كتاب المسرح الغنائي في مصر..للدكتورة ياسمين فراج.. بين استعادة الذاكرة وإعادة قراءة التاريخ الثقافي.
2026 ,26 حزيران
صوت العرب :القاهرة.
يمثل كتاب الدكتورة ياسمين فراج «المسرح الغنائي في مصر.. من البدايات حتى نهاية القرن العشرين» - من اصدارات الهيئة العربية للمسرح - ، إضافة نوعية إلى حقل الدراسات المسرحية العربية، ليس فقط لأنه يتناول فناً ظل لعقود طويلة خارج دائرة الاهتمام النقدي الكافي، بل لأنه يقترب من المسرح الغنائي بوصفه ظاهرة ثقافية واجتماعية وجمالية أسهمت في تشكيل الوعي الفني المصري خلال القرن العشرين.
وتكمن أهمية هذا العمل في نجاحه في تحقيق توازن دقيق بين التوثيق والتحليل. فالمؤلفة لا تكتفي بجمع المادة التاريخية وترتيبها زمنياً، بل تسعى إلى بناء رؤية معرفية تجعل من الكتاب مرجعاً علمياً قادراً على تتبع مسارات هذا الفن وتحولاته، وربطها بالسياقات الاجتماعية والثقافية التي أنتجته. ومن هنا يتحول تاريخ المسرح الغنائي إلى نافذة لفهم تحولات المجتمع المصري ذاته، بما شهده من تغيرات في البنية الاجتماعية وأنماط التفكير والذائقة الفنية.
ومن أبرز القضايا التي يعالجها الكتاب سعيه إلى تفكيك الالتباس المفاهيمي الذي أحاط طويلاً بالمصطلحات المرتبطة بهذا الفن، ولا سيما التداخل بين مفهوم «المسرح الموسيقي» و«موسيقى المسرح». فالدراسة تنطلق من إدراك أن الموسيقى قد تكون عنصراً مساعداً داخل العرض المسرحي، لكنها في المسرح الغنائي تتحول إلى مكوّن بنيوي يشارك في بناء الحدث والشخصية والصراع الدرامي، الأمر الذي يمنح هذا الفن خصوصيته ويؤكد استقلاله الجمالي.
وفي هذا السياق تبرز تجربة سيد درويش بوصفها محطة تأسيسية في تاريخ المسرح الغنائي المصري. فالكتاب يقرأ إسهاماته من زاوية وعيه المبكر بالطاقة الدرامية للموسيقى، وإدراكه أن اللحن يمكن أن يكون أداة تعبير مسرحي لا تقل أهمية عن الكلمة أو الأداء. ومن خلال هذه الرؤية أسهم في نقل الأغنية من وظيفتها الترفيهية إلى فضاء التعبير الدرامي المرتبط بحركة الشخصيات وتطور الحدث.
ولا تنفصل هذه المقاربة الفنية عن البعد التاريخي الذي يشغل مساحة مهمة من الدراسة، إذ ترصد التحولات التي عرفها المسرح الغنائي في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية، ولا سيما بعد ثورة يوليو 1952. فالفن هنا لا يظهر بوصفه نشاطاً معزولاً، بل باعتباره انعكاساً للتحولات الكبرى التي مست المجتمع المصري وأعادت صياغة أولوياته الثقافية ورؤيته لدور الفنون في المجال العام.
كما يكشف الكتاب عن الخصائص التي منحت المسرح الغنائي المصري حيويته واستمراره، وفي مقدمتها قدرته على استيعاب الألوان الغنائية المختلفة وتوظيفها داخل البناء الدرامي. فقد استطاع هذا الفن أن يفتح فضاءه لأشكال متعددة من الغناء الشعبي والطربي والاستعراضي، وأن يحول هذا التنوع إلى عنصر إثراء فني أسهم في توسيع قاعدة جمهوره وتعزيز حضوره الثقافي.
ولا تغفل الدراسة الإشارة إلى الإشكاليات التي واجهت هذا الفن في مراحله المتأخرة، ومنها التوسع في استخدام التسجيلات الصوتية المسبقة بدلاً من الغناء الحي فوق خشبة المسرح. وهي ظاهرة تتجاوز بعدها التقني لتطرح أسئلة تتعلق بطبيعة العرض المسرحي نفسه، وبالعلاقة بين الأداء المباشر وجمالية التلقي.
في المحصلة، لا يقتصر الكتاب على توثيق تاريخ المسرح الغنائي المصري، بل يقدم قراءة عميقة لمساره الفني والثقافي، ويعيد الاعتبار لفن كان شريكاً أساسياً في صناعة الوجدان المصري الحديث. ومن هذه الزاوية يغدو العمل مساهمة جادة في حفظ الذاكرة الفنية من النسيان، وفي إعادة قراءة جانب مهم من التاريخ الثقافي العربي من خلال أحد أكثر فنونه ثراءً وتعقيداً.
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون