رسمي محاسنة:صوت العرب – الاردن.
في فيلمه "وحده الحب"، الذي عُرض ضمن مهرجان بغداد السينمائي، لا يذهب المخرج المغربي كمال كمال نحو الخطاب السياسي المباشر، ولا يقع في فخ الشعارات أو الاستقطابات الإيديولوجية المرتبطة بإغلاق الحدود بين المغرب والجزائر، بل يختار منطقة أكثر حساسية وعمقًا؛ المنطقة الإنسانية التي تتشظى فيها العلاقات اليومية تحت وطأة قرارات سياسية تتحول مع الزمن إلى جدران نفسية وجغرافية تعيد تشكيل مصائر البشر.
الفيلم لا يناقش الحدود باعتبارها قضية سياسية فحسب، بل بوصفها بنية تنتج العزلة والفقد والانتظار. ومن هنا تنبع قوته الجمالية والفكرية؛ إذ ينجح في تحويل قضية سياسية مستهلكة إعلاميًا إلى سؤال إنساني وجودي حول معنى الانتماء والحب والحرية والحق في العبور.
ينطلق الفيلم من فضاء حدودي يحمل ذاكرة مشتركة، حيث اللغة والعادات والموسيقى والوجوه تنتمي إلى نسيج ثقافي واحد، غير أن خطًا مرسومًا على الورق يتحول إلى حاجز يفصل بين البشر ويعيد تعريف العلاقات وفق منطق الدولة والسلطة. هذا التناقض بين وحدة الثقافة وانقسام الجغرافيا يشكل البنية العميقة للفيلم، ويمنحه أبعاده الرمزية والإنسانية.
علاقة "حميد" الجزائري بـ"نورا" المغربية لا تُبنى بوصفها قصة حب رومانسية تقليدية، وإنما كاستعارة كبرى لعلاقة شعبين مزقتهما الحدود. الحب هنا ليس حدثًا عاطفيًا منفصلًا عن الواقع، بل فعل مقاومة ضد العزل السياسي. ولهذا تبدو الأسلاك الشائكة التي تفصل الحبيبين أكثر من مجرد عنصر بصري؛ ففي لحظة حب عاليه يسالها عن مدى حبها له، فتجيبة وهي تنظر الى "جبل عصفور" الواقع خلف الحدود،احبك بحجم هذا الجبل، واريد ان تدفنني في قلبك عندما اموت. إنها صورة مكثفة لعالم يُخضع الإنسان لمنطق الحدود بدل منطق المشاعر والذاكرة المشتركة.
يُدير كمال كمال شخصياته بحس إنساني بالغ الدقة، دون أن يسقط في الميلودراما أو الخطابية. فـ"حميد" الخارج من السجن يحمل داخله هشاشة رجل يشعر بالعجز أمام نقاء الحب الذي تمنحه إياه "نورا"، بينما تتحول "نورا" نفسها إلى رمز للطهارة الإنسانية في مواجهة قسوة الواقع السياسي. حتى الموت في الفيلم لا يُقدَّم بوصفه نهاية مأساوية بقدر ما يتحول إلى لحظة كشف أخلاقي وجمالي تعيد تحريك الوعي الجمعي.
على مستوى اللغة السينمائية، يعتمد الفيلم على بناء بصري شديد الرمزية. الكاميرا لا تتعامل مع الحدود كمكان جامد، بل كفضاء نفسي يختزن الخوف والحنين والرغبة المستحيلة في العبور. اللقطات الواسعة للجبال والأسلاك والفراغات الممتدة تمنح الإحساس بعالم مفتوح جغرافيًا ومغلق إنسانيًا، بينما تتعمد الكاميرا الاقتراب من الوجوه في لحظات الصمت، وكأنها تبحث داخل ملامح الشخصيات عن الخراب الداخلي الذي تصنعه الحدود.
على مستوى الأداء التمثيلي، اعتمد كمال كمال على ممثلين يبدون جزءًا من الواقع الذي يقدمه الفيلم، بعيدًا عن الانفعال الزائد أو الأداء الاستعراضي. ويقدم يونس ميكري شخصية "حميد" بأداء داخلي هادئ، ينقل من خلاله شعور الشخصية بالانتظار والقلق وتداعيات التجارب التي مرت بها، معتمدًا على التفاصيل الصغيرة أكثر من الحوار المباشر.
أما سحر الصديقي، فتمنح "نورا" حضورًا إنسانيًا صادقًا، يجعلها شخصية تواجه مصيرها بوعي وإصرار، وتؤدي دورًا محوريًا في ترسيخ البعد العاطفي للفيلم دون الوقوع في الميلودراما.
ويؤدي ربيع القاطي دوره بهدوء وانضباط، مقدمًا نموذجًا لشخصية تعكس الأثر اليومي للحدود على حياة الناس، بما يوسع دلالة الحكاية من تجربة فردية إلى واقع اجتماعي أوسع.
كما أسهم بقية الممثلين، ومن بينهم فاطمة الزهراء بلدي، والغالية بن الزاوية، وأحمد مداح، وهشام إبراهيمي، وعبد الحق بلمجاهد، وحفصة بن سماعيل، وعبد الرزاق بن عيسى، وإدريس الروخ، في بناء عالم إنساني متماسك، بدت فيه الشخصيات المختلفة تعبيرًا عن وجوه متعددة لتجربة واحدة فرضتها الحدود على حياة الناس.
ويبرز عنصر الموسيقى بوصفه أحد أهم المفاتيح الدلالية في الفيلم. فالموسيقى هنا ليست خلفية صوتية مرافقة للصورة، وإنما بنية سردية وفلسفية تحمل معنى التواصل الإنساني العابر للحدود. منذ المشاهد الأولى، تتبع الكاميرا حركة الفتاة العمياء التي تمشي وهي تصفق مرتين، بينما تبقى الجملة الموسيقية ناقصة بانتظار "الصفقة الثالثة". هذا البناء السمعي البسيط يتحول تدريجيًا إلى استعارة عميقة عن حالة الانقسام بين الشعبين؛ فالتصفيقتان تمثلان طرفي الحدود، أما الإيقاع الكامل فلا يتحقق إلا بالفعل الجماعي القادر على تجاوز الانقسام.
هذه الدلالة تبلغ ذروتها في المشهد الختامي، حين تتحرك الجموع من الجانبين استجابة لوصية "نورا". هنا يشتغل الفيلم على الانتقال من الفردي إلى الجماعي، ومن الخاص إلى الإنساني العام. تتحول الجنازة إلى فعل رمزي لاستعادة المعنى الإنساني للحدود، وتصبح الموسيقى والصمت والشموع عناصر بصرية وصوتية تؤسس لمشهد بالغ الكثافة الشعرية. إنه صمت مشحون بالدلالة، يقول ما تعجز السياسة عن قوله.
كما ينجح الفيلم في بناء شبكة غنية من الرموز البصرية والدلالية. اسم "نورا" ذاته يحيل إلى النور بوصفه إمكانية للخلاص، بينما تحضر الطفلة الرضيعة "أحلام" كصورة مستقبلية لجيل يولد داخل هذا الانقسام القاسي. اللقطة التي تتوقف عند فم الرضيعة المفتوح تبدو وكأنها صرخة احتجاج صامتة ضد عالم يورث الخراب للأجيال الجديدة.
ولا يقتصر الفيلم على الثنائية العاطفية بين "حميد" و"نورا"، بل يفتح فضاءه على شخصيات هامشية تحمل أبعادًا إنسانية شديدة العمق؛ العجوز المقعد الذي يحلم فقط بزيارة قبر زوجته في الجهة الأخرى، والفتاة الجزائرية العالقة داخل متاهة الوثائق والبيروقراطية، حيث تصبح الهوية نفسها عبئًا قانونيًا يهدد الوجود الإنساني. هذه الشخصيات ليست تفصيلًا هامشيًا، بل امتدادًا دراميًا لفكرة الفيلم المركزية: الإنسان بوصفه ضحية دائمة للحدود والسياسات المغلقة.
من الناحية الإخراجية، يتجنب كمال كمال المبالغة البصرية أو الاستعراض التقني، ويعتمد بدلًا من ذلك على اقتصاد بصري مدروس يمنح العناصر الصغيرة قوتها الرمزية. الإيقاع الهادئ، والاعتماد على الصمت، واستخدام الفضاءات المفتوحة، كلها عناصر تجعل الفيلم أقرب إلى قصيدة سينمائية حزينة تتأمل هشاشة الإنسان أمام سلطة الجغرافيا والسياسة.
إن أهمية "وحده الحب" لا تكمن فقط في موضوعه، بل في الطريقة التي أعاد بها تعريف العلاقة بين السينما والسياسة. فالفيلم لا يقدم خطابًا مباشرًا، ولا يرفع شعارات، بل يراهن على قوة الصورة والرمز والعاطفة الإنسانية في تفكيك عبثية الحدود. ولهذا يبدو العمل أكثر قربًا من السينما الإنسانية الكبرى التي تنتصر للإنسان الفرد، لا للأيديولوجيا.
في النهاية، ينجح كمال كمال في تقديم فيلم يحمل بعدًا إنسانيًا عابرًا للمكان المحلي، لأن الحدود التي يتحدث عنها ليست حدود المغرب والجزائر فقط، بل كل الحدود التي تفصل البشر عن أحلامهم، وعن حقهم الطبيعي في الحب واللقاء والحياة. ومن هنا يتحول "وحده الحب" إلى فيلم عن الإنسان المعاصر في مواجهة عالم يزداد قسوة وانغلاقًا، بينما تبقى السينما، واحدة من آخر المساحات القادرة على الدفاع عن المعنى الإنساني للجمال والحب والحرية.
الفيلم من سيناريو كمال كمال، وبطولة يونس ميكري، وسحر الصديقي، وفاطمة الزهراء بلدي، ، وربيع القاطي والغالية بن الزاوية، وأحمد مداح، وهشام إبراهيمي، وعبدالحق بلمجاهد، وحفصة بن سماعيل، وعبدالرزاق بن عيسى، وإدريس الروخ، وآخرين.