المهرجان الدولي للفن التشكيلي بتطوان في المغرب..مساحة للحوار الإنساني عبر الفن والمجتمع المغربي الراقي والذاتي.
2026 ,19 أيلول
فاطمة البكاري – صوت العرب: تطوان، شمال المغرب
في مقابلة حصرية لموقع «صوت العرب»، خلال مشاركتها في النسخة السادسة من المهرجان الدولي للفن التشكيلي بمدينة تطوان شمالي المغرب، تقول الفنانة التشكيلية الدكتورة تمارا الشبخون، إنها تؤمن بأن الفنان يعترف بما يرسمه وما يتركه من أثر فكري وجمالي في محيطه ليبقى ذكرى حاضرة في ذهن المتلقي.
والفن بالنسبة لها ليس مهنة منفصلة عن الحياة، بل هو طريقة في قراءتها والتعبير عنها، ومساحة تلتقي فيها مع الإنسان والذاكرة والمكان.
كيف أصبحتِ الدكتورة تمارا فنانة تشكيلية؟ وقربينا أكثر من مسيرتكِ الإبداعية؟
لم أصبح فنانة في لحظة محددة، أشعر أن الفن كان يتكون وينمو داخلي منذ وقت مبكر. ثم أخذ ينضج معي مرحلة بعد أخرى، حيث بدأت علاقتي بالرسم بوصفه شغفًا، ثم تحول إلى دراسة ومعرفة وبحث أكاديمي وتجربة حياتية.
ومع مرور السنوات أدركت أن الفن ليس إتقانًا للتقنية فقط، وإنما هو وعي بالعالم وقدرة على إعادة صياغته بصريًا، لذلك أرى مسيرتي الإبداعية رحلة مستمرة بين الحس والمعرفة، وبين ما أشعر به وما أفكر فيه، وبين ما أراه في الواقع وما أريد أن أقوله من خلال اللوحة.
إلى أي مدرسة فنية يمكن أن نصنف أعمالك؟
لا أحب أن أحصر تجربتي داخل تسمية مدرسية مغلقة، لكن تجربتي تميل إلى التجريد والتعبيرية والرمزية، فأتَعامل مع اللون والشكل والرمز باعتبارها مفردات لغة بصرية، وأمنح نفسي حرية الانتقال بينها بحسب الفكرة والحالة الشعورية.
بالنسبة لي، الأسلوب الحقيقي للفنان لا يصنعه الانتماء إلى مدرسة معينة، بقدر ما تصنعه بصمته الشخصية، ليرى المتلقي العمل ويشعر بأن وراءه روحًا وهوية يمكن التعرف إليهما.
من أين تستوحين أفكار أعمالكِ الفنية؟
أستوحي أعمالي من الحياة بكل تناقضاتها، من الإنسان والمرأة والمدينة والذاكرة، ومن تفاصيل قد تبدو بسيطة لكنها تحمل الكثير بداخلها معاني ودلالات كبيرة.
كما أن الموروث العراقي والحضاري حاضر في ذاكرتي البصرية، لكنني لا أتعامل معه بوصفه شيئًا من الماضي، بل مادة قابلة لإعادة القراءة بلغة معاصرة.
فأحيانًا تبدأ اللوحة من فكرة، وأحيانًا من لون أو إحساس أو مشهد عابر، ثم تأخذ طريقها الخاص. فالعمل الفني بالنسبة لي لا يولد كاملًا، وإنما ينمو أثناء الحوار بيني وبين سطح اللوحة.
حدثينا عن أول لوحة فنية أنجزتِها؟
ربما لا أتذكر أول لوحة بتفاصيلها اللونية والشكلية فقط، بقدر ما أتذكر إحساس تلك اللحظة، عندما كانت لحظة اكتشاف أنني أستطيع أن أقول باللون ما قد لا أستطيع قوله بالكلمات.
ولهذا تبقى الأعمال الأولى مهمة لأنها تمثل البذرة الأولى واللحظة التي بدأ فيها الصوت الداخلي يتحول إلى صورة مرئية، وعندما أعود بذاكرتي إليها أشعر أنني لا أنظر إلى لوحة قديمة، بل إلى بداية الطريق.
هل حققت تمارا ما كانت تطمح إليه من خلال هذا التخصص؟
الحمد لله، حققت الكثير مما كنت أطمح إليه أكاديميًا وفنيًا، لكنني لا أحب أن أتعامل مع النجاح بوصفه محطة نهائية.
وحصولي على الدكتوراه وعملي بالتدريس والعمل الفني والثقافي، والمشاركات والمعارض، جميعها محطات أعتز بها، لأنها تفتح لي طموحات جديدة أكثر مما تغلقها.
الفنان الذي يشعر بأنه وصل إلى النهاية، قد يتوقف عن الاستكشاف والبحث والتقصي، وأنا لا أزال أرى أن أمامي مساحات واسعة للتجريب والعمل، لكي أترك أثرًا أكثر رسوخًا في المشهد التشكيلي العراقي والعربي والعالمي.
المنصب لا يمنح للإنسان قيمته، بل القيمة الحقيقية هي ما يستطيع أن يقدمه من خلاله
كيف تقيمين دورك في النقابة؟
دوري في نقابة الفنانين العراقيين مسؤولية ثقافية، قبل أن يكون موقعًا إداريًا. الفنان يحتاج إلى مؤسسة تحمي مكانته وتدعم حضوره وتفتح أمامه مساحات للمشاركة والتواصل وإظهار تجربته الفنية.
ومن موقعي كعضو هيئة إدارية في الشعبة التشكيلية، أحاول أن أكون قريبة من قضايا الفنانين وأن أسهم في النشاطات والمبادرات التي تعزز حضور الفن التشكيلي.
وبالنسبة لي، المنصب لا يمنح الإنسان قيمته، بل القيمة الحقيقية هي ما يستطيع أن يقدمه من خلاله.
هل الفنان التشكيلي العراقي حقق ما يطمح إليه؟
الفنان العراقي يمتلك تاريخًا بصريًا عريقًا، وتجارب فنية مهمة، حيث قدم أسماء تركت حضورًا وازنًا داخل العراق وخارجه.
لكن الطموح الفني لا يتعلق بقدرة الفنان وحده، فهناك منظومة كاملة تشمل المؤسسات الثقافية وقاعات العرض والنقد والإعلام وسوق الفن والاقتناء العام والخاص.
لذلك أعتقد أن الفنان العراقي يمتلك إمكانات كبيرة، لكنه لا يزال بحاجة إلى بيئة أكثر دعمًا واستدامة، لتجعل الفن جزءًا أصيلًا من الحياة الثقافية والاجتماعية، لا نشاطًا موسميًا أو هامشيًا.
هل تعتبرين اللوحة إبداعًا فنيًا فقط أم رسالة موجهة إلى المتلقي؟
بالنسبة لي، اللوحة إبداع ورسالة في الوقت نفسه، لكنني لا أحب أن تكون رسالتها مباشرة أو تلقينية، فالعمل الفني الحقيقي يفتح للمتلقي نافذة لكي يرى ويسأل ويشعر ويؤول.
فقد أضع في اللوحة تجربتي وذاكرتي ورموزي، لكنني عندما أنتهي منها أترك لها حريتها في أن تعيش داخل ذاكرة الآخر، وهنا يكمن جمال الفن، لتبدأ اللوحة من ذات الفنان وتكتمل في عين المتلقي.
كيف كانت مشاركتك في المهرجان الدولي للفن التشكيلي بتطوان؟
كانت مشاركتي في مهرجان تطوان من أروع المشاركات الدولية التي شاركت فيها، حيث أعتبرها أكثر من حضور فني مميز، بل كانت مساحة للحوار الإنساني عبر الفن والمجتمع المغربي الراقي والذاتي.
وقد نجد الشعور بأن اللوحة حين تغادر مرسم الفنان تبدأ حياة أخرى في عيون المتلقي، شعور مذهل، وأن اختلاف الثقافات يفتح نوافذ جديدة للفهم والتقارب.
فبالنسبة لي كانت تطوان تجربة جميلة التقى فيها اللون بالمكان، والذاكرة بالحوار، والفنان بالإنسان.
وكل الشكر والتقدير للجمعية المغربية للثقافة والفنون المنظمة لهذا المحفل الفني السنوي وباقي الشركاء، لما يقومون به من أجل الارتقاء بالذوق العام، والتعريف بتاريخ مدينة تطوان ومن خلالها المغرب.
حين يعجز الخطاب السياسي عن جمع المختلفين، قد تنجح لوحة أو موسيقى أو قصيدة في خلق مساحة مشتركة بينهم الى أي حد يمكن لمثل هذه اللقاءات أن تجيب عن الصراعات والتوترات التي يتخبط فيها العالم؟
أؤمن أن الفن لا يمكن أن يوقف الحروب بقرار، لكنه يستطيع أن يواجه جذورها في الوعي الإنساني.
فحين يعجز الخطاب السياسي عن جمع المختلفين، قد تنجح لوحة أو موسيقى أو قصيدة في خلق مساحة مشتركة بينهم.
فهذه اللقاءات لا تنهي الصراعات مباشرة، لكنها تبني شيئًا أكثر عمقًا واستدامة، لنجد ثقافة الاعتراف بالآخر.
وربما يبدأ السلام الحقيقي من هذه المساحات الصغيرة التي نتعلم فيها أن نرى الإنسان وفنه قبل هويته واختلافه.
نبذة تعريفية عن تمارا الشبخون/فنانة تشكيلية عراقية.
خريجة بكالوريوس جامعة الموصل / كلية الفنون الجميلة.
ماجستير ودكتوراه جامعة بغداد / كلية الفنون الجميلة / قسم الفنون التشكيلية / فرع الرسم.
تدريسية في معهد الفنون الجميلة.
عضو مسؤول في الهيئة الإدارية للشعبة التشكيلية في نقابة الفنانين العراقيين – المركز العام.
عضو مسؤول في الهيئة الإدارية للجانب الثقافي في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين – المركز العام.
عضو في نقابة المعلمين.
مساهمة في العديد من الأنشطة الفنية في المؤسسات الثقافية ووزارة الثقافة العراقية.
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون