بين الواقع والتخييل: قراءة في مقدمة رواية " الممثلون".
2026 ,14 حزيران
د.محمد سيف:صوت العرب -باريس.
تُعد رواية   الممثلون The Comedians  للكاتب البريطاني غراهام غرين ، التي نُشرت لأول مرة سنة 1966 عن دار نشر The Bodley Head ( بُودلي هِد) في لندن، من أبرز الروايات السياسية في الأدب الإنجليزي المعاصر. تدور أحداثها في هايتي خلال حكم الديكتاتور فرانسوا دوفالييه المعروف بـ“بابا دوك”، حيث يمتزج العنف السياسي بالخوف والفساد والاغتراب الإنساني. غير أن أهمية الرواية لا تكمن فقط في عالمها السردي، بل أيضًا في مقدمتها التي تتحول إلى فضاء نقدي وتأملي يطرح أسئلة عميقة حول علاقة الكاتب بشخصياته، وحدود التخييل والواقع في العمل الروائي، وطبيعة الكتابة بوصفها إعادة تشكيل فني للتجربة الإنسانية.
يمكن قراءة هذه المقدمة بوصفها "عتبة نصية" بالمعنى الذي يمنحه غراهام غرين لمفهوم الباراتيكس (Paratexte)، أي ذلك الفضاء الوسيط بين النص والقارئ، حيث لا تكتفي المقدمة بوظيفة تمهيدية، بل تصبح خطابًا يوجّه تلقي الرواية ويكشف فلسفة الكاتب في الإبداع.
منذ السطور الأولى، يعتمد غرين أسلوبًا يقوم على الاعتراف الموارب؛ فهو يستخدم ضمير المتكلم ويبدو كأنه يتحدث عن ذاته، لكنه في الوقت نفسه ينفي أن تكون شخصياته انعكاسًا مباشرًا لسيرته الشخصية. وهنا يظهر توتر أسلوبي بين الإفصاح والإنكار، إذ يعترف الكاتب لكي ينفي، وينفي لكي يثير الشك. هذا التردد يمنح النص بعدًا حداثيًا، لأن الذات لم تعد كيانًا ثابتًا وشفافًا، بل أصبحت ذاتًا إشكالية ومتعددة. ويتجلى هذا البعد التأملي أيضًا في البناء الأسلوبي للجمل الطويلة والمتشعبة، التي تعتمد على الاعتراضات والتفاصيل التفسيرية، مما يجعل اللغة تبدو وكأنها تفكر أثناء الكتابة. فالمقدمة لا تقدم أفكارًا جاهزة، بل تحاكي حركة الوعي ذاته، وهو ما يقرّبها من تقنيات الرواية النفسية الحديثة. ومن أبرز الصور البلاغية في النص استعارة “مطبخ اللاوعي”، حيث يشبه غرين عملية الكتابة بعملية كيميائية تغلي داخل مناطق غامضة من النفس. فالشخصيات، في نظره، لا تُنسخ من الواقع نسخًا مباشرًا، بل تُعاد صياغتها داخل مختبر الخيال. وتكشف هذه الاستعارة تأثرًا واضحًا بالمناخ الفكري لما بعد فرويد، إذ يصبح اللاوعي شريكًا في إنتاج النص، لا مجرد خلفية نفسية له.
وفي المقابل، تتضمن المقدمة سخرية ضمنية من القراءة البيوغرافية الساذجة التي تطابق بين المؤلف والراوي. فعندما يذكر الكاتب أن بعض القراء اعتبروه قاتلًا أو مقامرًا أو عاشقًا غيورًا بسبب شخصياته، فإنه ينتقد التصور الذي يختزل الرواية في سيرة ذاتية مقنّعة. وهنا تتحول المقدمة إلى دفاع عن استقلال التخييل، وإلى تأكيد أن الأدب ليس مرآة فوتوغرافية للواقع، بل إعادة إنتاج فني له.
ومع ذلك، لا يقطع غرين الصلة بين الرواية والعالم الواقعي؛ فهو يؤكد أن هايتي، والعنف السياسي، ونظام دوفالييه، كلها عناصر حقيقية، بينما تبقى الشخصيات متخيلة. ومن خلال هذا التداخل بين الواقعي والمتخيّل، تكتسب الرواية شرعية تاريخية وأخلاقية دون أن تتحول إلى وثيقة سياسية مباشرة.
وتكشف المقدمة أيضًا عن سؤال الهوية بوصفه أحد محاور الرواية الأساسية. فشخصية "براون" لا تمثل المؤلف، رغم التقارب الدلالي بين الاسمَين براون وغرين، وكأن الكاتب يلمح إلى أن التشابه النفسي أو اللغوي لا يعني التطابق. بذلك تصبح الهوية في الرواية هوية متحركة وملتبسة، لا جوهرًا ثابتًا.
إن قوة هذه المقدمة لا تكمن في بلاغتها الزخرفية، بل في كثافتها الفكرية وهدوء نبرتها وقدرتها على تحويل نص قصير إلى تأمل عميق في ماهية الرواية. فهي مقدمة تؤدي وظيفة جمالية ونقدية وفلسفية في آن واحد، وتختزل تصور غراهام غرين للأدب بوصفه تحويلًا فنيًا للتجربة الإنسانية داخل مختبر الخيال، لا مجرد اعتراف ذاتي أو تسجيل مباشر للواقع. 
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون