د. أمــل الجمل : صوت العرب - كارلوفي فاري.
رغم التوقعات بافتتاح استثنائي، لكن الواقع جاء أفضل من الخيال. ليلة ساحرة قضيناها مع افتتاح الدورة الستون/ الثمانيني لمهرجان كارلوفي فاري السينمائى الدولي الممتد بين ٣-١١ يوليو ٢٠٢٦. وإن سبق الحفل وصول النجوم على السجادة الحمراء، التي شكّلت بدورها العنصر البصري الرئيسي لمهرجان هذا العام.
الجانب الساحر والأسطوري في هذه الليلة المتفردة لم يتحقق فقط بوجود الأسطورة داستين هوفمان خفيف الظل بروحه التي تشع بهجة وصدقا أثناء وجوده على خشبة المسرح الكبير بفندق ثيرمال، وليس فقط بحضور النجمة ماجي جيلينهال وكلماتها الدافئة، ولكن أيضاً بفضل العرض الافتتاحي لتلك الدورة الذي اْستهل بأداء استعراضي لأغنية «عيد ميلاد سعيد». وبمرافقة فرقة موسيقية حية، قدّم أوندري هافيلكا، وأوسكار هيس، وباربورا بولاكوفا، ويان سينا، ودان بارتا، ومجموعة من الممثلين والموسيقيين الآخرين، نسخًا مُعاد توزيعها حديثًا لأغانٍ شهيرة لها مكانتها خصوصاً في قلوب الجمهور التشيكي الذي تجاوب معها بوضوح.

توازى مع ذلك الاستعراض الغنائى لحظات بصرية أرشيفية تحكي بعضاً من تاريخ المهرجان كاشفة لقوة مسيرته منذ تأسيسه عام 1946 مروراً بأبرز المحطات والسنوات وصولاً ليومنا هذا. قدّم الحفل الإعلامي الفنان ماريك إيبن الذي تميز أيضاً بخفة ظله خصوصاً عند حديثه عن تنظيم الدورة والتفكير في المدعوين، كيف أن كل مناسبة عادة ما يفكر الناس في المدعوين، والمأزق يبدأ من فكرة أن هناك ناس نرغب في دعوتهم، وهناك إناس آخرين لا نريد دعوتهم لكن وجودهم ضروري ومهم، فكيف نحافظ على هذه التوازنات، مثلما أكد على أن الاحتفال في المهرجان يكون بالناس وللناس التي تحرص على حضور المهرجان وتواصل علاقتها به، ثم قدم الفيلم الترويجي القصير الجديد للمهرجان، وهو ملمح تقليدي راسخ ومميز جداً للمهرجان، ولا ينافسه فيه أي مهرجان آخر في العالم، الفيلم الخاص بهذه الدورة من إخراج إيفان زاخارياس وبطولة شتيلان سكارسجارد. وهو يذاع حالياً باللغة السويدية على منصة المهرجان: KVIFF.TV.

شكر الرعاة هى تيمة رئيسية بالمهرجان، لها إيقاع متوازن جداً، غير مبالغ فيها. والحقيقة أن هؤلاء الرعاة جميعاً يستحقون الشكر مراراً وتكراراً لدعمهم لهذا الكيان الذي بدوره يدعم صناع الفن السابع ليس فقط في التشيك ولكن في كثير من الدول الأوروبية على الأخص، وبعض دول العالم. تلى ذلك تقديم أقسام البرنامج ولجان التحكيم في المسابقتين «الكرة الكريستال» وبروكسيما»، ثم تم الترحيب بالضيوف النجوم المرموقين لهذا العام، بمن فيهم هارفي كيتل وجيسي آيزنبرغ.
وتم منح جائزة رئيس المهرجان للممثلة والكاتبة والمخرجة والمنتجة الأمريكية ماغي جيلينهال، الحائزة سابقًا على جائزة كريستال غلوب عن أدائها المتميز في فيلم "شيري بيبي". وتذكرت الفنانة المولودة في نيويورك قائلة: "مع أنني لم أتمكن من استلام تلك الجائزة الرائعة عن فيلم "شيري بيبي"، إلا أن هذه هي زيارتي الثانية لكارلوفي فاري، فقد كنت هنا عندما كنت في التاسعة عشرة من عمري. قضيت فصلًا دراسيًا في براغ، وسافرنا بالحافلة إلى كارلوفي فاري. تناولنا رقائق الويفر وتذوقنا المياه اليانبيع الحارة التي تشتهر بها كارلوفي فاري.
واستفاضت في البوح مؤكدة أن رغبتها في العمل خلف الكاميرا بدأت تتشكل خلال فترة إقامتها في براغ: "كنتُ أحيانًا أحضر ندوةً تتضمن قسمًا عن الأفلام، وعندما شاهدتُ فيلم "أهواء شقراء" هناك، شعرتُ وكأن شيئًا ما قد انكسر بداخلي. همس لي صوتٌ داخلي: "هذه أنا. هذا ما أحبه". كان هذا جزءًا مما دفعني لأصبح مخرجة - لأُعبّر عن رؤيتي الخاصة للعالم، مهما كانت غريبةً أو مليئةً بالتحديات."
واختتمت جيلينهال - التي تُقدّم فيلمها الروائي الثاني كمخرجة، ”العروس!"في دورة هذا العام من مهرجان هذا العام - حديثها باستعادة ذكرى أخرى من براغ. "وجدتُ مسرحًا يُدعى "نا زابرادلي" وشاهدتُ نسخةً تجريبيةً من فيلم "النورس" ما زلتُ أتذكرها. وفي الليلة الماضية، أخبروني أن جيري بارتوشكا قد شارك في هذا العمل. أشكركم على هذا الإلهام - وعلى هذه الجائزة الرائعة“.
داستين هوفمان العظيم
وكان ختامها مسك، بتقديم جائزة الكرة الكريستال للإسهام الفني المتميز في السينما العالمية إلى الممثل الأمريكي الأسطوري داستن هوفمان - الفائز بجائزة الأوسكار مرتين - حيث استُقبل بتصفيق حارٍّ طويلٍ في القاعة الكبرى. والذي مازح الجمهور ببعض الإيماءات، كأنه يشجعه على مزيد من التصفيق، ثم ذهب لأحد الكراسي وجلس مطالباً الجمهور - فقط بحركة من يديه - أن يعلو بالتصفيق، وحين تعالى صوت وقوة التصفيق ضحك ممازحاً وشكر الجمهور بتواضع مصحوب بابتسامة ساحرة قائلا:
«يشرفني ويُشعرني هذا التكريم بالتواضع. أتذكر أنه قبل عقود، عندما عملتُ مع الممثل الشاب روبرت ريدفورد، قال لي: «أنت لا تُفكّر أبدًا في مجمل أعمالك لأنك مشغول ببناء هذا الجسد». وهذا صحيح. لقد وقعتُ في غرام التمثيل لأول مرة لأنه كان أول شعور لي بالانصهار في الزمن، بأنني أٌفقد وأضيع في الزمن، أنسى نفسي. كان التمثيل يُشعرني بالحياة. وإذا كنتَم محظوظين جدًا - مخاطباً الجمهور - فستُصبحون يومًا ما رجالًا مُسنين مثلي - فأنا سأبلغ 89 عامًا خلال أيام - فحينما أجد جهد حياتي وعملي مُعروضًا على الشاشة يُحدّق بي. هذا يُثير فيّ مشاعر جياشة وحنينًا جارفًا، والأهم من ذلك كله، امتنانًا عميقًا لأنني حظيتُ بفرصة في أن أمارس ما أُحب لمدة عقود.»
شكر هوفمان لجهود لمهرجان
ثم اختتم كلمته وودع الجمهور بإضاءة قوية تصب في تكريم جهود المهرجان التشيكي العريق قائلاً: «أودّ أن أشكر مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي على دعمه لمن يمتلك الشغف بصناعة الأفلام، فمهرجانات كهذا المهرجان تُسهم في دعم وإلهام جميع الممثلين وصنّاع الأفلام الشباب، وهذا ما يمنحه قيمته الحقيقية. شكرًا لكم على هذا التكريم، والأهم من ذلك، شكرًا لكم على اهتمامكم بهذا الفنّ معي».
ثم في أعقاب الحفل - وبعد استراحة قليلة تم تناول فيها المشروبات والمقبلات لتجديد النشاط - تم عرض فيلم الافتتاح "المباراة" في سينما ثيرمال. واستمرت الاحتفالات خارج الفندق بحفل موسيقي خاص من تنظيم الدي جي والمنتج نوبودي ليسن، مصحوبًا بعرض طائرات بدون طيار من تصميم ألوين حيث تعالى تصفيق الجماهير الحاشدة حتى ما بعد منتصف الليل حيث انطلقت الألعاب النارية احتفالا بتلك الليلة الخلابة التي تأخذ الأنفاس.