع الجماعة وتوحدهم..النقطة "رمز الوحدة في قلب الكثرة"....
تبدا الرحلة بإسقاط الوجه الظاهر وارتداء الوجه او القناع المقدس.. وهو أبيض شفاف عنوان صفاء وابداع.. وهنا نجد انفسنا امام تبئير متعمد او هو اشارة ذكية من المؤلف/المخرج يقولها بصوت خافت.. وعبر علامة لا تكاد ترى.. فالقناع المقدس هنا هو في الاصل قناع مسرحي يلبسه المتصوفة على انه الوجه الحقيقي.. وما الوجه الاصلي الا وجها مزيفا.. وبالتالي نحن امام قول شفيف مفاده ان المسرح أيضا طقس روحي.. وخلوة ومناجاة.. ورحلة طويلة وشاقة من اجل الوصول الى المنتهى.. والمنتهى ابداع حقيقي يعيد خلق الاشياء والمعاني...."
اشتغل المؤلف/المخرج على الايقاع وعلى شاعرية المقول.. فنحن هنا امام اناشيد الانشاد شعرا ونثرا عميقا يسري مع الماء.. ومع الاجساد.. الجملة موقعة.. والجسد موقع.. والشطحات موقعة.. وثمة موسيقى تجمع كل العناصر وتؤلفها في تناغم سحري عجيب مع تكثيف هادئ للصوت والصورة.. نحن هنا لسنا امام نصوص تقرأ.. ولسنا امام ممثل بصدد تأدية النص.. بل نحن هنا امام نص وقد تحول الى صورة نراها ونسمعها.. مشهد بصري يعجن العناصر ويصنع منها كيمياء اختلط فيها الجسد بالنص بالصوت بالماء والهواء.. وبنبرات قاسية وشفيفة وفصيحة.. تخرج من جسد المريد لكأنها موسيقى عشق وذوبان.. بل هي كذلك بالفعل.. ففي حركة تكاد تكون سحرا نرى كيف تتحرر الروح من جسدها بالفعل في اداء عجيب للممثل قصي العربي السنوسي الذي أدى دور المريد الصادق.. حيث نشاهده في حركة نادرة وهو يرتفع من على الارض قليلا.. ويهجرها.. بل يفارقها كما تفارق الروح جسدها.. هنا يستعرض الممثل الحديث امكانياته بالتحرر فعليا من جسده.. اضافة الى امكانياته الادائية بحيث لا يفترق الصوت عن الجسد مطلقا.. فهما الحركة.. وهما الصورة.. وهما النشيد الذي يصنع شعرية الجسد..
يذهب النص بعد ذلك وبعد تجوال في تمارين المتصوفة لاختبار الثنائيات ان صح الاستعمال... فبعد توسع دائرة الجماعة وقد ذاع سيطها بين الناس الى ان وصل الى اجهزة أمن الدولة واستخباراتها التي اتهمت الجماعة بالتآمر على أمن الدولة والتهيؤ للانقلاب عليها.. هنا يدفع المؤلف بالشيخ ومريديه الى المواجهة مع اجهزة الامن.. وهذا كما اشرنا اختبار للثنائيات... العنف والتوتر والخوف والهشاشة.. وهي عناوين الدولة المستبدة التي تحاسب الناس على النوايا في مواجهة الحكمة والصبر واللين والهدوء والمحبة.. وهي عناوين الجماعة المتصوفة وشيخهم المريد الصادق... ويذهب المؤلف/المخرج هنا الى اقصى مظاهرالتنكيل بالمريدين وشيخهم ولا يخفي تعاطفه معهم مقابل ادانته لكل اشكال الضيم والعنف الذي تحتكره الدولة مطلقا... 
لقد اكتظت روضة العشاق بالعلامات التي تؤكد بأن مؤلف العرض قد توغل عميقا في عوالم المتصوفة نصوصهم وفصوصهم وطقوسهم.. وقد اختار اللعب على الثنائيات انطلاقا من النقطة كما اشرنا الى ذلك دون ان يغادرها.. حيث كانت المراوحة نصيا وبصريا بين الظاهر والباطن.. بين المكشوف والمخفي.. بين الهدوء والتوتر.. بين الظلمة والنور.. بين الابيض والاسود.. الى غير ذلك من العناصر البصرية وقد اجتمعت كلها من حول النقطة عين الوجود ورمز الوحدة في قلب الكثرة كما يقول شيوخ التصوف...
بقي في الاخير الاشارة الى اداء الممثلين وقد توقفنا عند اداء قصي العربي السنوسي الذي أدى دور المريد الصادق حيث كان متصوفا حقيقيا لكأنه خارج لتوه من محراب او من دائرة.. او من نقطة.. وقد كان حاضرا بقوة في مستوى ادائه المشهدي بمرونة جسدية تصوغ الدلالة في فضاء الصمت قبل أن تولد الكلمة.. اضافة الى الحضور الذكي للفنانة نادرة التومي وقد ادت دور المحامية بحرفية عالية وبذكاء وخاصة في لحظة التحول الكبرى.. تلك التي مررت لنا من خلالها التحامها حسيا بالمريد الصادق.. لم تقل شيئا لكنها اعترفت بهذا التحول بصريا وبنفس لغة الاداء التي تعجن الصوت بالحركة بالجسد لتصنع في الاخير هذه الكيمياء التي ميزت اداء كل الممثلين مع فارق في اداء الممثل عبد السلام الجمل الذي ادى دور الضابط حيث تعمد المخرج/المؤلف عزل ادائه المبني على العنف مع ابتذال الحركة حتى تعبر بعمق عن ثقافة الدولة البوليسية الحاقدة... بقية الممثلين من المريدين كانوا في الواقع على تناغم تام.. بل تماه تام مع الكيمياء التي اشرنا اليها.. وهي عجينة من صوت وحركة وجسد.. وكان اداؤهم مشهديا شيقا... فشكرا لمؤلف العرض الفنان معز العاشوري على هذا المقترح وهو ينتمي في الاخير لحداثة المسرح التونسي.
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون