دعاء مأمون :صوت العرب- الأردن.
في عالم غنائي تتلاشى فيه الأصوات المتفرّدة وسط ضجيج التكرار، يبرز طارق أبو كويك، المعروف بلقبه الفني "الفرعي"، كحالة فنية يصعب تصنيفها في قالب واحد. هو ليس مغنيًا فقط، بل صوتًا صادحًا بكل ما لا يُقال، راويًا للحكايات التي تتوارى خلف الزحام، وناقلًا لمشاعر المدن العربية التي تتنفس بالحنين، بالألم، وبأسئلة الإنسان المعاصر.
ولد طارق في عمّان لعائلة فلسطينية الأصل، وامتزجت هويته بين الشوارع الأردنية وذاكرة الضفة الغربية، لكنه لم يسمح لهذه الهوية المركبة أن تظل مجرد عبء سياسي أو وجداني، بل جعل منها مشروعًا فنيًا متكاملًا، ينحت في تفاصيله ما يعبّر عن جيل بأكمله. بدأ مشواره عازف درامز مع فرق مثل "زنوبيا" و"الترابي"، قبل أن يؤسس مشروعه الخاص “الفرعي” الذي سرعان ما أصبح اسمه الأول في الساحة المستقلة العربية.
ما يميّز "الفرعي" أنه لا يركن إلى النوع الغنائي التقليدي. فهو لا يغني الحب بالمعنى الساذج، ولا يروي الحنين بوصفه نحيبًا. موسيقاه هجينة، متأثرة بالهيب هوب والراب والروك والموسيقى العربية التراثية، لكنها تتجاوز التأثر إلى إنتاج لغة فنية جديدة، خاصة به، تجعل المستمع العربي يشعر أن ما يُقال قد كُتب لأجله تحديدًا.
تدور معظم أعماله حول تحوّلات الإنسان في مدنه، حول الحبّ كملاذ هشّ، حول الفقد، الوحدة، الهجرة، الصراع الداخلي، والانكسارات اليومية. لا يتعامل مع الكلمة كمجرد وسيلة للغناء، بل ككائن حيّ نابض. لذا فإن أغنياته تتضمن سردًا شعريًا دقيقًا، وتكثيفًا لغويًا يضرب في العمق. من "تحت الأرض" إلى "مدينتي الحديثة"، من "خيال" إلى "قلب تاني"، تأخذنا أغنياته في رحلة بين المساحات الرمادية، حيث لا الأبيض نقيّ ولا الأسود معتم تمامًا.
أصدر طارق ألبومات عدة، من بينها "ما له معنى" (2012) الذي مثّل تحولًا حاسمًا في تجربته، تبعه بـ "إلهي" و"الفرعي يغني سيد درويش" حيث أعاد قراءة التراث برؤية معاصرة، فَسَكَنَ التراث في جسد جديد، دون أن يفقد ملامحه. ثم جاء ألبوم "الجيل الجديد" (2022)، الذي مثّل نقلة فنية ونضوجًا موضوعيًا، متحررًا من الشعارات ومفتونًا بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة.
في هذا الألبوم، بدا الفرعي أقل خطابة، وأكثر التصاقًا بالحب، بالعلاقات المتعبة، بالخسارات اليومية التي تمرّ دون أن تُبكي أحدًا. كانت الموسيقى فيه أكثر نضجًا، والألحان أكثر اتساقًا مع مزاج النص. لقد غادر الفرعي مربّع الاحتجاج، إلى حيث يتم التعبير بعمق أكبر عن الذات، عن "نحن" التي لم تعد قادرة على رفع الشعارات، بل فقط على النجاة يومًا بيوم.
في مشاركته الأخيرة ضمن مهرجان جرش للثقافة والفنون 2025، وقف طارق أبو كويك أمام جمهورٍ متنوّع، ليقدم توليفة من أغانيه التي لم تكن مجرد عرض موسيقي، بل كانت رحلة حميمة في دواخل كل منّا. قدم في الحفل أغنيات:ضلك ملاك،تحت الأرض،في العتمة،وخيال،ومدينة حديثة،ومرتاحه،مدينة الملاهي،ما يهون،ليكون،تغيّرتِ،القلب التاني،صاحب الراعي"
كل أغنية حملت في طيّاتها سردًا بصوتٍ خافت وصوتٍ جهوري في آنٍ معًا. من "تغيّرتِ" التي تنبش العلاقات المتقلبة، إلى "مدينة الملاهي" حيث تتحول المدينة إلى مرآة عبثية للواقع، كان صوته هشًا وقويًا، كما لو أن العالم يُعاد تركيبه نغمةً نغمة.
الفرعي ليس فنان مهرجانات جماهيرية فقط، بل هو فنان غرف صغيرة، وسماعات شخصية، وسهرات طويلة مع النفس. هو مؤلف مساحات لا تسعى لرفع المعنويات، بل لتفسير هشاشتنا، وربما لاحتضانها.
الواقعية التي يقدمها في أعماله ليست ادعاءً أو تزييفًا. إنّه يتعامل مع الحياة كما هي، دون تلميع، لكنه يمرّر من خلالها ما يجعل القبح أجمل، والانكسار عزّة، والخذلان لحظة تأمل. ليس مستغربًا أن يكون له جمهور متعلّق لا فقط بالموسيقى، بل بشخصه، بمواقفه، بلغته، وبصموده كفنان مستقل لا يسعى للترند، بل للصدق.
في زمن تُختطف فيه الساحة الفنية إما من قبل الاستعراض أو من قبل الخطابة، يقدّم طارق أبو كويك نموذجًا ثالثًا: فنانًا حقيقيًا، من لحم المدينة وصوت الحبّ، وحبر الانكسار.