صوت العرب: الأردن.
ضمن فعاليات مهرجان الأغنية الأردنيّة 2025 أقيمت ندوة حواريّة بعنوان" الأغنية الأردنيّة بين التراث والتجديد" ، في المركز الثقافي الملكي،شارك بها كل من الدكتور "محمد غوانمة، والدكتور "علي الشرمان"، والدكتورة "هبه عباسي". وادارها الزميل رسمي محاسنة.
الدكتورة "هبة عباسي" استاذ مساعد في كلية الفنون والتصميم/الجامعة الأردنية، والتي شاركت في اول دورة لمهرجان الاغنية الأردنية، ولاحقا حاصلة على جائزة مهرجان الاغنية العربية في الرباط/المغرب، ولها مشاركات في العديد من المهرجانات، إضافة الى مشاركتها في لجان التحكيم، ولها أبحاث كثيرة في مجال الغناء والموسيقى، إضافة الى ما تقدمه من غناء شرقي وغربي ،وقيادة الجوقات.
الدكتور "هبه عباسي" قدمت في الندوه ورقة حول مستقبل الاغنية الاردنية،تناولت فيها عدة محاور، ونظرا لأهمية ماتم طرجه في الورقة، ننشرها كاملة في صوت العرب للثقافة والفنون.
المحور الأوّل: مستقبل الأغنية الأردنيّة... وأين تقف الأغنية الأردنيّة اليوم؟ وأين هي الأغنية الأردنية اليوم؟
عندما ننظر إلى الأغنية الأردنية اليوم، نجد أنها تقف على مفترق طرق مهم جدًا؛ فهي من جهة تمتلك رصيدًا تراثيًا عميقًا وثريًّا، ومن جهة أخرى تعيش حالة بحث حقيقي عن صوت جديد، وشكل فني معاصر يعبّر عن هُويّتنا الوطنيّة الأردنيّة في وقتنا الحاضر، والقرن الحادي والعشرين.
ومن وجهة نظري الشخصيّة لا نستطيع أن القول بأنّ الأغنية الأردنية اليوم تمرّ في مرحلة ضعف، لكنها تمرّ في مرحلة تحوّل.
يوجد جهود فردية وشابة تحاول أن تصنع لغة موسيقية جديدة تمزج بين التّراث... الهجيني والموال... والبوب والموسيقة الإلكترونيّة، وأيضًا بين اللهجة البدوية واللهجة الحضرية بقوالب حديثة.
لكن هذه الجهود ما تزال غير مؤسساتية، أي أنها قائمة على المبادرات الفردية أكثر من كونها جزءًا من "صناعة موسيقية" وطنية واضحة.
كما أنّ الأغنية الأردنية اليوم حاضرة على مستوى الجمهور عبر برامج المواهب، منصات التواصل الاجتماعي، والتيك توك، والانستغرام وغيرها...
لكن حضورها ليس ثابتًا، فهي تنتشر أحيانًا بقوة، ثم تتراجع… وهذا يعني أن لدينا مواهب قوية ولكن نقص في المنهجية والاستمرارية.
يوجد أيضًا ضعف في البنية التحتيّة من مثلًا توفّر شركات إنتاج أردنية قادرة على احتضان الفنان وصناعة مساره. وهذا يجعل الفنان الأردني يواجه السوق العربي منفردًا وهو تحدّي كبير.
كما أنّ التعليم الموسيقي موجود... لكنّه غير مرتبط بالصناعة يعني لدينا أقسام موسيقية في جامعاتنا الأردنيّة المرموقة والقوّة، لكن ما زال لدينا فجوة بين التعليم الأكاديمي وسوق العمل، لكننا بدأنا حقيقةً إدراك هذه الفجوة وبدأنا بالتحرّك، مثلا في الجامعة الأردنيّة والتي أعتزّ وأفتخر انني من ضمن الكادر التعليمي لهذا الصرح العلمي العريق، بدأنا بإعطاء مواد متخصّصة لربط الموسيقى والموسيقيين بسوق العمل، كما قمنا بطرح مواد جديدة تتناسب وسوق العمل كمادّة التأهيل الوظيفي ومادّة تكنولوجيا التعليم في قسم الموسيقى في كليّة الفنون والتصميم في الجامعة الأردنيّة، ليصبح الموسيقيين والفنانين الشاب يتعلّموا كيف يبنوا شبكات احترافيّة تترجم معرفتهم إلى إنتاج وصناعة. وهذا لوحده إنجاز حقيقي ويعتبر خطوة إلى الأمام في هذا المجال
ما مستقبل الأغنية الأردنية؟
المستقبل واعد… إذا توفرت المنظومة، وإذا وُجِد الاهتمام الأكثر في نشر الثقافة الموسيقيّة باعتبارها جزء أساسي وأصيل من هُويّتنا الوطنيّة الأردنيّة وليست ترف أو للتسلية فالموسيقى والثقافة والفنون بشكل عام تعتبر من أهمّ مفاتيح إطلاق الابداع لدي الشباب الأردني يللي نحنا دائما بنؤمن فيه وفي إبداعاتهم ومواهبهم.
نحن نملك العنصر الأهم: الموهبة. لكن ما ينقصنا هو "المنظومة الموسيقية" شركات إنتاج، استوديوهات متقدمة، دعم حكومي وثقافي، أرشفة وتوثيق، مهرجانات متخصصة، منصات عرض محلية حقيقية إذا اكتملت هذه العناصر، يمكن للأغنية الأردنية أن تصنع هوية واضحة وقوية جدًا.
وبرأيي المتواضع كباحثة في الموسيقى بأنه ممكن أن نحافظ على هويّتنا الموسيقيّة التراثيّة ولكن بصورة محدّثة وجديدة تتماشى مع روح العصر الحالي وتستخدم أدواته هذه الهوية الجديدة التي تدمج بين التراث والحداثة ستكون جاذبة عالميًا لأن العالم اليوم يبحث عن الأصالة داخل المعاصرة.كما ستحدد التكنولوجيا خلال السنوات القادمة شكل الأغنية الأردنية التي ستتطور عبر؛ الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتوزيع، والإنتاج المنزلي المحترف، والمنصات الرقمية، صناعة المحتوى القصير وهذه كلها أدوات يمكن أن تجعل الفنان والفنّ الأردني يصل للعالم دون وسيط.
وهنا أريد أن أسلّط الضوء على نقطة مهمّة جدًّا وهي جيل الشباب الذين يعتبروا المحرك الأساسي في هذا المجال فمن الممكن للفنّان الأردني أو اي شخص موهوب من غرفته بمنزله أن يقوم بصناعة أغنية ولأنّه أردني ينسبونها للأغنية الأردنيّة أي كانت ... تمثّل هويّة وطنيّة أم لا... وهؤلاء الشباب قادرين على انتاج أغانيهم الخاصّة وبأسلوبهم هو الذي يقود للتغيير وممكن القول للتحويل غير المرغوب أو للتشويه.
هذا الجيل لا يخاف من التجريب، لذا يجب علينا أن نفهم وندرك المغزى العميق من حديث جلالة الملك عبدالله حفظه الله ورعاه في خطاب العرش السامي والذي أكّد فيه على تمكين الشباب وأن الاستثمار في الشباب يبدأ من الوعي والمعرفة والقيم وأنّ الثقافة هي جزء أصيل من بناء هُويّتنا الأوطنيّة الأردنيّة.
هذا الجيل الجديد من الشباب هو القادر على إيجاد "الموجة الأردنية" الجديدة التي تجمع بين الأصالة والإيقاع الحديث.
حيث يقع على عاتق هذا الجيل الجديد مسؤوليّة كبيرة في حفظ التراث وتناقله بصورة تليق بصورة الأردنّ وتحافظ على هُويّتنا الموسيقيّة الوطنيّة والأردنيّة.
الأغنية الأردنية اليوم تتمهّد لولادة شكل جديد يحمل روح التراث لكن بملامح عصرية قادرة على مخاطبة المستمع العربي والعالمي.
المستقبل مبشّر جدًا إذا انتقلنا من الجهود الفردية إلى مشروع وطنيّ متكامل، يربط بين وزارة الثقافة، نقابة الفنانين، الجامعات، وشركات الإنتاج. وعندها فقط… يمكن أن تتصدر الأغنية الأردنية المشهد العربي وتقدم هويتها المميزة للعالم.
المحور الثاني: تجديد الأغنية الأردنية في العصر الحديث (التقنيات الحديثة – الموجة الشبابية – الدمج بين التراث والمعاصر)
عندما نتحدث عن تجديد الأغنية الأردنية اليوم، فنحن أمام ثلاث مسارات رئيسية؛ التكنولوجيا، والموجة الشبابية، والدمج الذكي بين التراث والمعاصرة.
التجديد في الأغنية الأردنية اليوم قائم على ثلاث ركائز: التكنولوجيا، والموجة الشبابية، والدمج بين التراث والمعاصر. ومن فوائده أنه رفع جودة الإنتاج، وفتح الباب لانتشار الأغنية الأردنية عربيًا عبر المنصات الرقمية، وأعطاء الشباب مساحة للتعبير بروح جديدة، وأعادة صياغة التراث بطريقة حديثة بحيث تجعل هويتنا الموسيقية حاضرة وقريبة من الجيل الجديد.
لكن هذا التجديد من الممكن أن يواجه تحديات كبيرة، أهمها كلفة الإنتاج المحترف، وضعف المؤسسات الداعمة، وانتشار أعمال شبابية سريعة تعتمد على الترند أكثر من الجودة، إضافة إلى الدمج غير المدروس الذي قد يؤدي أحيانًا لفقدان هوية التراث، أو تحويله لقالب تجاري بعيد عن أصله.
التحدي الحقيقي اليوم هو إيجاد توازن بين الحداثة والأصالة، وتوفير بيئة مهنية تحمي التراث وتدعم الإبداع الشاب في الوقت نفسه.
المحور الثالث: دور الجامعات والمدارس في دعم الأغنية الأردنية وإدراجها في المناهج
أحد المؤشرات المهمّة على قيمة الأغنية الأردنية اليوم هو دخولها إلى المؤسسات التعليمية: المدارس والجامعات ومناهج وزارة التربية والتعليم. وهذا ليس تفصيلًا صغيرًا، بل دليل واضح على أن الأغنية الأردنية أصبحت جزءًا من ثقافتنا التربوية وهويتنا الوطنية.
اهتمام وزارة التربية والتعليم بإدراج الأغنية الأردنية في المنهاج من خلال تحديث مناهج الفنون والموسيقى، حيث حرصت الوزراة على اختيار نماذج من الأغنية الأردنية لتعريف الطلبة على تراثهم الموسيقي. إذا لم يكن الهدف لم يكن فقط الترفيه أو الغناء، بل تعليم الطلبة أنماط الإيقاع، اللحن، اللهجة، والقيم المرتبطة بالأغنية الأردنية. كما أنّ وجود الأغنية الأردنية في الكتب المدرسية يعني أنها أصبحت جزءًا من التربية الوطنية والثقافية للأطفال من عمر مبكّر.
كما أنّ للجامعات التي تقدّم التعليم الموسيقي دور في تعزيز الهوية الموسيقية الأردنية مثلا لدينا الجامعة الأردنية وأكيد ايضا جامعة اليرموك تتعامل مع الأغنية الأردنية باعتبارها مادة دراسية وتحليلية، تُدرّس ضمن مساقات: الثقافة الموسيقية العربية، التربية الموسيقية، تاريخ الموسيقى في الأردن، العزف والغناء الجماعي. وهذا يؤكد أن الأغنية الأردنية ليست فقط فنًا شعبيًا، بل موضوعًا أكاديميًا يستحق التحليل والبحث والتوثيق. يعني تعليم الموسيقى الأردنيّة والتراثيّة في الجامعات لها قيمة تعليمية، وتربوية، وفنية وموسيقية، كما أنّها حماية للهويّة الوطنيّة فهي وسيلة لغرس الانتماء وتنمية التربية المدنيّة وحبّ الأرض وحبّ الوطن والتعلّق بالأرض، وسيلة لنقل التراث، وسيلة لفهم الجغرافيا والثقافة واللهجة، وتبقى الوسيلة الأهمّ في تعزيز الهوية الأردنية لدى الأجيال القادمة.
وفي هذا السياق يأتي الاهتمام بالأغنية الأردنيّة التراثيّة والوطنيّة ضمن رؤية وليّ العهد الأمير حسين بن عبدالله حفظه الله ورعاه في توثيق السرديّة الأردنيّة حيث أنّ الموسيقى والأغاني التراثيّة والفنون بجميع اشكالها والثقافة بشكل عام تعتبر من أهمّ الطرق والوسائل لتدوين هذه السرديّة ولكن يجب تدوينها بطريقة تناسب جيل الشباب
يعني التحدّي الحقيقي هو: كيف نعيد تقديم هذه الأغنية للجيل الجديد بطريقة تشبهه ولا تفقد أصالتها؟
إذا أردنا أن تصل هذه الأغاني إلى جيل الشباب، فلا بد من إعادة تقديمها بمنطق العصر: توزيع حديث، محتوى بصري معاصر، تعاون بين الأجيال، ومنصات رقمية. وبهذه الطريقة يصبح التراث حيًا… ليس محفوظًا في الكتب فقط، بل متداوَلًا بين الشباب بصوتهم وطريقتهم وذائقتهم."