فاطمة عبدالله : صوت العرب - جزر القمر.
مدرسة الوعي النقدي هي منهج نقدي يرى أن النص لا يحمل معنى فقط، بل يحمل بنية وعي تكشف الإنسان الذي يقترحه النص.وتنطلق من سؤالين أساسيين:ما بنية الوعي التي يجسدها النص؟أي إنسان يقترحه النص؟فالناقد لا يكتفي بما يقوله النص، بل يبحث عن الشعور المسيطر الذي يشكّل قيم الشخصيات ورؤيتها وسلوكها، وكيف يتحرك هذا الوعي ويتحوّل، ثم ما الذي يفعله في وعي المتلقي.
باختصار:عن ماذا يقول النص؟ إلى أي وعي يصنعه النص؟
لا تبدأ هذه القراءة بالسؤال المعتاد: ماذا أراد الكاتب أن يقول؟ فهذا سؤال يبحث عن قصد. منهج الوعي النقدي يبدأ بسؤال مختلف: ما بنية الوعي التي يجسدها النص؟ وأي إنسان يقترحه؟ فالنص هنا لا يُقرأ بوصفه رسالة، بل بوصفه كشفًا عن شكل من أشكال الوعي الإنساني.
بصمة الوعي: العار بوصفه بنية
تبدأ القصة بانقطاع التيار الكهربائي، لكن المتأمل في حركة النص يكتشف أن الذي ينقطع فعليًا ليس التيار وحده، بل عين المجتمع الرقابية.
يصف الراوي نفسه بأنه كان "يحيا سنيني الأخيرة ميتًا على نحو ما" — عبارة تكشف حالة انطفاء داخلي، لا مبالاة تصل إلى حد العجز عن التعبير حتى عن الحزن. والدليل على عمق هذا الانطفاء أنه يشعر "بحاجة هائلة للبكاء" فلا يبكي، بل ينحرف انفعاله نحو الغناء.
هنا تبدأ نقطة التحول: الظلام يمنح الراوي ما كان الضوء يحرمه منه — إخفاء الذات. يقول: "وددت لو أجري صارخًا ما أستطيع، دون أن يتعرف عليّ أحد في هذه الظلمة"، ثم: "كأني أفلت من مراقبة ما." هاتان العبارتان تكشفان بصمة الوعي التي يقوم عليها النص كله: العار. فالإنسان في هذا النص لا يخاف الظلام، بل يخاف أن يُرى. وحين تغيب عين الآخر، يتحرر الصوت، ويرتفع الغناء، ويشعر الجسد بالخفة.
والمفارقة المركزية هنا أن الحرية التي يعيشها الراوي ليست تحررًا من العار ذاته، بل تحرر مؤقت بفضل الاختفاء منه. فالإنسان المتحرر فعلًا يستطيع أن يكون ذاته وهو مرئي؛ أما هذا الإنسان فلا يقدر على ذلك إلا حين تسقط عنه عين الآخر.
من الوعي الفردي إلى الوعي الجمعي
لا يترك النص القارئ أمام تجربة فردية معزولة. حين يصمت الراوي ويصغي، يسمع أصوات الناس من حوله في الظلام، فيقول: "كل شبح بصوت، وكل صوت بأغنية." في هذه اللحظة يكتشف أن ما يعيشه ليس خاصًا به وحده — الجميع كانوا يحملون العبء نفسه. في الضوء: أشباح تتحرك تحت الرقابة. وفي الظلام: أصوات تستعيد ذاتها.
بهذا الانتقال، تتحول بنية الوعي في النص من الفردي إلى الجمعي: العار لم يعد شعورًا شخصيًا، بل بنية تحكم المجتمع بأكمله — كل فرد يخشى أن يظهر على حقيقته، وكل فرد يراقب نفسه ويراقب غيره في آنٍ واحد.
ومن هذه البنية تتولد إحدى أخطر نتائج مجتمع يحكمه العار: الازدواجية. ذاتٌ للعلن وذاتٌ للخفاء، سلوكٌ أمام الناس وسلوكٌ حين يغيبون. والأخطر أن الفرد لا يكتفي بالخوف من نظرة الآخرين، بل يتحول هو نفسه إلى جزء من منظومة المراقبة، فيراقب غيره كما يراقب نفسه. تنغلق بذلك دائرة: العار ← إخفاء الذات ← الازدواجية ← مراقبة الآخرين ← مزيد من العار.
حركة الوعي في النص
يمكن تتبع حركة الوعي في القصة على النحو التالي: انطفاء داخلي ولا مبالاة ← حاجة للبكاء دون بكاء ← اختفاء عين المجتمع ← انكشاف الذات ← الغناء كتعبير عن الحياة ← إحساس بالتحرر ← اكتشاف أن الجميع يعيشون الشعور نفسه ← تحول العار الفردي إلى وعي جمعي ← الخوف من عودة التيار وعودة الرقابة.
والنهاية بالغة الدلالة: بمجرد أن يتوقع الراوي عودة التيار، "يرتعش" صوته و"تروغ" الأغاني. فعودة الضوء تعني عودة إمكانية الرؤية، ومعها عودة الوعي القديم. لذلك لا ينتهي النص بتحرر حقيقي، بل بكشف الحاجة إلى تحرر لم يتحقق بعد. التحول الوجداني قد حدث، لكن بنية الوعي نفسها لم تتغير.
أي إنسان يقترحه النص؟
يقترح النص إنسانًا منفصلًا عن ذاته تحت سلطة عين الآخر، إنسانًا لا يقدر أن يكون نفسه إلا حين يختفي. لكنه، في الوقت نفسه، يكشف مأزق هذا الإنسان: لقد أصبح الاختفاء شرطًا لحريته لا استثناءً منها. ومن هنا يبقى السؤال الذي يتركه النص مفتوحًا: هل تحرر الإنسان من العار، أم أنه وجد فقط مكانًا يختبئ فيه منه؟
«هذه اللحظة» إذن ليست قصة عن انقطاع الكهرباء، ولا عن الغناء في الظلام فحسب، بل قصة عن الوعي الذي تصنعه عين المجتمع، وعن إنسان قد يعيش عمره كله مرتديًا وجهًا اجتماعيًا، بينما لا تظهر ذاته الحقيقية إلا حين ينطفئ الضوء. وربما لهذا كان أجمل ما في النص أن الظلام لم يكشف الأشياء، بل كشف الإنسان.
*" هذه اللحظة" للكاتب محمد المخزنجي.
يقول المخزنجي:" انقطع التيار، فجأة، وأنا في الشارع. سادت الظلمة، وأحسست أنني ـ على غير انتظار ـ أنبعث في هذا الليل.
بدا العالم حولي كأنما ولد من جديد في هذه اللحظة. بدا طازجا وأليفا خلال صفاء الظلمة، حتى أن هواء الليل البارد قد استحال نسيما يرطب جبهتي، ويملأ صدري بالانتعاش.
شعرت على نحو مفاجئ أنني أفتقد الحياة، أفتقد الحياة حقا منذ أمد بعيد. وغشاني اليقين أنني كنت أحيا سنيني الأخيرة ميتا على نحو ما.
شعرت بحاجة هائلة للبكاء، المحرق، وودت لو أجري صارخا ما أستطيع، دون أن يتعرف عليّ أحد في هذه الظلمة.
لكنني اكتشفت المدى اللانهائي من الراحة، في الغناء. راح صوتي يتعثر، حتى سلست" الدندنات"، ثم انبثقت في فضاء الروح مقاطع الأغنيات الحلوة، البسيطة البعيدة، التي ظننتها ماتت في نفسي من قديم.
أخذ أدائي يُشجيني كلما جلوت صوتي بالغناء. وكنت أتمادى فأشعر كأني أفلت من مراقبة ما، كأني أُعتق من شيء يكبلني، وأنطلق خفيفا خفيفا في رهافة الظلمة، وبراحها.
انتبهت إلى نفسي وقد بلغ شدوي حد ارتفاع الصوت، فسكت متلفتا أتحسب استغراب الناس الماضين -كأشباح- في الظلمة حولي. لكن هنيهة خجلي تحولت إلى دهشة عندما أرهفت السمع، واقفا في ظلمة الشارع الكبير.
سمعتُ ما يُشبه همهمات خافتة، ثم تبيَّنتُ النَّغم في تداخل الأصوات، وكأن أفراد فرقة موسيقية –مُختفية في مكان ما- يضبطون آلاتهم قُبيل ابتداء العزف. رحت أميّز اختلاف الأصوات واإاني كلما مرّتْ بي أشباح الناس في الظلمة. كل شبح بصوت، وكل صوت بأغنية، وكل الأغاني كانت مفعمة بالشجو والشجن..
عدتُ أواصل سيري والغناء، وكان صوتي يرتعش، وتروغ الأغاني، كلما أوجستُ عودة التيار بغتة".