دب ذهبي فخري للنجمة "ميشيل يوه" بافتتاح برليناله الــ٧٦ .
2026 ,16 شباط
د. أمــل الجمل :صوت العرب - برلين.
تبلغ من العمر ثلاثة وستين عاماً لكنها لاتزال متألقة تحافظ على شبابها وحيويتها، كأن لا وجود لأثار الزمن إذ لم يتمكن من حفر أخاديده على مسام جلدها، وكأن الزمن يستجيب لإرادتها، تماماً مثلما لم  تنجح الجاذبية الأرضية في مقاومتها أثناء ممارستها فنون القتال بأفلامها الأولي فكانت حرة متحررة من أي جاذبية محلقة. إنها تيمة ولحن المقاومة وعدم الاستسلام للهزيمة بتنويعات متابينة مارستها وأدتها بمهارة استثنائية.
تُعد ميشيل امرأة مقاتلة في الحياة كما في السينما، تؤدي مشاهدها القتالية بنفسها. اضطرتها الظروف إلى الدخول في معارك ضد الرجال، ضد المفاهيم البالية العتيقة. بعض الممثلين النجوم أصحاب الفكر المضطهد للمرأة - الذين يمارسون التمييز ضدها - لم يتعاملوا معها علي مستوى قدرها، استهانوا بها، لكنها أثبتت لهم ما الذي يعنيه أن تكون ميشيل يوه. كذلك، عندما تزوجت من المنتج ديكسون بون عام 1988، ضغط عليها للتخلي عن مسيرتها السينمائية، استجابت له، لكن النتيجة كانت أن الزواج صار محكوماً عليه بالفشل. ربما لأنه منعه من ممارستها شغفها. 
الدليل الواضح على ذلك أنها عادت إلى التمثيل بقوة بعد انتهاء زواجهما عام 1992. لكن المدهش أنها قامت بتجسيد الشخصيات قبل أن تتعلم التمثيل. لقد تعلمت فن الأداء لاحقًا، كذلك فنون الدفاع عن النفس. في البداية، قدمت نفسها تحت اسم ميشيل خان، فأبهرت عيون وأرواح المشاهدين بمهارتها وإتقان أدوارها في أفلام فنون قتالية مذهلة، سريعة الإيقاع لدرجة يصعب معها متابعتها.
ما الذي صنع شخصية هذه المرأة القوية؟ 
إنها نموذج للمرأة المقاتلة، التي لا تٌقهر، ولا تستلم، بل تعد نموذجاً حياً نابضاً يُؤكد على أن الانضباط والتحكم الجسدي اللذي نكتسبهما سرعان ما يٌثبتا قيمتهما الكبيرة. وُلدت ميشيل يوه عام 1962 في إيبوه، ماليزيا، لأبوين مهاجرين صينيين. بدأت دروس الباليه في سن الرابعة. لكن فجأة تحطم حلمها في أن تصبح راقصة باليه أولى، بسبب إصابة تعرضت لها في ظهرها. لكنها لم تستلم. ثم تُوّجت ملكة جمال ماليزيا عام 1983. الظريف أن والدتها رشحتها سرًا، وحجزت لنفسها دورين في اثنين من الإعلانات التجارية، والتقت بالممثل جاكي شان. قادها هذا إلى عالم السينما..
لذلك لم يكن غريباً أبداً - في هذه الدورة الاستثنائية التي تُولي اهتماماً خاصاً بالمرأة، سواء في عدد النساء المبدعات، أو في قدر وأهمية وقيمة الموضوعات التي تتناول قضايا وشئون المرأة - أن يمنحها مهرجان برلين السينمائي الدولي السادس والسبعين (12-22 فبراير) جائزة الدب الذهبي الفخري لإنجازاتها مدى الحياة في ليلة الافتتاح.
