د. أمــل الجمل :صوت العرب – القاهرة.
«دخلت التمثيل بالصدفة، دخلت الجامعة بالصدفة..» هذه بضع كلمات من حوارات النجم والمنتج التشيكي ييري بارتوشكا ذي الصوت الشجي الجذاب والذي صار «معبوداً للنساء من مختلف الأعمار» - على حد وصف الصحافة التشيكية - والذي غيبه الموت في يوم ٨ مايو ٢٠٢٥، عن عمر ٧٨ عاماً فهو من مواليد ٢٤ مارس ١٩٤٧. والذي كرمه المهرجان التشيكي العريق في إفتتاح دورته التاسعة والخمسين ٤-١٢ يوليو بعرض فيلم وثائقي بعنوان «علينا أن نُؤطره» حوار مع ييري بارتوشكا يوليو 2021 - من إخراج ميلان كوتشينكا وياكوب يوراسيك.
وقد أضحك الفيلم الجمهور رغم أن بارتوشكا كان المتحدث الوحيد بالفيلم، لكن أسلوبه وسخريته الرشيقة وخفة ظله كانت تجعل القاعة تتفجر بالضحك، لذلك لم يكن غريباً أبداً أن ينال الفيلم جائزة الجمهور رغم المنافسة الشرسة مع أفلام آخرى قوية جداً. والفيلم ذاته يستحق أن نتوقف أمامه في مقال آخر باستفاضة.
الصدفة أم التخطيط المعجون بالجهد؟
نعود إلى كلمات بارتوشكا عن الصدفة: فإذا كانت حقا الصدفة قادته للتمثيل والدراسة، فهل يمكن وصف انقاذه لأحد أهم وأبرز وأعرق المهرجانات السينمائية في العالم أنه هو أيضاً كان من قليل الصدفة؟!
لايمكن أبداً.. كيف يمكن للصدفة أن تجعل مجموعة من أبرز النجوم والنجمات الحاصلين على أوسكار وجوائز أخرى مهمة يحضرون إلي أرض بوهيميا، ليعرضوا أفلامهم أمام جمهور عريض من الشباب.؟! هذا عمل وراءه جهد وتخطيط وعلاقات واتصالات، وعدم استسلام أبداً.
نجوم كبار حضرو إلي كارلوفي فاري، وبعضهم كان بمثابة الأسطورة السينمائية، نجوم في قامة روبرت ريدفورد، وريتشارد جير، عباس كياروستامي، مورجان فريمان، مايكل دوجلاس، ميل جيبسون، المخرج الأمريكي المستقل جاس فان سانت، شارون ستون، جود لو، رينيه زيلويجر، وغيرهم عشرات من النجوم.
إذاً، كيف نجح هذا الرجل الذكي والفنان المثقف ييري بارتوشكا في انقاذ مهرجان بلاده فجعله يُشار إليه بالبنان؟ تاريخياً يُعد مهرجان كارلوفي فاري من أوائل المهرجانات السينمائية في أوروبا، كان يُقام سنويًا بالتناوب مع مهرجان موسكو السينمائي في تلك الفترة.
كذلك كان المهرجان يٌعتبر وجهةً ذات أهمية بالغة للسينما المعبرة عن الحركة في الشرق، والموجة الجديدة، خصوصاً في الستينات ومع أيام ربيع براج وصانعي أفلام الموجة التشيكية الجديدة، أمثال ميلوش فورمان وغيرهم، لكن بانقضاء السبعينيات وقدوم التسعينات اختلف الأمر، أمور عديدة على الساحة العالمية تبدلت، سياسياً وتكنولوجيا، ثقافياً وسينمائياً.. وكادت وزارة الثقافة التشيكية أن تُوقف المهرجان فتصدى للمهمة ييري بارتوشكا، وأصبح رئيسه، وبعد عدة سنوات من إدارته حقق المهرجان مكاسب، كيف ؟! الكلمة السحرية في «الشباب» .. فقد استعان بالشباب، وجعله مهرجاناً لأجل الشباب، كان رجلا شديد الذكاء، فالشباب هم المستقبل وهذا - على مايبدو - ما كان يراهن عليه وكسب الرهان.
العدوى الجميلة الساحرة
لقد جعل المهرجان بسيطاً في تكاليفه، هاديء، غير متكلف، يُمكن للطلاب وعشاق السينما من ذوي الماديات المحدودة أن يحضروه، خصص لهم مكاناً للخيام، مئات الآلاف، يمكن للكثيرين أن يُحضروا خيامهم، هناك أماكن للاستحمام، والحمامات، بعدها ينطلقوا ليستمتعوا بمشاهدة أحدث وأهم وأجمل الأفلام من مختلف دول العالم..
لقد شيد بارتوشكا مع رفاقه ومساعديه وفريق عمله أجيالاً ممسوسة بالفن السابع، أجيالاً لها بناء ثقافي ومعرفي سينمائى، هؤلاء الشباب كانوا بمثابة العدوى الجميلة التي تصحب معها فيروس السينما بعد انتهاء المهرجان أينما حلت، يتحدثون عن الأفلام عن المتعة ويتناقشون ويحملون بالعودة، ومعهم يحلم مات الآلاف المصابين الجدد بالعدوي الساحرة.
إذاً، نعود فنقول، قد تكون حقاً هى الصدفة، أو القَدَّر، لكن الأكيد أن بارتوشكا استفاد من كليهما وبذل أقصى جهده، من دون أن ينسى أن يظل مبتسما ضاحكا ساخرا علي طول الطريق، وإلا لم يكن أبدا ليُوصف بأنه: «عملاق في السينما التشيكية... إنه روبرت ريدفورد السينما التشيكية. لم يكن ممثلاً بارعاً فحسب، بل كان قوة ثقافية ضاربة في أعماق التاريخ، أسس أحد أكبر وأهم المهرجانات السينمائية في العالم. سيفتقده الشعب التشيكي بأكمله».. هكذا قيّمت تاتيانا ديتلوفسون تأثيره.
بعد دراسته الثانوية، التحق بأكاديمية للفنون الأدائية وتخرج في قسم التمثيل. حصل على وظيفة في مسرح ديفادلو نا بروفازكو، مثّل لاحقًا في استوديو الدراما، والمسارح البلدية في براغ. بدأ مسيرته الفنية على الشاشة الفضية بالفيلم الروائي «هري لاسكي ساليفيه» Hry lásky sálivé عام ١٩٧١. ومنذ ذلك الحين، قدم ييري بارتوشكا أكثر من مائة وسبعين دورًا سينمائيًا وتلفزيونيًا. تشمل أعماله السينمائية الغزيرة والمتنوعة أفلامًا مثل: «ظلال صيف حار»، و«قصة الحب والشرف»، و«قرية الغربان»، و«على النهر العظيم»، و«السهل الخشن».
لمحة عن مسيرته
طوال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لعب ييري بارتوشكا العديد من الأدوار للسينما والتلفزيون، حصل على أول ترشيح لجائزة الأسد التشيكي عام ١٩٩٨ عن عمله «هل يجب قتل سيكالو؟» Je třebra zabit Sekalo. في العام التالي، فاز بالجائزة عن الدراما التاريخية All My Close Ones. تبع ذلك أعمال مثل Bolero وThe Conception of My Younger Brother وStories of Ordinary Madness. برزت أدواره في اثنين من القصص الخيالية الناجحة للغاية مع الجماهير، Angel of the Lord وAngel of the Lord 2، ولعب دور المُغوي كارل في اثنين من الأفلام الكوميدية، Kiss Me Like God وKiss Me Like the Devil.
في عام ٢٠١٦، لعب دور البطولة في أكثر من عمل من أبرزها الفيلم الكوميديا Theory of the Tiger، والتي حصل عنها على ترشيحه التالي لجائزة الأسد التشيكي. في عام ٢٠١٧، حاز مع زميلته إيفا زاورالوفا، التي ترأسا معًا مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي لسنوات عديدة، على جائزة من أكاديمية السينما والتلفزيون التشيكية لمساهمته المتميزة في مجال التصوير السينمائي التشيكي. وشملت مسيرته التمثيلية آنذاك أفلامًا مثل: «دكتور مارتن: لغز في بيسكيدي»، و«هافيل»، و«سنة جديدة سعيدة»، و«المحبوب»، و«مسار الرغبة الزوجية».
على صعيد آخر، كانت مسيرته التلفزيونية في السنوات الأخيرة بارزة، فقد تألق في مسلسلات "موردبارتا"، و"ستراجميستر توبينكا"، و"زلوتشيني فيلكي براهي"، و"ماتيماتيكا زلوتشينو"، وفي العام الماضي في المسلسل الناجح نقديًا «سميس برو تور» (Smys pro tumor)، والذي نال عنه آخر ترشيح لجائزة أكاديمية السينما والتلفزيون التشيكية.
