السينما التشيكية تاريخ من التجارب والمدارس وحاضر قوي .
2025 ,09 آب
د. أمــل الجمل:صوت العرب – القاهرة. 
لم يكن أبداً أمراً مفاجئاً فوز الفيلم الوثائقي التشيكي «الأفضل أن تٌجن في البرية» بأهم جائزة - الكرستال جلوب - بالدورة التاسعة والخمسين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائى الدولي الممتد خلال الفترة الممتدة بين ٤-١٢ يوليو ٢٠٢٥. منذ شاهدته في الأيام الأخيرة للدورة قلت إنه الجوهرة الثمينة والتحفة الاستثنائية هذه الدورة، وذلك رغم أهمية أفلام آخرى عديدة. كنت أتأمل بدهشة مهارة المخرج في خلق دراما وتكوينات بصرية استثنائية، وتوظيف موسيقي لافت، أضفى جمالاً متزايداً على روعة الأخوين بطلا الفيلم وخفة ظلهما، وعلاقتهما بمحيطهما البيئي وانفصالهما عن العالم، والعلاقة الفريدة بتلك البقرة التي تقوم بدور الراوي، علاقة ساحرة تجعلنا نقترب أكثر من البطلين، نضحك من قلبنا، وربما نتساءل خلسة ماذا لو كنا مكانهما؟ ما أجمل الانسجام مع الطبيعة؟ ما أجمل أن نكون جزءاً فعالاً متناغماً في نسيجها. لذلك فهذا الفوز مستحق عن جدارة.   
مخرج الفيلم اسمه ميرو ريمو الذي كتب السيناريو بنفسه استنادًا إلى كتاب يحمل نفس العنوان من تأليف دير أليس بالان. والذي يصفه المدير الفني للمهرجان كارل اوخ: «تكمن خصوصية المخرج ميرو ريمو، من بين أمور أخرى، في أصالة الأسئلة التي تطرحها أفلامه. بفيلمه الأخير يُطوّر الموضوع بشكل فضفاض، فيتساءل بشكل استفزازي عمّا إذا كان من الممكن قضاء الحياة بأكملها في مكان واحد.» ميرو لم يكتفي بذلك لكنه منتج أساسي بالفيلم وشارك في التصوير أيضاً. حقيقة، هذا العمل يستحق أن نذكر أسماء فريقه الفني كاملاً: مدير التصوير دوشان هوسار. الموسيقى التصويرية: آدم ماتيج. الصوت: لوكاس كاسبرزيك. المونتاج: سيمون هايك، ماتي كسوبورت. 
أصوات متكسرة
لم يقتصر التميز عند الفيلم السابق. فمنذ الأيام الأولي للمهرجان ومع عرض الفيلم التشيكي «أصوات متكسرة» - من تأليف وإخراج أوندريج بروفازنيك - ضمن مسابقة الكريستال جلوب أيضاً كنت منحازة للفيلم، المقتبس عن قضية حقيقية شغلت الرأي العام في التشيك عن قائد فرقة براغ الموسيقية للبنات. انحيازي سببه خطورة قضيته، دقة التعامل الفني معها، والحساسية المتوارية، قد يراه البعض عادياً في التناول، لكني أختلف تماماً مع ذلك الرأي، لأنه حقيقة عمل له قيمة كبيرة، في سيكولوجيا تصرفات البنات وما وراء تلك التصرفات، خصوصاً أنني منحازة لفكرة أن: السينما والفنون لهما دور مهم في خدمة المجتمع، لا يعني الأمر أنني ضد فكرة «الفن للفن»، لكني أرى أنه في الأوقات الصعبة وتفجر قضايا خطيرة تواجه العائلات والمجتمعات لابد للسينما أن تلعب دوراً، على الأقل في نشر الوعي، لا أُطالب صناع السينما بتقديم حلول، أبداً، لكن يكفيني أن يناقشوا القضية بأسلوب شديد الفنية، نقاش يحتمي باللغة السينمائية ولا يتنازل عنها.
وهذا ما قدمه صناع «أصوات متكسرة». شاهدنا فتيات في عمر الزهور يدرسن الموسيقى والغناء وكيف أن المايسترو يغتصب طفولتهم، يقيم معهن علاقات لا نراها، لكننا نشعر بأثارها، رائحتها تفوح في حركات البنات وأسلوب تعاملهن معه، وطريقته هو في اتخاذ القرارات، والغيرة المتفشية في هذا المكان وتدبير المكائد، وكأن هناك وباء متفشي، وينثر هواءاً مسموماً، والغضب الهستيري، والانصراف المفاجيء الغاضب الذي لا يشي بعلاقة عادية بين طالبة وأستاذها، أمر يتكرر من أكثر من طالبة، آخريات يتهكمن ويسخرن منه عن بُعد، مع ذلك يتعامل بهدوء كأنه لا يرى ولا يسمع، يواصل أحاديثه الجذابة، والعزف لهن والغناء سويا في أوقات المرح. كان وسيما ومحبوباً لكنه كان كالثعبان. ثم كيف يبحث هو عن فتيات جديدات يضمها للفرقة لإرضاء رغباته التي لا تتوقف. لا نرى أياً من حالات الإغتصاب، فقط في المشهد قبل الآخير من الفيلم تٌنجز الحالة الوحيدة خارج الكادر، لكننا نتألم لتلك الطفلة التي فقدت براءها، وأصابها الذعر وعدم الفهم. إن أهمية الفيلم أيضاً تتمثل في قدرته على جذب عائلات وأُسر ليُشاهدوا الفيلم بصحبة بناتهن، إنه أمر بالغ الأهمية، للمشاهدة والنقاش والتوضيح والفهم.. لأن الوعي هو الخطوة الأولي على طريق المقاومة. 
أكشن ايتم يٌعيدنا إلي لابيلي 
من داخل مسابقة بروكسيما كان هناك فيلم آخر شاركت جمهورية التشيك في إنتاجه، إنه التجربة الثانية للمخرجة السلوفاكية باولا دورينوفا. بعنوان «أكشن ايتم». وهى المرة الثانية التي تشارك في مسابقة بروكسيما كارلوفي فاري السينمائي الدولي. شاركت دورينوفا من قبل بفيلم «لابيلي» الذي أحببته جدا وشعرت أنه قصيدة بصرية، بينما لم أتجاوب مع شريطها الأحدث وشعرت أن الاشتغال البصري عليه كان ضعيفاً ومتساهلاً، خصوصاً في النصف الأول من الفيلم بينما يكشف الجزء الثاني عن إمكانية إضافة لمسات بصرية حتى مع توظيف التجريب، أشعر أن المخرجة اختارت الطريق السهل بصرياً رغم أهمية الموضوع، ليس فقط لأنه قادم من تجربة ذاتية على حد وصف المخرجة قائلةً: «إنه جاء من تجربتي الشخصية مع القلق والاكتئاب ونوبة إرهاق نفسي». لكن تكمن أهمية الموضوع في أنه أمر يعاني منه الملايين في العصر الحديث. 
بفيلمها السابق «لابيلي» المختلف جذرياً، حيث تتحدث عن جديها وترابط مصيرهما لمدة ستين عاماً.. مؤكدة على أن ما تخلفه الكوارث عادة ما يكون أبعد من الآثار الفيزيائية الملموسة. رغم تصويرها للجبال والأحجار أثناء حديثها عن الأجداد لكنها أبدعت بصرياً وشعورياً، وكأن الفيلم قطعة موسيقية، كانت تحكي بالفيلم فتقول: «إن التعمق يعني أن تمر عبر هذه الأحجار للجبال الراسخة، على هذه الأرض - المغطاة بأحجار  لابيلي وتلك الشظايا الصخرية التي قُذفت من بركان - أشكال جديدة من ذاكرتي، أشكال متجددة من الذكريات في عقلي..»  حتى وإن خرج خالي الوفاض من سلة الجوائز.  
دوشون/ نجم البوب السلوفاكي
وفي قسم العروض الخاصة شاهدت فيلم ينتمي لدراما السيرة الذاتية بعنوان: «دوشون» Duchoň.. إنه دراما تاريخية موسيقي،  الفيلم من الإنتاج المشترك بين جمهورية سلوفاكيا، وجمهورية التشيك  للعام ٢٠٢٥، ويتناول أعظم موهبة غنائية سلوفاكية في جيله. قصة رجل عاش حياةً مليئة بالرغد بعد صعود مفاجيء، فقد كان مبدعاً موهوباً، لكن أيضاً كان له هفواته، ومشاكله مع عائلته. إنه عن رحلة فتى متواضع من الريف نجح في اجتياز مسابقات المواهب، مروراً بصعوده الصاروخي إلى قمة مشهد البوب التشيكوسلوفاكي، محاطًا بالشهرة والجوائز وقاعات الحفلات الموسيقية الممتلئة، والآن عليه أيضًا أن يُواجه شياطينه التي أيقظها النجاح.
الفيلم اختلف من حوله الجمهور، بينما امتدحه جمهور كارلوفي فاري والتفوا من حول صناع العمل وأقارب دوشون، كاشفين عن إعجاب متزايد بالعمل وبأنه فيلم حزين رغم الأغاني البهجة به، لأنه كفيلم لا يقدم قصة إنسانية مؤثرة عن الرغبة والشهرة والانهيار فحسب، بل يقدم أيضًا موسيقى تصويرية لا تُنسى لأعظم أغاني دوشون التي شكلت جيلًا بأكمله. لكن لاحقاً كتب البعض ينتقد بعض تفاصيله، وإن يتضح أن ما وراء الهجوم ليس عدم الإعجاب بالمستوى الفني للعمل، ولكن عدم الإعجاب بشخصية دوشان أو أغانيه من الأساس. وهنا لابد من الموضوعية ومحاولة أن يكون المرء حياديا ليفضل ما بين الشخصية على أرض الواقع، وتلقي العمل الفني لتحديد قيمته. 
الفيلم الذي أُنتج جزئيًا بالتعاون مع عائلة نجم البوب السلوفاكي، حظي صناعه من الوفد المرافق لدوشون بإشادة حماسية من جمهور كارلوفي فاري. تشاور صانعو الفيلم مع أقاربه لجمع التفاصيل الرئيسية، حتى أن ابنة المغني ظهرت في دور صغير. ورغم أن بعض القصص كانت صعبة التصديق على العائلة، إلا أن العديد من مغامرات كارول دوشون الأكثر جرأة - وخاصةً خلال جولاته الفوضوية الشهيرة - أكدها أصدقاؤه. وأوضح صانعو الفيلم: "كان سريعًا ونشيطًا. هناك جوانب كثيرة من حياته ربما كانت مخفية عن عائلته. على سبيل المثال، انفصل عن زوجته وتزوج مرة أخرى في غضون سبعة أيام فقط".
ميلوش فورمان 
لاشك أن مراحل عدة ومدارس متمايزة فاتت فيها السينما التشيكية عبر تاريخها. بعد أن تم تأميم تلك الصناعة بعد الحرب العالمية الثانية، وتزايد قبضة الرقيب حول أفكار السينمائيين وتجاربهم، وهى قبضة لم تضعف إلا بموت ستالين وصعود خروشوف للسلطة. كان ربيع براغ أمر مُقدراً وحتمياً خصوصاً في بلد ينتمي كل سكانه للمتعلمين. هذا الربيع منتصف الستينيات رغم أنه لم يستمر طويلا لكنه خلق تربة خصبة نتج عنها تزايد هامش الحرية، فمن أكاديمية الفنون ببراغ خرج للنور سينمائيون شباب كانوا من علامات الدول الاشتراكية في ذلك الوقت. شباب مثل ميلوش فورمان (Miloš Forman) وفيرا تشيتلوفا (Věra Chytilová) ويوري مينزل (Jiří Menzel) في التشيك. 
فورمان الذي عمل في هوليوود وقدم مجموعة من أهم الأفلام في تاريخ السينما العالمية، والذي قدم له المهرجان التشيكي العريق احتفاء به فيلمه «وطار أحدهم فوق عش المجانين» بمناسبة مرور خمسين عاما على إنتاجه بنسخة مرممة حديثاً وفي حضور منتج الفيلم الأساسي النجم مايكل دوجلاس. 
لاشك أن الفيلم خالد وموضوعه آني جداً، ويستحق مقالا تحليليا كاملا عن كافة عناصره، وصحيح زن الفيلم إنتاج أمريكي لكن مخرج تشيكي قدم أعماله الأولي في وطنه ورشح بعضها لجوائز مرموقة خصوصاً فيلمه «حفل رجال الإطفاء» وهو ما جعل العالم يلتفت إلي موهبته.
هذا الجيل رغم كون أبنائه ينتمون لحقبة متقاربة لكن التمايز بينهم ظهر منذ أوائل أفلامهم، على سبيل المثال مال فورمان للواقعية الاجتماعية المعجونة بالسخرية، في حين مال مينزل ونيميك للفلسفة  القاتمة، في حين بال البعض الآخر لسينما الأحلام، واللاواقعية. 
الكوميديا الشعبية 
نختتم حديثنا عن هذا التنوع في تاريخ السينما التشيكية بالفيلم الكوميدي الشعبي "هكذا هومو هومولكا" Ecce Homo Homolka الذي أٌنتج عام ١٩٧٠ حيث تم عرض النسخة المُرممة حديثاً منه في مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي. الفيلم من إخراج وتأليف ياروسلاف بابوسيك Jaroslav Papousek. والذي أشرنا إليه في مقالات سابقة عن هذه الدورة من المهرجان. 
يُعرف ياروسلاف بابوشيك بأنه كاتب السيناريو أبدع بعضًا من أعظم أفلام الموجة السينمائية التشيكوسلوفاكية الجديدة، بما في ذلك فيلمي «حفل رجال الإطفاء» و«إضاءة حميمة». لكنه أيضًا كان مخرجًا سينمائيًا، ويُعتبر فيلمه الروائي الثاني: «هكذا هومو هومولكا»، من أهم الأفلام في تاريخ السينما التشيكية.
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون