د.محمد سيف :صوت العرب - باريس.
مقدمة: بين التحليل وزحزحة البداهة
يندرج كتاب "المسرحانية: قراءة في العرض التجريبي المصري" ضمن المشاريع النقدية التي لا تكتفي بإعادة ترتيب معارف قائمة، بل تسعى إلى مساءلة الأسس التي تنتجها. فالمسرح، في هذا التصور، لا يُفهم بوصفه تاريخًا تراكميًا للأشكال، بل بوصفه حقلًا تتنازع داخله الخطابات، حيث تتشكل المفاهيم تحت ضغط السياقات الثقافية والمعرفية. غير أن ما يمنح هذا المشروع خصوصيته ليس فقط طابعه التحليلي، بل انفتاحه الضمني على أفق تفكيكي يزعزع استقرار المفاهيم ذاتها. فالتجريب، كما يطرحه الكتاب، لا يظهر كمفهوم قابل للتحديد النهائي، بل كأثر لخلل في نظام المعنى، وكعلامة على أن الخطاب المسرحي لم يعد قادرًا على احتواء ذاته داخل حدوده التقليدية.
أولاً: من الماهية إلى الكيفية… ومن التعريف إلى الأثر
يؤسس الكتاب تحوّله المنهجي المركزي عبر الانتقال من سؤال "ما هو التجريب؟" إلى "كيف يُنتج التجريب؟". غير أن هذا الانتقال، في عمقه، لا يكتفي بإعادة توجيه السؤال، بل يقوّض افتراضًا ضمنيًا بوجود ماهية مستقرة يمكن الإمساك بها. فالتجريب لا يسبق ممارساته، بل يتشكل من خلالها؛ لا يُعرَّف، بل يُستدل عليه بوصفه أثرًا لعلاقات تتجاوزه. ومن ثم، يصبح خطابًا يتحدد داخل شبكة من القوى حيث تتداخل المعرفة بالسلطة، في أفق يذكّر بتصورات ميشيل فوكو حول إنتاج الخطاب وشروط إمكانه. هنا، لا يعود السؤال: ماذا يعني التجريب؟ بل: ما الذي يسمح له بأن يعني؟
ثانياً: إعادة الأقلمة… من التكيّف إلى الاختلال
يستعين المؤلف محمد سمير الخطيب بمفهوم "إعادة الأقلمة"، المستمد من تصورات جيل دولوز، لتفسير انتقال التجريب إلى السياق المصري، غير أن هذا الانتقال لا يُفهم بوصفه عملية تكيّف منسجمة، بل كتجربة توتر واختلال؛ إذ يفقد المفهوم، أثناء ترحاله، استقراره الأصلي، ليُعاد تشكّله داخل جدل مستمر بين خطاب وافد يعيد طرح نفسه، وخطاب محلي يعيد تأويله دون أن يستوعبه كليًا. هذا التوتر لا ينتج تطابقًا، بل اختلافًا. فالتجريب، في لحظة تموضعه داخل الثقافة المصرية، لا يُستوعَب بالكامل، بل يُحدث شروخًا داخل البنية التي يستقر فيها، ويُعاد تشكيله كدلالة متحركة، لا كنموذج ثابت. ومن هنا، يمكن فهم الجدل الذي رافقه بوصفه صراعًا على المعنى، لا مجرد اختلاف في التذوق الجمالي.
ثالثاً: المسرحانية… من المفهوم إلى ما يفلت منه
تتجلى الإضافة المفاهيمية الأبرز في اقتراح "المسرحانية" بوصفها بديلاً عن "المسرحة". غير أن هذا البديل لا يعمل على استبدال مفهوم بآخر، بقدر ما يكشف حدود كل تحديد. فإذا كانت المسرحة تشير إلى فعل قابل للتعيين، فإن المسرحانية تحيل إلى ما يتبقى حين يفلت الحدث المسرحي من الاختزال. إنها ليست بنية مكتملة، بل عملية تشكّل مستمر، تتقاطع فيها الأبعاد الجمالية والمعرفية في لحظة "الآن وهنا"، لا بوصفها حضورًا مكتملًا، بل كأثر لغياب مؤجل. بهذا المعنى، لا يعود المسرح تمثيلًا، بل حدثًا ينتج معناه وهو يتفكك، ويترك أثرًا لا يُستعاد إلا بوصفه اختلافًا.
رابعاً: التجريب بوصفه تفكيكًا ومقاومة
يعيد الكتاب تأطير التجريب بوصفه ممارسة مزدوجة تنشغل، من جهة، بتفكيك استقرار البنى الدلالية، ومن جهة أخرى، بمساءلة النموذج المسرحي المهيمن. غير أن هذا البعد المقاوم لا يتحقق عبر خطاب تصريحي مباشر، بل من خلال زعزعة البنية العميقة للعلاقة بين الدال والمدلول. فالعرض التجريبي لا يسعى إلى إنتاج معنى بديل بقدر ما يعرّي هشاشة المعنى ذاته، ويدفعه إلى حافة الانفلات، حيث يغدو التأويل حركة مفتوحة لا تستقر. ضمن هذا الأفق، يتقاطع تصور التجريب مع نقد فريدريك نيتشه لفكرة الأصل، حيث يُفهم الإبداع بوصفه انبثاقًا للاختلاف لا إعادة إنتاج للتماثل أو المحاكاة، كما يتجاور مع أفق التفكيك لدى جاك دريدا، حيث لا يعود النص حاملاً لمعنى مكتمل، بل فضاءً يتأجل فيه المعنى باستمرار، وينفتح على لعب دلالي لا نهائي يقاوم كل محاولة للإغلاق أو التثبيت.
