د. أمــل الجمل :صوت العرب -كارلوفي فاري.
سويعات قليلة ثم تنطلق فعاليات دورة شديدة الاستثنائية لثاني أقدم مهرجان سينمائي في العالم، وهو إنها دورة متوجة بحضور وألق نجوم من عمالقة الفن السابع في مقدمتهم الممثل الأيقونة، وأسطورة فن الأداء داستين هوفمان الذي سيتوج بالكرة الكريستال عن مساهمته الفنية المتميزة في عالم الفن السابع والتي يتلقاها في حفل إفتتاح الدورة الستون من مهرجان كارلوفي فاري السينمائى الدولي مساء الجمعة ٣ يوليو الجاري، وفي اليوم التالي ٤ يوليو سيعرض له المهرجان في إطار هذا التكريم فيلم «الخريج» انتاج ١٩٦٧ وذلك في «الجراند هول» أكبر قاعة عرض بفندق ثيرمال، حيث سيكون هناك لقاء بالجمهور.
ضربة معلم
ثم يختتم المهرجان عرسه الثقافي السينمائى يوم ١١ يوليو ٢٠٢٦ بتتويج الممثلة الفرنسية جولييت بينوش بجائزة الكرة الكريستالية للمساهمة الفنية المتميزة في السينما العالمية. يُذكر أن جولييت بينوش ستحضر الى فاري منذ يوم ٧ يوليو وسيٌعرض لها ثلاثة أفلام هى: «ثلاثة ألوان أزرق»، «نسخة طبق الأصل»، و«بداخلي، في الحركة»"In-I in Motion“. من دون أن ننسى أنها سبق وحصدت جائزة الأوسكار وجائزة سيزار وأربع جوائز سينمائية أوروبية، كما انتُخبت رئيسةً للأكاديمية الأوروبية للسينما عام ٢٠٢٤ لتصبح ثاني امرأة في التاريخ تشغل هذا المنصب.
الحقيقة أن القدرة على إحضار داستين هوفمان وتكريمه في كارلوفي فاري - إضافة إلي نخبة آخرى من السينمائيين البارزين المكرمين - هو أمر يمكن وصفه بأنه «ضربة معلم». وصدقاً، لو اقتصر الأمر فقط على داستين هوفمان وحده لكان كافيا أن نقول أنها «ضربة معلم»، فما بالنا مع احضار هذه الباقة من النجوم وأساطير الفن السابع ونجوم فن الأداء. إذ أنه بين الإفتتاح والختام هناك تسعة أيام حافلة بمزيد من التكريمات اللافتة ومنها: منح جائزة الكرة الكريستالية للإسهام الفني المتميز في السينما العالمية للمصور السينمائي العالمي الشهير روبرت ريتشاردسون، الحائز على ثلاث جوائز أوسكار وسبعة ترشيحات أخرى. وخلال المهرجان، سيشارك ريتشاردسون المخرجة جانا هوجدوفا في تقديم الفيلم الوثائقي «روبرت ريتشاردسون: الشيطان الأبيض».
وسيحضر إلي جمهور فاري العظيم الممثل جيفري رايت الذي سيتم تكريمه ومنحه جائزة الرئيس لما له من قدرة استثنائية على التنقل بسلاسة بين أفلام هوليوود الضخمة، والأفلام المستقلة المرموقة، والمسلسلات التلفزيونية، وألعاب الفيديو. يذكر أن جيفري رايت سبق وأن رٌشح لجائزة الأوسكار، وحاز على جوائز توني وإيمي وجولدن جلوب، وفاز مؤخرًا بجائزة الأكاديمية البريطانية للألعاب. وتكريمًا لجيفري رايت، سيعرض مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي الستون فيلم «باسكيات» Basquiat.
هافيل وفاشاريوفا
أما فيما يخص التكريمات المحلية البارزة، سيمنح المهرجان جائزة «رئيس المهرجان» للممثلة السلوفاكية ماغدا فاشاريوفا، المعروفة بدورها في فيلم الدراما "ماركيتا لازاروفا" إنتاج عام ١٩٦٧.
كل تلك التكريمات تٌقام بالتوازي مع العروض والمؤتمرات الصحفية والمناقشات، وحفلات الرقص، واللقاءات مع صناع الأفلام، وحشود زاحفة من الجمهور تملأ قاعات العروض تنتظر بشغف اختيارات سينمائية تٌعبر عن همومهم وأحلامهم وشجونهم ومشاكلهم، ينتظرون أيضاً لحظات مبهجة إثر اللقاء بصناع هذه الأفلام ورؤيتهم والتقاط الصور معهم، أو طرح أسئلة عليهم، بينما في الممرات بين أروقة المهرجان يوجد حشود آخرى في انتظار عروض موازية أو متقاطعة، بينما صخب الموسىقي يصدح في جميع أرجاء كارلوفي فاري وبين أروقة المهرجان.
مثلما تمتد لوحات المعارض عبر الطرقات ومنها معرض خاص بالرئيس والكاتب المسرحي الراحل فاتسيلاف هافيل حيث يحتفي المهرجان بذكرى ميلاده التسعين، وذلك عبر معرض فوتوغرافي يوثق حضوره ودوره في دعم المهرجان وترسيخ مكانته الثقافية. إضافة لذلك، هناك معارض فنية تكشف لقطاتها المتنوعة قوة وثقل الحمولة التاريخية والإرث الاستثنائي لأشهر مهرجان - في شرق ووسط أوروبا - والذي يمتد لثمانين عاماً، فهناك معرض صور بعنوان (كارلوفي فاري ٨٠/٦٠ ) حيث يستعرض المهرجان تاريخه العريق من خلال معرض للصور الفوتوغرافية يُركز بشكل خاص على سنواته الأولى الأقل شهرة، وأجواء دوراته التي سبقت عام 1989، ولحظاته المهمة وضيوفه البارزين. ثلاثون لوحة خارجية، موزعة على طول الممر بين اثنين من أبرز مواقع المهرجان - بين الفندق الأشهر والأبرز جراند هوتيل بوب وبين فندق ثيرمال - تأخذ الزوار في رحلة رمزية عبر تاريخ المهرجان الممتد لثمانين عامًا، وتتيح لهم مشاهدة التغيرات التي شهدها خلال هذه السنوات. إنها لقطات نقرأ من خلالها لحظات مشهودة تؤكد للمتلقي أهمية ذلك المهرجان منذ مولده وعبر سنوات عمره التي تبلغ الستين هذا العام.
إذاً، لماذا هذا الفارق بين رقم ستين ورقم ثمانين؟ إن الرقم الأول يعود الى لحظة تأسيس المهرجان في العام ١٩٤٦، أي أن مهرجان كارلوفي فاري ليس فقط من أقدم المهرجانات السينمائية في العالم، لكنه ثاني أقدم مهرجان في تاريخ عالم الفن السابع بعد فينيسيا. ففي عام ١٩٤٦ أُطلقت الدورة الأولى بمبادرة من مجموعة من صناع السينما التشيكيين وذلك بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بهدف تعزيز التبادل الثقافي وعرض الأفلام من مختلف الدول.
من أين تأتي المكانة المرموقة والثقل الدولي؟
صحيح أن مهرجان كان السينمائي صدر قرار بتأسيسه عام ١٩٣٩، لكن سرعان ما تم تأجيله قبل انطلاق دورته الأولي، واستمر التأجيل حتى نهاية ١٩٤٦. حيث سبقه بأشهر قليلة المهرجان التشيكي الذي انطلق من بلدة ماريانسكي لازني، ثم انتقل في عام 1950 بالكامل إلى مدينة كارلسباد الشهيرة بأنها مصحة استشفائية، والمعروفة بتعدد عيونها المائية الحارة التي تتفجر من باطن الأرض بدرجات حرارة متفاوتة، بعضها يصل إلي سبعين درجة مئوية، هذه العيون المائية تتجاوز المائة وتنتشر في مختلف جوانب أرجاء المكان، حيث يتوقف أمامها زوار المدينة الجميلة التي تتميز بطراز معماري تاريخي بألوان خلابة.
لا شك أن المهرجان التشيكي العريق أصبح يتمتع بمكانة مرموقة وثقل دولي يجعله منصة أساسية لعروض السينما العالمية، خاصة تلك القادمة من أوروبا الشرقية والأسواق الناشئة، من دون أن ننسى قدرته على جذب صناع السينما المستقلة من حول العالم. هذه المكانة لا يمكن تبريرها فقط بسبب كونه مُصنف ضمن فئة المهرجانات الكبرى مثل كان وفينسيا وبرلين، فهناك مهرجانات آخرى تحمل ذات التصنيف لكنها لا ترقى أبداً إلى مكانة مهرجان كارلوفي فاري الذي يقوم على تنظيمه جيش من المبدعين وعشاق الفن السابع المعجونين بالشغف. وهو ما يفسر نضجه وتميزه المتوالي، فقد بدأ مسيرته بدون أجواء تنافسية، ثم تطور بقوة وتمكن من الإفلات من العقبات والمعوقات وتاريخه يشهد بذلك، فبعد عامين فقط من نشأته - ومنذ عام 1948 - تحول إلى مهرجان تنافسي، ثم استقر بشكل دائم في مدينة كارلوفي فاري منذ العام 1950. لكنه لم يتوقف عن التطوير الذي طال حجم وشكل جائزته الشهيرة، كذلك امتد التطوير إلي الأقسام، فعلى سبيل المثال تم إلغاء بعض الأقسام والمسابقات كما حدث مع مسابقة الأفلام الوثائقية، حيث ألغيت المسابقة وصار الوثائقي يتنافس مع الروائى في مسابقة واحدة، وهو أمر يشي باحترام الفيلم الوثائقي ووضعه على قدم المساواة مع الروائى. كما تم إلغاء مسابقة »شرق الغرب» وتم استبدالها بمسابقة «بروكسيما» وهى المسابقة الثانية بعد المسابقة الرئيسية.
أما لماذا ستين دورة فقط خلال الثمانين عاماً فالأمر يعود إلي سببين أولهما: بعض الدورات لم تنطلق لسبب أو لآخر منها فترة الإغلاق العالمي بسبب تفشي وباء كوفيد ١٩، والسبب الأساسي تنظيم دورات بالتناوب في حقبة الخمسينيات، حيث كان كارلوفي فاري يقام كل عامين بالتبادل مع موسكو، ثم استعاد المهرجان استقلاليته ليقام سنوياً، وأُنشئت له مؤسسة رسمية مستقلة عام 1993، وكانت العودة للانتظام منذ العام ١٩٩٤، مما ساعده على جذب صناع السينما المستقلة من حول العالم.
جمهور الحجيج في كارلوفي فاري
نعود للحديث عن دليلنا الملموس الكاشف لأهمية ومكانة هذه المهرجان العريق، وهو أمر يتعلق بالجمهور المحلي، فحفل الافتتاح أصبح يحضره الآلاف، يتضح هذا لنا بقوة عندما نحضر إلي المدينة قبل بدء المهرجان بيوم أو اثنين، فمع انطلاق المهرجان تتحول مدينة الاستجمام الهادئة إلي بحر متلاطم الأمواج، طوفان من البشر يتدفقون في حماس وسعادة من كل حدب وصوب، في مشهد أسطوري نرى ذوي الاحتياجات الخاصة يحظون باهتمام خاص ومعاملة تليق بهم، يتواصل الزحف لشباب وشابات، رجال ونساء وأطفال وشيوخ من مختلف بقاع جمهورية التشيك. نذكر أنه في الأعوام الماضية بلغ العدد نحو 50 ألفاً في الافتتاح فقط، بينما بيعت تذاكر بما يزيد عن نحو 150 ألف تذكرة.
إن هذا الإقبال من الجمهور الذي يشبه الفيضان البشري - الذي يغمر جميع الساحات المحيطة بأروقة المهرجان - هو ظهير قوي ومدافع من الطراز الأول يمنح المنظمين الإرادة للاستمرار والتجديد. لكن كيف يحدث هذا؟ كيف ينجح المهرجان في بناء هذا الرصيد الشعبي الذي يحرض المنظمين على الاستمرارية.؟
إن الأمر يتلخص في عدة أمور واضحة، لكن تنفيذها يحتاج الي إيمان، شغف، وحماس لا يتوقف، وذلك حتى يتمكن هذا الفريق المتلاحم - الذي يحمل روح وقلب العائلة - من إنجاز هذا العمل والجهد الاستثنائي. أولا لأن الإدارة تضع نُصب أعينها هدف رئيسي وهو بناء علاقة قوية وجسور متينة مع الجمهور، فالاهتمام لا ينصب فقط علي أهل المهنة من الصحفيين ونقاد السينما، لكنه يشمل الشباب المتحمّسين لمشاهدة سينما مغايرة، فالمهرجان لا يحصر اهتمامه في مدرسة سينمائية واحدة، بل تتميز برمجته بالتنوع والثراء، والجميع يجد أفكارا تعبر عنه في محتوى البرمجة، هناك أفلام تناقش قضايا الأسرة ومشاكل الشباب، أفلام تناقش الحاضر والماضي وتفكر في احتمالات المستقبل، لذلك ليس من فراغ أبداً أن يسارع آلاف من الشباب إلى التوجّه إلى كارلسباد في بداية يوليو من كل عام، إنه موعد الحج السنوي إلي كارلوفي فاري، حيث آلاف من هؤلاء الشباب والشابات يقضون ساعات النهار بين الصالات السينمائية المنتشرة في أرجاء المدينة، وفي الليل يٌريحون أجسادهم نوماً في خيام تٌنصب في أرض مخصصة لذلك. فتحية تقدير لكل أفراد الفريق المنظم لمهرجان كارلوفي فاري السينمائى الدولي.