قراءة في الفيلم الكلاسيكي “المصور” إخراج إدوارد سيدجويك وباستر كيتون.
2025 ,15 تموز
حكم  غانم :صوت العرب - الاردن.
قليلة هي الأفلام التي تحفز العقل على التفكير واستقراء المستقبل، فما بالكم بفيلم من زمن السينما الصامتة.. ألا وهو فيلم "المصور" الذي انتج لصالح شركة مترو جولدن ماير في عام ١٩٢٨م، من إخراج إدوارد سيدجويك وباستر كيتون. 
وهو من بطولة باستر كيتون قام بدور (المصور)، والممثلة مارسيلين داي قامت بدور سالي ريتشاردز مساعدة فريق الأخبار، هارولد جودوين، سيدني برايسي، هاري غريبون (هينيسي)، الشرطي وكذلك شارك في التمثيل عدد من الممثلين لم تظهر اسمائهم في النسخة الأصلية للفيلم وهم ريتشارد ألكسندر بدور أحد منافسي باستر، إدوارد بروفي بدور الرجل الذي يُصر على مشاركة باستر غرفة تغيير ملابس، راي كوك، فيرنون دينت، ويليام إيرفينغ، تشارلز ليندبيرغ بدور نفسه في لقطات أرشيفية، بيرت مورهاوس، هاري كيتون، لويز كيتون، جوزفين القرد بدور القرد. 
وكان هذا أول فيلم لباستر كيتون مع شركة مترو غولدوين ماير بموجب عقد احتكار. يبدو أنه ندم عليه لاحقا بعد أن قيدته الشركة في تحكمه الابداعي في صناعة أفلامه.. مما جعله لا يستمر طويلا معها فبعد عامين انفصل عن الشركة وعاد للعمل كمستقل.
كما اعتبر الفيلم من قبل المعجبين والنقاد كأحد أفضل أفلام كيتون، أدى ذلك إلى وضعه في الأرشيف الوطني للأفلام عام ٢٠٠٥م لاعتباره "مهمًا ثقافيًا وتاريخيًا وجماليًا". كما أن النسخة الأصلية أصبحت ١ يناير ٢٠٢٤م لا يترتب عليها أي مشاكل قانونية تحت ما يسمى الملكية الفكرية.
"المصور" فيلم روائي مدته تقريبا 69 دقيقة. بالأسود وأبيض من حقبة السينما الصامتة وتدور أحداث القصة حول باستر، مصور بورتريه على أرصفة نيويورك، يُعجب بالفتاة سالي، التي يراها مع طاقم إخباري لشركة MGM حيث كانوا ينقلون الاحتفال لتكريم السباحة جرترود إدرلي، أول امرأة تعبر بحر المانش،وصدف أن الفريق توقف بقربه وصدف أن كانت أقرب إليه، فتعجبه فيسألها أن يلتقط لها صورة، فتوحي إليه موافقة.. لكنها تغادر على عجل دون أن تأخذ الصورة.. ويذهب إلى مقر الشركة ليعطيها الصورة. ومحاولة منه للتقرب منها يطلب من الشركة العمل بها  كمصور، ولكن الكاميرا التي معه لا تفيد للتصوير السينمائي.. وللعمل يتحتم عليه شراء كاميرا سينمائية، ولكن النقود لا تكفي لشراء كاميرا  حديثة التي يصل سعرها إلى 2500 دولار .. مما يدفعه إلى البحث عن كاميرا  أرخص مما يتحتم عليه فيشتري كاميرا قديمة نسبيا، ويحاول الحصول على وظيفة كمصور في MGM. مما يجعل باقي المصوريين العاملين في الشركة للنظر إليه كشخص ساذج .. خصوصا المصور هارولد الذي يظهر لنا  أنه بدوره يُخطط لإيقاع السكرتيرة سالي في علاقة معه.
أستغل كيتون هذا المشهد الأحتفالي لعدة أسباب درامية، وذلك لبناء قصة الرومانسية، نسج خلالها علاقة حب بريئة بين كيتون وسالي، معتمدا على الصمت وعزل البطل في إظهار رومانسية سينمائية عبر عنها في صور متلاحقة جعلت المشهد السينمائي متكامل مع النتيجة التي يراد بها أن تصل إلى المشاهد..
مع ذلك، فإن الفيلم تمت صياغته بأقل قدر من التعقيد وبعدد من الفصول لا تتجاوز 7 وبعدة مشاهد لكل فصل، أطولها الذهاب إلى المسبح.. وما جرى داخل هذا الفصل، بعدة مشاهد، أهمها مشهد غرفة تغير الملابس.. وهي غرفة ضيقة بالكاد تسع لشخص واحد.. حيث يصر شخص أخر على استخدام نفس الغرفة وبنفس الوقت.. وهنا تتجلى العملية الإبداعية لكيتون في بيان قدرته الجسدية في إثارة الضحك آن ذاك في عام 1928م . ثم المشهد الخارجي على البركة وفي السيارة كيف استغل كيتون جسده بعتماد حركات دقيقة في رسم السخرية بالتالي إثارة الضحك لدى الجمهور..
اما المشهد الأهم فكان مشهد (حرب تونغ) في الحي الصيني.. حيث قامت سالي وأبلغته بخبر عاجل تلقته للتو، مفاده أن أمرًا ما سيحدث في الحي الصيني.. بناء على ذلك حمل كاميرته في عجلة من أمره للوصول إلى هناك، في الطريق اصطدم بعازف أورغن، الذي كان مع قرد يرقص على أنغام معزوفاته.. أدى الاصطدام إلى وقوعه على القردة جوزفين ففقدت الوعي وظهرت أنها ماتت مما أضطر إلى دفع ثمن القرد إلى العازف وأخذ جثة القرد معه. يتبين لاحقا أن القرد لم يمت وأفاق من الصدمة ولم يجد إلا باستر فانضم إليه في مغامرته.
(حرب تونغ) هي عمليات تصفية بين عصابات في الحي الصيني نشاطاتها تشمل القانوني وغير القانوني في التجارة والقمار والدعارة والإتجار بها ومخدرات وغيرها.. في هذه المعارك تبدا تصفيات دموية للعاملين في تلك العصابات فيصل مصورنا كيتون للمكان ليبدأ في تصوير المذبحة مرات يكون مصورا ومرة مشاركا ليعيد تصوير المشهد مظهر كمية كبيرة من السخرية في المشهد للإضحاك كنتيجة للمفارقات العبثية والفوضوية التي ظهرت في الفيلم من خلال حركات وأداء تعبيري قام بها كيتون.. من أجل أ، يظهر واقعا مريرا لما يدور من قتل وذبح وتصفيات مجانية للإنسان.. ويظهر في مشاهده أيضا بعض الأدوات التي بدت كأدانة مبكرة للسينما بالتالي للإعلام.. وهنا في هذه المشاهد واللقطات لا يهتم المصور بنفسه بل في تثبيت الكاميرا ووضعها في الزاوية المناسبة لبيان الخبر.. دون اهتمام بما يجري -ويعني هنا الحيادية- وما الأرواح التي تفقد هنا تصبح ليست ذات قيمة مقابل الخبر .. وهذه المأساة الكبرى التي تتجلى في الإعلام الغربي في يومنا هذا..
بعد ذلك مشهد سباق القوارب الذي يكشف فيه حقيقة الإنسان وقيمه في مشهد بسيط أيضا. يحمل باستر كاميرته ويستعد لتصوير سباق القوارب الذي يشارك به سالي والمصور هارولد العامل في شركة مترو جولدن ماير  حيث ينطلقان بسرعة في أحد القوارب. عندما ينعطف قاربهما بشكل حاد جدًا ويُلقى بهما في النهر.. ينقذ هارولد نفسه ويترك سالي التي يحاصرها القارب الذي أصبح يدور على شكل دائرة محاصرا إياها وسط الماء.. بالطبع يتوقف باستر عن التصوير ويقفز إلى الماء لينقذ سالي التي يصل بها إلى الشاطئ ثم يتركها ليحضر لها أدوية للإفاقة.. أثناء ذلك يعود هارولد لتصحو سالي لتجد نفسها بين يديه مما يوح أن الفضل له في إنقاذها... ينطلق الاثنان.. يأتي باستر فيراهما من الخلف وهي لم تلفت للوراء.. فيقف جامدا حزين القلب خلفهما.. طبعا القرد جوزفين هي من مسك الكاميرا وصورت المشهد وهنا تلعب العبثية دورا كبيرا في صناعة وقوة المشهد.. ولما يعلم كل منهم.. لكن يقرر باستر  إرسال لقطاته المصورة من فيلم تونغ إلى MGM مجانًا. يقرر المدير عرضها على هارولد وسالي من أجل السخرية (التنمر) من عمل باستر للضحك، لكنه يفاجأ مما يراه.. وتكتشف سالي ما حصل في سباق القوارب ولقطة إنقاذها.. بالطبع يعجب المدير باللقطات المصورة ويصفها بأنها أفضل ما شاهده منذ سنوات...
يطلب المدير من سالي البحث عن باستر وإحضاره.. التي تخبره بأنه سيحظى باستقبال كبير. ويذهب مع سالي إلى مقر الشركة يتوافق ذلك مع الاحتفال في الإنجاز الذي حققه الطيار تشارلز ليندبيرغ بالسفر بين ضفتي المحيط الأطلسي.. يتصور باستر أن الاحتفال الضخم والمهيب يقام تكريما له، بينما هو في الحقيقة لمناسبة أخرى..
فيلم "المصور" .. ذو قصة بسيطة قام بإخرجها كل من  إدوارد سيدجويك وباستر كيتون اللذين صنعا هذا الفيلم.. وظهر كأيقونة سينمائية مؤخرا بعد 95 عاما وبعد دراسات ومقالات بدا أنه كان مؤثرة في الصناعة السينمائية.. وذلك بالأسلوب والشكل اعتمادا على الكوميديا.. التي ابدعها باستر كيتون الذي تمتع بموهبة في الإضحاك وقدرة على التعبير في السياق الدرامي للفيلم ..وكان له ذلك من خلال بناء قصة بسيطة لعلاقة حب غير معقدة صوره كيتون بطريقة اختلط بها العبث والفوضى والصورة والجسد والمكان لإيجاد السخرية معتمدا على قدراته التمثيلية بالإيماء كوسيلة تارة وباستخدام الحركات الدقيقة غير المتوقعة للجسد ينتج عنه صورة فيها سخرية من الواقع في النتيجة يتخللها نقدا للنظام بشكل عام ونقدا اجتماعيا لسلوك الأفراد..
وهنا لا بد أن أشير أن باستر كيتون هو من قام بالإعداد وكتابة السيناريو وكانت له الكلمة الأولى والأخيرة في صناعة الفيلم كمخرج وما ظهور اسم إدورد سيدجويك على ملصق الفيلم الأصلي وفي مقدمة التتر إلا بسبب قوانين شركة متروجولدن ماير التي تمنع ذلك فكان إدوارد يعمل كمخرج تنفيذيا للفيلم وذلك امتثالا لقوانين  شركة مترو جولدن ماير .. 
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون