وداعا ...عبد الوهاب الدكالي.. عميد الأغنية المغربية والصوتٌ الذي عبر إلى الوجدان العربي.
2026 ,10 أيار
الفنان المغربي الراحل عبد الوهاب الدكالي
صوت العرب:المغرب.
ظل الفنان المغربي الراحل عبد الوهاب الدكالي واحداً من أبرز الأسماء التي صنعت مجد الأغنية المغربية الحديثة، بعدما نجح طوال أكثر من ستة عقود في ترسيخ مدرسة فنية خاصة جمعت بين الأصالة المغربية والطرب العربي الكلاسيكي، ليصبح رمزاً فنياً تجاوز حدود المغرب إلى مختلف أنحاء الوطن العربي.
وُلد الدكالي بمدينة فاس في الثاني من يناير عام 1941، وسط أسرة محافظة تهتم بالفن والثقافة، وظهرت موهبته الفنية مبكراً، حيث تلقى دروساً في الموسيقى والرسم والتمثيل منذ طفولته، قبل أن ينضم أواخر خمسينيات القرن الماضي إلى “فرقة المعمورة” المسرحية التي أسهمت في صقل موهبته الفنية وتكوينه الموسيقي. 
بدأ عبد الوهاب الدكالي مسيرته الفنية فعلياً عام 1957، غير أن انطلاقته الحقيقية جاءت سنة 1959 عندما سجل أغنيته الأولى “مول الخال”، ثم أتبعها بأغنية “يا الغادي في الطوموبيل” التي حققت نجاحاً جماهيرياً كبيراً، وبيعت منها أكثر من مليون أسطوانة، لتتحول إلى واحدة من العلامات البارزة في تاريخ الأغنية المغربية. 
ولم يكن الدكالي مجرد مطرب يؤدي الأغاني، بل كان فناناً شاملاً جمع بين الغناء والتلحين والتمثيل، وامتلك قدرة خاصة على تطوير الأغنية المغربية من حيث الكلمة واللحن والتوزيع الموسيقي، مع حفاظه على الهوية المغربية الأصيلة. وقد تميزت أعماله بمزج الزجل المغربي العميق باللغة العربية الفصحى، إلى جانب تقديم ألحان حملت روح الطرب الشرقي دون أن تفقد خصوصيتها المغربية. 
وفي مطلع ستينيات القرن الماضي، انتقل إلى القاهرة حيث أقام لعدة سنوات، وهناك احتك بكبار نجوم الفن العربي أمثال عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب، الأمر الذي ساعده على تطوير تجربته الفنية والانفتاح على المدارس الموسيقية العربية الكبرى، ليعود لاحقاً إلى المغرب بنَفَس فني مختلف أسهم في تحديث الأغنية المغربية وإعطائها بعداً عربياً واسعاً. 
وعُرف الدكالي بتقديمه ألواناً غنائية متعددة، شملت الأغنية العاطفية والرومانسية والوطنية والإنسانية، إضافة إلى الأغنية الاجتماعية التي عالجت قضايا الإنسان والمجتمع بلغة شعرية راقية وألحان متجددة. ومن أشهر أعماله الخالدة “مرسول الحب”، و”ما أنا إلا بشر”، و”العاشقين”، و”أنا والغربة”، و”كان يا ما كان”، و”بلغوه سلامي”، و”سوق البشرية”، و”أنا مخاصمك”، وهي أعمال لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الفنية المغربية والعربية حتى اليوم. 
ولعب عبد الوهاب الدكالي دوراً محورياً في نقل الأغنية المغربية إلى الفضاء العربي، حيث اعتُبر واحداً من الجيل الذهبي الذي منح للأغنية المغربية مكانتها خارج حدود المغرب، بفضل جودة ألحانه وقوة حضوره المسرحي وخصوصية صوته الدافئ. وقد وصفه نقاد ومتابعون بأنه “حنجرة المغرب الذهبية” و”عميد الأغنية المغربية”، نظراً لما قدمه من إسهامات كبيرة في تطوير الموسيقى المغربية الحديثة. 
وشارك الدكالي في عدد كبير من المهرجانات الفنية العربية والدولية، وأحيا حفلات على أهم المسارح في المغرب والعالم العربي، كما حضر في مهرجانات الأغنية المغربية ومهرجانات القاهرة الفنية، وشارك في فعاليات ثقافية وموسيقية دولية كرّست مكانته كأحد سفراء الفن المغربي عربياً وعالمياً. 
كما خاض تجربة التمثيل السينمائي، وشارك في عدد من الأفلام من بينها “الحياة كفاح”، و”رمال من ذهب”، و”أين تخبئون الشمس؟”، و”أيام شهرزاد الجميلة”، إلى جانب اهتمامه بالفن التشكيلي، حيث نظم معارض فنية ورسم شخصيات عالمية وعربية بارزة. 
وخلال مسيرته الطويلة، حصل عبد الوهاب الدكالي على العديد من الجوائز والتكريمات العربية والدولية، من أبرزها جائزة الأسطوانة الذهبية عن أغنية “ما أنا إلا بشر”، والجائزة الكبرى لمهرجان الأغنية المغربية بالمحمدية عام 1985، والجائزة الكبرى بمهرجان الأغنية المغربية بمراكش عام 1993، إضافة إلى الجائزة الكبرى لمهرجان القاهرة سنة 1997. كما اختير عام 1991 أفضل شخصية فنية عربية في استفتاء أجرته مجلة “المجلة”، ونال أوسمة وجوائز فرنسية عدة، من بينها الجائزة الذهبية للفنون والحرف عام 2004، والجائزة الفرنسية الكبرى للإنسانية عام 2006. 
وفي عام 2013، وشحه العاهل المغربي الملك محمد السادس بوسام المكافأة الوطنية من درجة قائد، كما مُنح الدكتوراه الفخرية، وكرمه الفاتيكان في مناسبتين تقديراً لمسيرته الفنية والإنسانية. 
لقد استطاع عبد الوهاب الدكالي أن يحافظ على مكانته كأحد أعمدة الطرب المغربي والعربي، وأن يترك إرثاً فنياً كبيراً سيظل حاضراً في ذاكرة الأجيال، باعتباره واحداً من الفنانين الذين نجحوا في تحويل الأغنية المغربية من إطارها المحلي إلى فضاء عربي أوسع، دون أن تفقد روحها وهويتها الأصيلة.
رحل الدكالي وترك وراءة منجزا ابداعيا سيبقى في ذاكرة الاجيال.
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون