عزيز مرقة في جرش : أمسية موسيقية تجمع بين الأصالة والحداثة.
2025 ,30 تموز
دعاء مامون:صوت العرب - جرش.
مساء فني لا يُنسى شهده المسرح الشمالي في اليوم السابع من مهرجان جرش للثقافة والفنون بدورته التاسعة والثلاثين، حيث خطا الفنان الأردني عزيز مرقة خطواته الأولى على هذا المسرح التاريخي، ليكتب فصلًا جديدًا في علاقته مع جمهوره، ويفتح أبوابًا جديدة للموسيقى البديلة على أرض عريقة لطالما احتفت بالإبداع.
للمرة الأولى، يغني مرقة على خشبة جرش، ورغم أنها المشاركة الأولى له في المهرجان، إلا أن الحضور الطاغي والتفاعل العارم جعلا من الحفل وكأنه لقاءٌ طال انتظاره بين فنان وجمهوره، وليس مجرد عرض عابر.
افتتح مرقة الحفل بأغنيته الشهيرة "يا بي"، التي حملت بصوته المميّز وفرادته في الأداء تلك اللمسة الشخصية التي تشتهر بها أعماله. ما إن انطلقت أولى النغمات، حتى كانت القلوب مهيّأة للاستقبال، والأيادي ترتفع تلقائيًا للغناء، وكأن هناك اتفاقًا مسبقًا غير منطوق بين الفنان والجمهور.
تلتها مباشرة الأغنية الثانية "هي"، التي تعكس الشق العاطفي في تجربة مرقة، ليغوص بعدها مع الجمهور في مزاج متقلب بين الألم والأمل مع الأغنية الثالثة "بين الشوك وبين الورد". ثم جاء الدور على "مين قلك"، التي زادت التفاعل حرارة، حيث صدحت بها آلاف الحناجر في انسجام تام.
ومع الأغنية الخامسة "موالي"، بدأ عزيز يستعرض بشكل أعمق قدرته على خلق توازن دقيق بين البساطة اللحنية والتعقيد العاطفي، قبل أن يُدخل الجمهور في موجة من التفاعل الوجداني مع أغنيته "أحلى وحدة"، التي رسمت ملامح الابتسامة على وجوه الحاضرين.
"بنت قوية"، الأغنية السادسة، جاءت لتكسر الحالة الرومانسية وتنقل السهرة إلى موجة من التمكين والإيقاع الشبابي الجريء، لتتبعها الأغنية السابعة "يا بنت الناس" التي رافقها تصفيق إيقاعي مستمر، دلالة على أن الكلمات قد لامست جرحًا أو ذكرى أو حبًا قديمًا لدى الحضور.
ثم قدّم مرقة الأغنية الثامنة "ما في منك"، التي حافظت على النسق التصاعدي في الحفل، لتثبت مرة أخرى أن تنقّلاته بين أنماط الموسيقى ليست مجرد حيل موسيقية، بل جزء أصيل من رؤيته الفنية.
لكنّ اللحظة المفصلية في الحفل جاءت حين نزل مرقة من على المسرح وجلس بين الجمهور، في مشهد صادق وغير متكلف، غنّى معهم، تبادل الضحكات، شاركهم الصور، جلس بينهم دون حواجز، فذابت المسافة تمامًا بين الفنان والحضور، وتحول الحفل إلى جلسة وجدانية مشتركة، جمعت بين نجمهم المفضل وأغانيهم التي ترافقهم في يومياتهم.
هذا التفاعل لا يأتي من فراغ؛ فعزيز مرقة، الذي انطلقت مسيرته عام 2006، لم يكن مجرد مطرب يؤدي أغانيه، بل كان ولا يزال مشروعًا فنيًا متكاملًا. فقد ساهم منذ بداياته في تشكيل ملامح الموجة البديلة في الموسيقى العربية، عبر مزج الجاز والبوب والإلكترونيك بالصوت العربي، بأسلوب خاص وواقعي، يخاطب وجدان الشباب وتناقضاتهم، ويضع مشاعرهم في قالب فني صادق.
لقد عُرف مرقة بصوته الصداح، لكن الأهم أنه عُرف بـ"مشروعه"، فهو لا يقدم أغاني منفصلة، بل يقدم "فكرًا موسيقيًا" يشبه جيله، يلامس قضاياه العاطفية والاجتماعية والوجودية، ويقدّمه بإنتاج مستقل، وروح فنية لا تعرف التبعية.
مشاركته في مهرجان جرش كانت استثنائية من نواحٍ عدة: ليس فقط لأنها الأولى، ولكن لأنها عبّرت بصدق عن اندماج الجمهور مع فنان لا يرى نفسه نجمًا منفصلًا، بل جزءًا حيًا من نبض الشارع، ومن حياة كل من استمع له.
وفي ختام الأمسية، بدا أن المسرح الشمالي قد شهد لحظة موسيقية نادرة، لم تعتمد على مؤثرات ضخمة ولا استعراض مبالغ فيه، بل اعتمدت على الصدق، والبساطة، والعمق... ثلاثية لا يمكن لأي فنان أن يحقّقها ما لم يكن مؤمنًا بما يقدّم.
وإن كانت هذه أولى مشاركات عزيز مرقة في مهرجان جرش، فإن الأكيد أنها لن تكون الأخيرة، فصوته الصداح، ووعيه  الفني بهذه الأصالة، وجمهور بهذا الوفاء، كفيلون برسم ملامح لمستقبل موسيقي يستحقه جرش ويستحقه عزيز.
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون