عاد نادي (آفاق اللغة) الى حواراته الشهرية، حيث تمت مناقشة وحفل توقيع رواية" الرصاصة الأخيرة" للكاتب "عمار حامد" والفائزة بجائزة تتول لعام 2025، لمسابقة ادب السجون والحرب في سوريا. وذلك في قاعة "شركة زين" في مجمع الحسين للأعمال، حيث ادارت السيدة "سوسن زعرور" الأمسية الأدبية،وسط حضور كبير من أعضاء النادي وضيوفهم.
وقدّم الزميل الناقد "رسمي محاسنة" قراءة في الرواية، تلاها نقاش معمق مع الحضور، تناول مختلف عناصر الرواية، وبعده تم حفل توقيع الرواية.
الوقت هنا لا يقاس بالثواني بل بالايقاع،والقناص الحقيقي لا يطلق النار بل يعزف.
رسمي محاسنة: صوت العرب - الأردن.
منذ البداية يضعنا الكاتب عمار حامد، القادم من عالم النقد السينمائي والترجمة، امام شخصية، تم صناعة افكارها ومستقبلها، وادت بها في النهاية الى حالة من التشظي، ومتوالية من الازمات، واسئلة بلا أجوبة عن الذات، والدور والوجود.
أسئلة عن مسار حياته الذي لم يخطط له، انما كانت البداية مع رصاصة اصابت الهدف، في حصة تدريبية في بداية خدمته العسكرية، لينتبه اليه احد الضباط، ويضعه ضمن فريق القناصين المؤمنين بالنظام والقائد، تحت شعار “القائد او نحرق البلد”، ليتوالى الرصاص، من صومعة القناص على سطح احد البنايات، التي عاش فيها اقصى درجات العزلة
كانت علاقته مع العالم الخارجي، فقط من خلال “عين” بندقيته، وهو يتتبع رصاصته الأولى التي وجهها الى “راس” شخص لا يعرفه، لتصبح البندقية جزءا منه، ومع كل رصاصة يفقد جزءا من ذاته، وكيف يتحول إلى مجرد عين تراقب، واصبع يضغط على الزناد، فكل شخص يتحرك في الشارع، هو هدف مشروع، وهو "احد المندسين الخونة الذين يريدون تسليم البلد للعدو”.
يأخذنا الكاتب الى عالم القناص، بما يعيشه من أجواء خانقة، وافكاره المشوشة، وروحه المهشمة، وهذا الدمار الخارجي بكل ما فيه من قسوة وعنف، يلقي بظلاله على روحه التائهة، ويترك ندوبا عميقه فيها، ووقوفه على الحافة بلا يقين، في مواجهة غير محسومة بين تحديد من الضحية ومن الجلاد.
“القناص” هنا بلا اسم، ربما في دلالة إلى ان في داخل كل واحد منا جزء منه. القلق والخوف، والذكريات المترسبة في النفس، والكثير من الشعارات التي مرت علينا وصدقناها، وبعضنا عاش من اجلها، وما تلاها من خيبات امل وانكسار، وهدر للزمن والقيم.
والكاتب ”عمار حامد” لا يبحث عن ادانة، او تبرير، ولم يقدم نموذجا بطوليا، ولا شيطانيا، ولا اضاءة على حياته المهنية، انما الذهاب الى تلك الأعماق في النفس وترسباتها والنبش فيها، والعناصر التي تداخلت في تكوينها، بدءا من بيت الاسرة، وعنف والده، وأحلامه المجهضة، ولاحقا تلك الشعارات التي اوهموه بها، والقائد المفدى، والاشرار، وحتى الموت الذي اصبح مجرد فكرة ضبابية بالنسبة له، ليختزل هذا التاريخ من الوهم امام الحقيقة الصاخبة، التي أوقفت العزف الذي عاشه في متوالية الموت والحياة، ليجد ان القائد قد هرب، وان كل رفاق السلاح اختفوا، وبقيت معه رصاصة أخيرة، مثل تلك الاليات العسكرية التي تركها افرادها واختفوا بهروب القائد.
يقدم الكاتب متلازمة بعنوان “شريط اخباري” في بداية كل فصل، ليس بهدف توثيق احداث الفترة من 26 تشرين الثاني ولغاية 9 كانون الأول 2024، وانما تشريح دواخل القناص، والاهم من ذلك عمره الذي يتلاشى، فالقناص يموت ببطء مع كل رصاصة “تعزف” أصابعه بها، وتأخذ روحاً تسقط امامه، وكما تتشظى روح القناص، فان الزمن يتداخل، بالذكريات والاسئلة، ومعنى الوجود ،عن الذكريات التي تحضر من العائلة والحبيبة والقائد عن هذا الخليط الذي تشكل بداخله، ليقرر مصيره، وعن هذه المألات التي اّل اليها، بسب معاني الانتماء، والهوية، ومجموعة التحولات على المستوى الفردي والمستوى الجمعي، والتي أوصلت به الى هذا المكان بكل ما فيه من جنون، حيث كانت "نافذته" على العالم الخارجي من خلال عين بندقيته ، ولم يكن يدرك منظومة الفساد والكذب والاستئثار بالسلطة ومقدرات البلد، التي كانت تدور تحت ستار الخوف والقمع والتستر وراء شعارات فرضت بقوة التفرد بالسلطة.
ومن المهم الإشارة الى قدرة الكاتب على بناء جو خانق، بهذا النفاذ الى منظومة التناقض في داخل نفس القناص، في نص سردي مشحون بالتوتر، والاسئلة والمسائلة، وذوبان المكاشفة ما بين الخارج والداخل، وان الرصاصة عند “عمار حامد” ليست مجرد رصاصة يختفي اثرها بعد اطلاقها، انما يرتد اثرها الى الروح، وكأنها بعد ان تقوم بفعلها، ترتد من الضحية الى القناص نفسه، في عملية قتل بطيء يتراكم مع كل رصاصة.
يذهب الكاتب الى الأصعب في السرد والبناء، فكما يعيش القناص وحيدا ومعزولا على السطح يرى العالم من خلال عين بندقيته، فان غياب الشخصيات الأخرى وحواراتها جزءا من تعميق هذه العزلة، لان الكاتب أراد ان يعرض للشمس تلك المنولوجات الداخلية، والتداعيات التي يتداخل فيها الزمان والمكان، ولذلك نسمع صوته الداخلي، ومحاولاته للامساك بما تبقى من روحه التي كانت تتسرب مع كل “عزف على الزناد”.
هذا التشظي في الشخصية، وأزمة الوقوف على الحافة، واستحضار الذاكرة، برع الكاتب بتقديمها بلغة اعتمدت الجملة القصيرة المكثفة و المتوترة، التي تحمل ايقاعها الداخلي، المتناغم مع إيقاع قلب القناص المحكوم بالقلق واسئلة الوجود.
واختم بحيرة القناص وهو يسير بين هتافات الناس المستبشرة بالوضع الجديد”: وتظل الأسئلة تطاردني هل اطلق النار على نفسي أولا؟ ام على خيالاتي التي اختارتها الأيديولوجيات؟؟.
الرواية تستحق القراءة بتأمل لان الكاتب لا يبحث عن تصوير او توثيق وقائع، انما التقاط لحظة عالية قبيل انهيار الشخصية بقليل.
رواية ”الرصاصة الأخيرة” هي الرواية الأولى للكاتب “عمار احمد حامد ”،والفائزة بجائزة تتول لعام 2025، لمسابقة ادب السجون والحرب في سوريا.