2026 ,18 شباط

د. أمــل الجمل :صوت العرب – برلين.
من البرازيل وتركيا والأرجنتين، من أمريكا وكندا، من أوروبا وأسيا والعالم العربي، مشاكل الأزواج والمحبين، أشكال الاضطرابات في العلاقات العاطفية، أصحاب الميول المثلية ومشاكلهم مع المجتمع، مشاكل الأبناء والبنات مع الآباء والأمهات، مشاكل المراهقين والجوانب السيكولوجية للأطفال أيضاً لها مساحة غير هينة، الثمن الذي تدفعه النساء لأجل تحقيق حلم الأمومة، الاغتراب والنزوح، النصب باسم الشركات الوهمية، جشع جمع الأموال، والأمور التكنولوجية والإقتصادية، تراجع الحريات وتكبيل الأفراد وتهديدهم بمصدر دخلهم لعدم التعبير عن أراءهم السياسية بصراحة، تجارب بعض الذين شاركوا في الثورات العربية ودفعوا الثمن في أبشع السجون. الفن التشكيلي والنحت، فنون الرقص والغناء أيضاً تحضر بقوة، العالم المضطرب من حولنا ينبض بقوة في تفاصيل كثير من الأفلام. وهذه إحدى مزايا المهرجان البرليني العريق.

هناك أفلام لن أكتب عنها الأن، لكن مؤكد بعد انتهاء تلك الاحتفالية المهرجانية، رغبة في مشاهدة الكثير من الأفلام، بسبب الشغف في ملاحقة أكبر عدد ممكن من الأعمال، فهناك عدد كبير منها يستحق التأمل، والتوقف أمامه لكشف النقاب عن الطبقات المتوارية، منها: «روزا» أحد أجمل الأفلام للآن، كذلك «مولود الليل» عمل يجمع بين الواقع والفانتازيا بشكل قوي، أفلام آخرى شاعرية بها مسحة سخرية ظريفة مثل «قطار النهر» بطولة طفل يهرب من أسرته في الريف إلي المدينة لأجل تحقيق حلمه في فن الأداء، ومنها «إذا مت..» لأثنين من العشاق تزوجا وعاشا حياة جميلة طوال أربعين سنة لكن المرض بسبب كبر السن يجعل أحدهما يعيش تجربة الوحدة والتشرد وفقدان الذاكرة فيما يخص مكان بيته، فيرى أشياء ويختبر تجربة حسية ما بين الواقع والفانتازيا. هناك أفلام على العكس من هذا لا يحدث فيها شيء بعد الدقائق الأولي منها حين تنفجر مشكلة إحدى الشركات الوهمية كما في «تراب» أو غبار»، ويتحول باقي زمن الفيلم لتأمل كيف سيتعامل هؤلاء المجرمون، المحتالون في هذا المأزق الذي يواجهونه، حينما تصبح حياتهم على حافة جرف خطير، فبعد أن كانوا نجوما في الإعلام، يتخل عنهم الجميع - تقريباً - ونرى بعيونهم - وبعيون الاخرين أيضاً - كيف في تلك اللحظات يصبح كل شيء بلا قيمة، باستثناء العلاقات الإنسانية، الناس القريبون جدا، والاحتياج لأن يلقوا بأنفسهم في أحضانهم، فقط ليشعروا بالإطمئنان. تجربة تشبه محاولة الهروب من الموت، إنه الهروب المستحيل، ثم الاستسلام للقدر، ويصبح كل ما على المرء أن يقوم به هو توديع أحباءه، ومحاولة مد يد المساعدة لهم بقدر من العواطف التي كانت محبوسة أو مسجونة بفعل اللهاث وراء المال والشهرة،، كأن بالأمر شيء من تكفير عن ذنب ما، أو محاولة لا واعية لاكتساب التعاطف أو الاحترام، أو ربما كي يتذكرونه حين يُواري في غياهب السجون أو ربما حين تتنشر الفضيحة فقد يدافعون عنه.

على صعيد الأفلام العربية التي شاهدتها للآن: فيلم «الجانب الأخر من الشمس« للسوري توفيق صابوني، المعروض ضمن قسم "بانوراما" في مهرجان برلين السينمائي (12 -22 فبراير "شباط"). عنوان الفيلم «الجانب الآخر من الشمس» مستوحى من تعبير السجانين لهم «راح نوديكم وراء الشمس»، أي لن يبق لكم آثر، أي مصيركم الموت.
والذي يتحدث فيه عن تجربته في الاعتقال لأنه صور التظاهرات في بدايات الثورة السورية، وكان مصيره أن يقبع بسجن صيدنايا، ذلك السجن الذي كان مجرد ذكر اسمه يُثير الرعب في قلوب السوريين.
المخرج يستعين بأربعة من زملائه بهذا السجن، الذين يقومون بإعادة تمثيل ما عاشوه، يتأملون السجن من الخارج - حتى عندما يدخلون إليه نادراً ما يأتي كلامهم عن الداخل الحقيقي بصدق - بعضهم يحاول البكاء دون أن ينجح، البعض الآخر ينجح في البكاء بنشيج فتظل معه الكاميرا تلاحقه في محاولة لكسب التعاطف بحثاً عن الدموع، بذلك المشهد الطويل صدقاً شعرت أنه أمر شديد الفجاجة.
نتابع رحلة السجناء الذين يتحركون في الممرات، يستعيدون الذكريات مع الجلاد، يلامسون الأبواب، يتحدثون عن العتبات المفاجئة، ومن مات عليها، وإرغامهم على السير منحنين، إلي الحمام أو منه، مفاجأة المياه الباردة أو الساخنة التي تلهب جلودهم. يجلسون في الزنازين، يستعدون تجارب الموت، من مات، ومن نجا، ومن قرر أن يموت لأنه لم يعد يحتمل.
صدقاً، لم يعجبني الفيلم، حتى الأسلوب البصري والبحث عن الاشتغالات البصرية وإعادة التشكيل، والمحاكاة ليس به أي إبداع حقيقي، هناك عشرات من صناع الأفلام المبدعين سبقوه بأسلوب أكثر فنية وعمقاً.
الفيلم على مستوى السرد به حوالي ثلاث فقرات فقط رأيت أنها صادقة في الحكي، عن علاقاتهم بداخل السجن، وتضامنهم الإنساني البسيط في البقاء على قيد الحياة، ومحاولتهم تشجيع بعض البعض، وكذلك بعض التفاصيل عن عالمهم الخارجي قبل أو بعد أو عدم تعرف الأم على ابنها في إحدى الزيارات وسقوطها مغشياً عليها. هناك مشاهد عن الحكي عن علاقات الحب في حياتهم وهم يجلسون فوق هضبة مرتفعة، بعضها قد يكون جيد لكنه كاشف في نصه التحتي عن الإيجو الذكوري القابع في دواخلهم.