الخبر الصادم/ المتوقع
صحيح أن خبر وفاته كان صادماً خصوصاً أنه جاء قبل أسابيع معدودة من انطلاق الدورة التاسعة والخمسين لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، المقرر إقامته في الفترة من 4 إلى 12 يوليو 2025. لكن ستظل روحه تحوم حول المهرجان وكأنها تحميه، فقد كان جيري بارتوسكا رئيسًا للمهرجان منذ عام 1994، ومنذ ذلك الحين، نجح مع المديرة الفنية الراحلة إيفا زاورالوفا وآخرين في تحويل ثاني أقدم مهرجان سينمائي في أوروبا إلى متحف دولي مرموق للفنون السينمائية.
لا أنسى أبداً أنه على مدار الدورات التي حضرتها من مهرجان كارلوفي فاري وحتى الدورة الـ٥٩ كنت كلما رأيت صورة له أو لقاء بصحبة النجوم وكلماته وحركته على المسرح في حفلي الإفتتاح والخاتم أسعد بالبهجة التي ينثرها في رقة وبساطة.. أتذكرأيضاً أنه حتى الدورة الخامسة والخمسين عام ٢٠٢١، كنت أشاهد دوما النجم التشيكي ورئيس المهرجان ييري بارتوشكا بصحبة الناقدة السينمائية والمديرة الفنية السابقة إيفا زورالوفا، في المؤتمرات قبل انطلاق فعاليات أي دورة وأثنائها أيضاً. كنت أرى الأثنين دائما في حالة مرح، بينهما إنسجام هارموني وكيمياء لطيفة، سواء على الشاشات التليفزيونية، أو على خشبة المسرح بالقاعة الرئيسية، كما على أرض الواقع إذا التقيت بهم صدفة في أحد ممرات المهرجان، أو أمام قاعات السينما، أو في الساحة الكبيرة أمام فندق جراند حياة حيث كانت تتعالى الضحكات في مرح طفولي.
الجيش لايُهزم بموت قائده
للأسف غيب الموت ييري بارتوشكا في ٨ مايو ٢٠٢٥، وقبل ثلاثة أعوام غيب الموت إيفا، إذ رحلت في ١١ مارس ٢٠٢٢ عن عمر ٨٩ عاماً، ووفاءاً لدورها في المهرجان التشيكي العريق الذي يعد أهم مهرجان في وسط وشرق أوروبا قرر أنذاك منظمو المهرجان إهداء الدورة إلى روح إيفا زورالوفا.. وذلك بالإضافة إلى إقامة معرض فوتوغرافيا يرصد مراحل مختلفة من حياتها، منذ طفولتها وشبابها وسنوات نضجها، وسنوات عملها في المهرجان، لأنهم كانوا يعتبرونها أسطورة المهرجان. فما بالنا بتوأمها العملاق المتواضع ييري بارتوشكا وقد لحق بها.
مع ذلك، الجيش لا يسقط أو يتراجع في غياب أو موت رئيسه أو أي فرد منه.. لأن هذا الجيش السينمائى في كارلوفي فاري مكون من مئات الأشخاص المتفانين. الحقيقة أن تأمل أركان المهرجان وتفاصيله وجميع الأفراد المشاركين في إنجاحه بدءا من المديرين ومساعدينهم، والفنين، والمترجمين، والنقاد، والصحفيين نساء ورجال، وفريق المكتب الصحفي المسئول عن استقبال الضيوف والتواصل معهم وتوفير كافة الخدمات الصحفية لهم لتيسير مهاهم، وتنظيم مواعيد عقد الحوارات بينهم وبين ضيوف المهرجان من النجوم الكبار وصناع الأفلام، وصولا للمتطوعين، كل هذا يجعلنا نؤكد على أن هناك جيشاً من عشاق السينما، يجمع بينهم الشغف بهذا الفن السابع، فيعملون بإخلاص لإنجاح مهرجانهم الأهم والأعرق والذي يعتبرونه وطنًاً آخر، أو كما قال رئيس المهرجان ييري بارتوشكا نفسه أثناء أزمة كورونا: « أن الأزمة تجعل العالم يعيش وقتاً مليء بالتحدي، لكنها أيضاً تُظهر إلي أي حد لا يمكن استبدال الفن والثقافة ودورهما في حياتنا بأي شيء آخر، تُظهر أن مشاركتنا هذه الخبرات عبر المشاهدة السينمائية قادرة على أن تُزيدنا ثراءاً.»