فحين نذكر اسم ميشيل يوه نتذكر شهرتها العالمية مع جيمس بوند. نتذكر "غدًا لا يموت أبدًا" (1997)، في دور العميلة السرية الصينية. نتذكر المطاردة في شوارع شنغهاي، جلوسها معه على دراجة نارية، ومحاولاتها مرارًا وتكرارًا لتغيير وضعيتها في مشهد بديع محمل بالرمزية وكاشف لمهارتها الجسدية. 
لكن قبل ذلك بنحو اثنى عشر عاماً وتحديداً عام ١٩٨٥ حصلت ميشيل على أول دور بطولة لها بفيلم "نعم، سيدتي!". وسرعان ما أصبحت نجمة في آسيا، البعض أصبح يشبهها بجاكي شان، أو يصفها بأنها النسخة الأنثوية منه. لكن لماذا؟ وكيف تعامل هو معها؟ إن جاكي شان، الذي شاركته بطولة عدة أفلام، كان يعتقد أن «مكان المرأة هو المطبخ، وليس في ساحة المعركة». مؤكد أن هذا الرأي ضايقها كثيراً معلنة - صراحة - عن غضبها منه، ولم تهدأ إلا حينما « هزمته شر هزيمة» على حد وصفها.
من زاوية آخرى، لم تسمح ميشيل للمنتجين بأن يغرسوا من حولها سياجاً حصينة لأداء شخصية واحدة، رفضت بقوة وذكاء أن تصبح سجينة لدور المرأة المقاتلة، فقدمت أدواراً آخرى شديدة الغرابة، أدواراً جُرِّدت من جميع مهاراتها في فنون القتال، كما بفيلم السيرة الذاتية  "السيدة" (2011)، في فيلم السيرة الذاتية عن البورمية أونغ سان سو تشي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، تلك المرأة التي تواجه جيشاً من الجنود المسلحين بهدوء وشجاعة. أيضاً بفيلم "كل شيء في كل مكان دفعة واحدة" (2022)، قدمت أكثر الشخصيات بؤساً في العالم من خلال دور امرأة مهاجرة صاحبة مغسلة للملابس، امرأة مُرهقة بلا حدود، لكنها لا تستلم. 
حققت ميشيل يوه شهرة عالمية فكانت أول امرأة آسيوية تفوز بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة، والتي قالت عنها: «جائزة الأوسكار ليست لي أنا وحدي، بل إنها جائزة لكل فتاة تشبهني،» وشجعت جميع النساء على «ألا يسمحن لأحد بأن يُقنعهن بأن أفضل أيامهن قد ولّت». 
 إن عشاق السينما من جيل الألفية الثانية مؤكد لن ينسوا أبداً دورها بفيلم "النمر الرابض، التنين الخفي“ عام (2000)، هنا استطاعت ميشيل يوه أن تكشف عن موهبتين فنون القتال والتمثيل. وقد ساعدها على ذلك  اختيار المخرج أنج لي لها من خلال عمل يقدم للسينما العالمية فن القتال بالسيف الآسيوي. 
وفي هذه المناسبة التكريمية بالدب الذهبي الفخري يعرض لها مهرجان برلين السينمائى الدولي الفيلم الكوميدي الحركي المستقل: "كل شيء في كل مكان في آن واحد“ الذي حصد سبع جوائز للأوسكار عام 2023. وكانت إحدى الجوائز السبع من نصيب ميشيل يوه، فصنعت بذلك تاريخًا سينمائيًا: كأول ماليزية، وأول امرأة آسيوية على الإطلاق، تُتوّج بجائزة أفضل ممثلة.
من المفارقات، أنها لم تكن صاحبة الدور الرئيسي في الترشيح الأول. دورها كان مُعدًا في الأصل لرجل، لقد كان صاحب الدور هو جاكي شان. لكن عندما تبدلت الأدوار الجندرية بعد أن انسحب شان، فحققت هى أعظم انتصاراتها مع هذا الفيلم. وكأنه تكريم لها. 


2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون