ورشة الجسد والإحساس الداخلي ضمن مهرجان مسرح الرحالة الدولي للفضاءات المغايرة.
دعاء مأمون : صوت العرب - الأردن.
قبل أن يقول الممثل جملته الأولى يكون جسده قد قدم معلومات كثيرة عنه. طريقة الوقوف، النفس، موضع اليدين، النظرة والخطوة الأولى؛ أشياء قد تكشف خوف الشخصية أو ارتباكها أو ثقتها، حتى لو حاول الكلام أن يقول شيئًا آخر. هذه هي المنطقة التي تناولتها ورشة "الجسد والإحساس الداخل" التي قدمها المخرج سعيد سلامة على مدار يومين، ضمن مهرجان مسرح الرحالة الدولي للفضاءات المغايرة في دورته الخامسة. أقيمت الورشة في قاعة المعارض بالمركز الثقافي الملكي، خلال دورة المهرجان الممتدة من 23 إلى 26 آب، وشارك فيها ستة منتسبين.
خصص اليوم الأول لعلاقة الجسد المسرحي بالإحساس البشري. الفكرة تبدو بديهية في ظاهرها؛ فالخوف يغير التنفس، والحزن يبطئ الحركة، والغضب يشد الجسد. لكنها تصبح أكثر تعقيدًا حين تنتقل إلى التمثيل. ليس المطلوب أن يقلد الممثل هيئة الخائف أو الحزين، وإنما أن يجد الأثر الذي تركته الحالة في جسد الشخصية نفسها.
هناك فرق واضح بين حركة جاءت لأن الممثل يشعر بدافعها وحركة أضيفت كي يقال إن الشخصية متوترة. الثانية قد تكون مفهومة، وربما صحيحة شكليًا، لكنها سرعان ما تصبح متوقعة. نرى الانحناءة المحفوظة للحزن والارتجاف الجاهز للخوف والقبضة التي تعلن الغضب قبل أن نصدق أيًا منها. العمل على الإحساس الداخلي يحاول الابتعاد عن هذا القاموس السريع. فالأشخاص لا يحملون مشاعرهم بالطريقة نفسها، والجسد المسرحي لا يفترض أن يحولهم إلى نسخ متشابهة. قد يخفي شخص خوفه في كتفيه، بينما يظهر عند آخر في سرعة الكلام أو في قدم لا تستقر. حتى السكون قد يكون ممتلئًا بالتوتر.
لهذا تدخل في تدريب الممثل تفاصيل تبدو صغيرة: كيف يتنفس، إلى أين ينظر، أين يضع ثقله، وكيف يدخل إلى المكان أو يخرج منه. وهي لا تعمل منفردة. نظرة العين لا تنقذ جسدًا بقي خارج الحالة، والحركة الواسعة لا تعني الفرح دائمًا، كما أن البطء ليس حزنًا بالضرورة.
الجسد لا يزين الإحساس، بل يمنحه صورة يمكن رؤيتها. وفي الجهة الأخرى، الإحساس هو الذي يمنع الحركة من أن تصبح تمرينًا شكليًا. هذه العلاقة تحتاج إلى وعي وتحكم، لكن التحكم لا يعني أن يبدو الممثل مشدودًا أو منشغلًا بعرض مهارته. المطلوب أن يعرف ما يفعله ثم يجعل الحركة تبدو وكأنها ولدت في لحظتها. وجود ستة مشاركين فقط يناسب، من حيث المبدأ، تدريبًا يعتمد على ملاحظة التفاصيل الفردية. لكل جسد عاداته اليومية التي تدخل معه إلى المسرح من دون استئذان: شخص يكرر الإيماءة ذاتها، وآخر يواجه كل الحالات بالوقفة نفسها، وثالث يترك وجهه يؤدي بينما يبقى باقي جسده محايدًا. الانتباه إلى هذه العادات يسبق محاولة التخلص منها أو توظيفها.
في اليوم الثاني انتقل موضوع الورشة إلى بناء الفراغ بتقنيات الجسد المرتبطة بالبانتوميم. لم يعد السؤال كيف يظهر الإحساس على الممثل فقط، بل كيف يستطيع هذا الممثل أن يصنع مكانًا أو شيئًا لا وجود ماديًا له أمامنا.
فتح باب متخيل، صعود درج، لمس جدار أو سحب حبل تبدو أفعالًا سهلة حين توصف بالكلام. على الخشبة تحتاج إلى دقة شديدة. إذا وضع الممثل مقبض الباب عند مستوى معين، فعليه أن يجده في المكان نفسه عندما يعود. وإذا كان الباب ثقيلًا، يجب أن تظهر مقاومته في الجسد لا في تكشيرة الوجه وحدها. أي تغير عشوائي في الحجم أو المسافة يكشف اللعبة سريعًا. الأمر لا يتعلق بتقليد الحركة العامة. صعود الدرج، مثلًا، يحتاج إلى ضبط ارتفاع الخطوة والمسافة بين الدرجات وتحول مركز الثقل والجهد المبذول. والممثل مطالب بأن يتذكر ما صنعه قبل لحظات، لأن الشيء المتخيل يصبح حقيقة ملزمة له ما دام موجودًا داخل المشهد.
الاتجاه والمستوى والسرعة والإيقاع والمسافة هي التي تمنح الفراغ حدوده. انحناءة واحدة قد توحي بسقف منخفض، وانتقال محسوب قد يخلق ممرًا طويلًا، وتكرار اللمس في النقطة نفسها يثبت الجدار. لا يوجد ديكور، ومع ذلك يمكن أن تظهر غرفة كاملة إذا حافظ الجسد على منطقها.
في هذا المعنى يلتقي موضوع الورشة مع فكرة الفضاءات المغايرة التي يحملها المهرجان. الممثل قد يعمل في قاعة أو ساحة أو ممر، لا فوق خشبة مجهزة بكل ما يحتاجه. قدرته على التعامل مع المكان وصناعته تصبح عندها جزءًا من أدائه، وليست مهمة مؤجلة إلى أن يأتي الديكور. ويظل الدماغ حاضرًا خلف الحركة. البانتوميم لا يقوم على الخيال وحده، بل على ذاكرة جسدية وحساب للمسافة والوزن والمقاومة. الممثل يرى الشيء أولًا، يحدد تفاصيله، ثم يتصرف أمامه إلى درجة تسمح للآخرين بتخيله. وإذا اختلت الدقة، عاد الفراغ فارغًا كما كان.
اختيار الإحساس الداخلي لليوم الأول وبناء الفراغ لليوم الثاني أعطى الورشة مسارًا مفهومًا. يبدأ الممثل من شيء لا يراه أحد داخله، ثم يحاول منحه شكلًا في جسده. وبعدها يستخدم الجسد نفسه ليجعل الآخرين يرون شيئًا غير موجود في الخارج. يومان لا يكفيان لإتقان لغة الجسد أو البانتوميم، وهما ليسا بديلًا عن التدريب الطويل. لكن الورشة تضع أمام الممثل سؤالًا يستحق أن يبقى معه: هل يتحرك لأن الحركة ضرورية، أم لأنه لا يعرف ماذا يفعل بجسده حين يصمت؟