خامساً: الإطار المنهجي وتحليل العروض: بين الصرامة والتفكك
يقترح الكتاب إطارًا منهجيًا ثلاثيًا لتحليل العروض التجريبية، يتمثل في: التمثيل المعرفي وعلاقته بالسلطة، البنية التواصلية وعلاقة العرض بالمتلقي، والبنية البصرية بوصفها منتجًا للفضاء المسرحي. يمنح هذا التقسيم الدراسة قدرًا واضحًا من الصرامة التحليلية، إذ يتيح مقاربة متعددة المستويات للعرض المسرحي، لا تختزله في بعد واحد. وقد تم تطبيق هذا الإطار على مجموعة من العروض المصرية في تسعينيات القرن العشرين.
العرض الإخراج الإنتاج السنة
اللعبة منصور محمد صندوق التنمية الثقافية 1991
تحية حليم وليد عوني مسرح الأوبرا 1997
قالت الراوية كارولين خليل مؤسسة المرأة والذاكرة 1999
الضفيرة نورا أمين فرقة لاموزكا 2000
حيث تحدث الأشياء محمد شفيق مسرح الشباب 2000
دوديتللو سامح مهران مركز الهناجر للفنون 2001
وهو ما يضفي على المشروع بعدًا تطبيقيًا يختبر فاعلية أدواته النظرية داخل الممارسة. غير أن أهمية هذا الإطار لا تتجلى فقط في قدرته على التنظيم، بل في ما يكشفه تطبيقه من توتر داخلي. إذ سرعان ما تتداخل هذه المستويات الثلاثة إلى حد يصعب معه تثبيتها كطبقات مستقلة، فتغدو الحدود بينها قابلة للاهتزاز. هنا، لا يعود المنهج مجرد أداة تحليل، بل يتحول إلى موقع مساءلة. ومن هذا المنظور، يظهر ما يمكن تسميته بـ"التناقض الخلّاق" في المشروع: بين نزوع إلى بناء نموذج تحليلي منضبط، وحركة تفكيكية كامنة تقوّض إمكانية تثبيت هذا النموذج. فكل محاولة للفصل بين المعرفي والتواصلي والبصري سرعان ما تنكشف بوصفها إجراءً إجرائيًا لا يعكس سيولة الظاهرة المدروسة. وعليه، فإن هذا التوتر لا يُحسب نقصًا في المنهج، بل يُعد مؤشرًا على طبيعة موضوعه؛ إذ يكشف حدود أي مقاربة تسعى إلى الإحاطة بظاهرة يتأسس منطقها على الانفلات والتداخل. وهكذا، يتحول الإطار المنهجي من بنية مغلقة إلى أفق مفتوح، لا يقدّم يقينًا تحليليًا بقدر ما يتيح إمكان مساءلته.
سادساً: في أفق النقص المنتج
لا يقدّم الكتاب مشروعًا مكتملًا بقدر ما يتركه مفتوحًا على نقصه. فالكثافة الفلسفية، رغم ما تمنحه من عمق، تجعل النص أقل انفتاحًا على القارئ غير المتخصص، كما أن غياب المقارنة يحدّ من اتساع الأفق. غير أن هذا "النقص" يمكن قراءته بوصفه جزءًا من منطق النص ذاته، الذي لا يسعى إلى الإحاطة، بل إلى فتح المجال أمام أسئلة لا تُغلق.
خاتمة: المسرح بوصفه أثرًا مؤجلًا
في النهاية، لا يعيد الكتاب تعريف التجريب بقدر ما يعيد زعزعته. فهو لا يقدّم مفهومًا مستقرًا، بل يكشف استحالة استقراره. ومن خلال "المسرحانية"، لا يؤسس بديلًا نهائيًا، بل يشير إلى ما يستعصي على التحديد داخل التجربة المسرحية. هكذا، يغدو المسرح لا ما يُعرض، بل ما يتبقى من العرض؛ لا ما يُفهم، بل ما يؤجل الفهم. وفي هذا التأجيل تحديدًا، تتجلى قيمته: كأثر مفتوح، لا يتوقف عن الانفلات من كل محاولة لإغلاقه داخل معنى نهائي.
كلمة لا بدّ منها
لا يكتفي كتاب "المسرحانية" بإعادة توصيف التجريب المسرحي، بل يشتغل على زحزحة موقعه داخل الحقل النقدي، محوّلًا إياه من ممارسة جمالية إلى أفق معرفي تتقاطع فيه أنظمة الخطاب. فالتجريب، في هذا السياق، لا يُفهم بوصفه إضافة شكلية إلى بنية المسرح، بل كآلية تعيد مساءلة الشروط التي ينتج ضمنها المعنى ذاته. ومن خلال هذا التحول، يفتح الكتاب إمكانًا مغايرًا لقراءة المسرح، لا من داخل منجزه الجمالي فحسب، بل عبر تشابكه مع السلطة والثقافة بوصفهما محدِّدين خفيين لحدود القول والرؤية. وهكذا، لا يقدّم العمل نموذجًا نقديًا بديلًا بقدر ما يقوّض وهم النماذج المستقرة، مؤسسًا لمقاربة تجعل من المسرح فضاءً لإنتاج المعرفة، لا مجرد وسيط لتمثيلها.
ملاحظة: يتكوّن الكتاب من أربعة فصول وخاتمة، ويبلغ عدد صفحاته 387 صفحة.