د. أمـــل الجمل :صوت العرب – برلين.
بعد غياب واختفاء قسري لما يزيد عن ثلاثة أسابيع أخيرا ظهرت شمس برلين لبضع ساعات أضاءت فيها أرجاء تلك المدينة الصناعية الدولية الضخمة التي تعج بمختلف ثقافات العالم. لكن أيضاً واعتباراً من الغد ستنطلق شموس آخرى مُدوية تدفيء الأرواح والقلوب والعقول، والمقصود طبعا شمس البرليناله في دورته السادسة والسبعين التي تمتد خلال الفترة من ١٢ فبراير ٢٠٢٦ وحتى ٢٢ من الشهر ذاته. ومن المتوقع أن يتم عرض ما مجموعه ٢٧٦ فيلمًا من ٨٠ دولة، وذلك على مدار ١١ يومًا من أيام المهرجان، حيث يُعرض نحو ٢٥ فيلمًا يوميًا. تشمل هذه الأفلام ٧٩ فيلمًا قصيرًا و٨٥ فيلمًا وثائقيًا. ٥١ فيلمًا منها من ألمانيا، ٢٤ منها إنتاجات مشتركة ألمانية.
إن مشاهدة الأفلام السينمائية ودخول المتاحف وحضور كافة أشكال الفنون أحد أهم العناصر التي تحرص عليها الحكومة الألمانية حيث يتضح ذلك في عدد من الأمور أبرزها: وجود اشتراك شهري بأسعار مخفضة تسمح للعائلة بدخول جميع الأفلام على مدار الشهر، هناك أيضاً تتوفر بعض أنواع من التذاكر الخاصة بوسائل المواصلات - منها التذكرة الأسبوعية - التي تتيح للسائح أن يستمتع بالمزارات السياحية بأسعار مخفضة.
التذاكر المخفضة للجمهور والشباب
قد تبدو أمور بسيطة لا تنتبه إليها مجتمعاتنا ولكنها تؤتي بنتائج بعيدة المدى، فهذه التسهيلات قد غرست على الأقل في المواطن المحلي سلوك ينطوي على الاهتمام بالفنون، بالثقافة، وهو أمر لا شك ينعكس على الحالة النفسية للإنسان ومن ثم على الإنتاجية، وعلي المجتمع بأثره.
أيضاً، في مهرجان برلين السينمائى الدولي العريق هناك اهتمام خاص بالشباب وبالطلاب، حيث تتوفر تذاكر الطلاب بأسعار مخفضة، مع خيارات خاصة للشباب وخصومات عامة. فمثلاً توجد تذاكر عامة مخفضة: حيث يمكن للطلاب والمتدربين وغيرهم الحصول على خصومات على التذاكر العادية، والتي تتراوح أسعارها عادةً بين 15 و20 يورو، وإن كانت تذكرة Cine25 فتبلغ ٦ يورو، إذ تتوفر تذاكر بأسعار خاصة ومخفضة للغاية بقيمة 6 يورو للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا، وذلك لمجموعة مختارة من الأفلام في جميع الأقسام. أما قسم «الأجيال» فتبلغ أسعار تذاكر برنامج الأطفال والشباب عادةً 9 يورو، مع سعر مخفض قدره 6 يورو للفئات المؤهلة. وهناك ما يسمى بيوم الجمهور وهو اليوم الأخير من أيام الدورة والذي يوافق (22 فبراير 2026): حيث يبلغ سعر التذكرة 11 يورو، مع سعر مخفض قدره 8 يورو. والمهرجان يوضح سبل وكيفية الشراء من خلال الموقع الرسمي على الإنترنت لمهرجان برلين السينمائي الدولي، ويبدأ الحجز المسبق عادةً قبل ثلاثة أيام من موعد العرض.
جيل برليناله
ومن حظ الطلاب أيضاً أنه رغم أن الحصة المتاحة لهم بأسعار مخفضة عادة ما تكون محدودة عند الحجز المسبق، إلا أنه يتم رفع هذا القيد في يوم العرض ذاته، لذلك يُنصح بالتحقق عبر الإنترنت قبل العرض بوقت قصير، حيث يتم طرح التذاكر المتبقية غالبًا.
الاهتمام بالشباب والأطفال لا يتوقف عند أسعار التذاكر، لكنه يتجاوز ذلك إلي حدود البرمجة ذاتها التي تهتم بعرض أفلام تطرح الأسئلة الملحة التي تهم الأطفال، ففي قسم «جيل» في مهرجان برلين السينمائي تُعرض أفلامًا للأطفال والشباب، تتناول قضايا الهوية والجنس، ومساءلة الذات، والشعور بالذنب والمسؤولية التي تصل حدود الأرق والخوف بشأن المستقبل.. ويتجلى هذا بوضوح مع الفيلم الوثائقي"آلة الزمن الرائعة" (A fabulosa máquina do tempo) للمخرجة إليزا كاباي، والذي سيكون لنا معه وقفة نقدية وتأملية عقب عرضه.
كل ذلك وسط توقعات بدورة غنية فنيًا، تعكس تنوع السينما العالمية، وتمنح مساحة أوسع للأصوات الجديدة والتجارب السينمائية الجريئة من كافة أرجاء الكرة الأرضية، وللسينما العربية حظ ونصيب من مصر ولبنان والجزائر، وهناك أيضاً اهتمام بصناع السينما المغاربة حيث سيحضر عشرة من المنتجين والمخرجين من دولة المغرب فعاليات هذه الدورة، بينما تشارك تونس في المسابقة الرسمية بفيلم من توقيع ليلى بوزيد، وذلك في إطار برمجة دورة توازن بين القيمة الفنية والحضور الجماهيري. وذلك رغم غياب الأفلام من الإنتاجات الضخمة من هوليوود.
من دون أن ننسى البرنامج الاستعادي الذي يتضمن تجريب بصري ونوعي وذلك من خلال عرض 22 فيلماً، ويُنظّم حلقات نقاشٍ وفعاليات للتواصل في"أرشيف سينما إي ـ فيرك". وللمرة الأولى يتعاون هذا البرنامج الاستعادي مع معهد جوته، حيث ستُعرض، بدءاً من مارس 2026، خمسة أفلام من برنامج برلين، في 150 موقعاً تابعاً للمعهد في العالم.
ينهض البرنامج الاستعادي للدورة السادسة والسبعين للبرليناله على ثلاثة محاور: برلين، والشرق يلتقي الغرب، ونهاية التاريخ. يركز المحور الأول على أفلام برلين في التسعينيات من القرن العشرين، ويُعرض فيه "أمير في هولندا" (1993) لمايكل ستوك. بينما يتناول المحور الثاني، تبادل التجارب السينمائية بين الشرق والغرب، ويتضمّن الثالث أعمالاً تنتقد النظام عبر موضوعات صعود جيل المتسكعين وغيرهم من الثقافات الفرعية، فمثلاً السينما الأميركية قدمت"المتسكع" (1990) لريتشارد لينكليتر، و"أولاد الحي" (1991) لجون سينغلتون، و"فتاة الحفلات" (1995) لديزي فون شيرلر ماير.
إذا، غدا ينطلق المهرجان رسمياً، حيث فعاليات الإفتتاح وتقديم لجان التحكيم وستحصل ميشيل يوه على جائزة الدب الذهبي الفخرية. وفي اليومن التالي تبدأ لجان التحكيم عملها حيث ستمنح لجنة التحكيم الدولية جائزة الدب الذهبي إضافة إلى ٧ جوائز أخرى للدب الفضي، وستمنح لجنة تحكيم الأفلام القصيرة جائزة الدب الذهبي وجائزة الدب الفضي.
يفتتح المهرجان دورته الجديدة في السابعة من مساء الغد الخميس ١٢ فبراير بفيلم "لا رجال صالحون“ والذي يعرض ضمن قسم «برليناله سبيشيال» وهو الفيلم الروائي الثالث للمخرجة الأفغانية الحائزة على جوائز، شهربانو سادات. يشارك ٢٢ فيلمًا في المسابقة الرسمية، منها ٣ أفلام من إنتاج ألماني، وفيلمان من إنتاج مشترك ألماني، بالإضافة إلى فيلم رسوم متحركة واحد وفيلم وثائقي واحد.
انتظرونا سنوافيكم بكافة تفاصيل المهرجان وفعالياته يوميا .