رسمي محاسنة:صوت العرب - الاردن.
فقدت الساحة الفنية والغناء الحقيقي واحداً من نجومها، برحيل الفنان الكبير فؤاد حجازي، الذي أمضى أكثر من ستة عقود في رحاب الفن، وظل صوته حاضراً في ذاكرة الأردنيين من خلال أغنياته الوطنية والعاطفية والتراثية، ومن خلال حضوره المميز على المسرح، وقدرته على الوصول إلى الجمهور ومشاركته الغناء.
ظهرت بوادر موهبته في وقت مبكر، منذ أيام الدراسة، لكن اللحظة التي رسمت ملامح حياته الفنية جاءت عام 1965، عندما رافق فرقة لبنانية كانت تزور الأردن، ثم عين في الإذاعة الأردنية بتوصية من الأمير نايف. وهناك أدرك الفنان جميل العاص، الذي كان يرأس القسم الموسيقي في الإذاعة، أنه أمام موهبة شابة تستحق الرعاية، فكانت أول أغنية خاصة لحجازي من ألحانه، وهي "منديلي ضاع"، ثم جاءت الأغنية الوطنية "عالميدان يا ابن الأردن"، لتبدأ رحلة طويلة مع الغناء الأردني.
الموهبة والدراسة
لم يكن حجازي من الفنانين الذين اكتفوا بما منحهم الصوت من موهبة، فقد غادر إلى سورية ليدرس ويؤهل صوته، وكان يقدم الحفلات في الوقت نفسه، لتتسع تجربته ويبدأ حضوره في عالم الغناء والتمثيل.
وخلال مسيرته تعاون مع عدد كبير من الملحنين الأردنيين والعرب، من بينهم جميل العاص، ومحمد وهيب، وروحي شاهين، وضرغام بشناق، وكرامة حداد، وتوفيق النمري، ومحمد الأدهم، وإميل حداد، كما تعاون مع محمد الموجي، وإلياس الرحباني، وإبراهيم جودت، وأمين الخياط وغيرهم. وكانت هذه الشراكات جزءاً من تجربة غنائية واسعة تركت رصيداً كبيراً من الأغنيات.
الأردن في صوته وأغنياته
كان انتماء فؤاد حجازي للأردن واضحاً في حياته وفنه، ولم تكن الأغنية الوطنية عنده مناسبة عابرة، بل كانت مساحة أساسية في مشروعه الغنائي. غنى للأردن بحماس وعاطفة، وحمل الأغنية الوطنية إلى المهرجانات والمسارح داخل المملكة وخارجها، وظل يردد "الأردن عشقي".
ومن أغنياته الوطنية "من غيرك يا حبيب الشعب"، و"عاش الوطن يا سيدي"، و"علي الدار"، و"سيد الرجال"، و"سيد الأصحاب والأنساب"، و"راية بلدي"، إلى جانب أعمال أخرى قدمها في مناسبات وطنية مختلفة. وكان صوته القوي وحضوره المسرحي يمنحان هذه الأغنيات طاقة خاصة، فيما كان الجمهور يجد فيها صورة من مشاعره تجاه الوطن.
أما في الأغنية العاطفية والتراثية، فقد ترك حجازي مجموعة من الأعمال التي بقيت قريبة من الناس، ومنها "يا طارق"، و"يا بنية ماني فرنجي"، و"شالك يا حلوة"، و"أنا المتيم"، و"إني نازل عالمدينة"، و"يا سمارة"، و"يا قمر طاب السهر"، وغيرها. وكان قادراً على الانتقال بين الأغنية الشعبية والطربية والعاطفية، كما قدم الابتهالات والأغنيات الدينية، واهتم بالأغنية التراثية وسعى إلى إبقائها حاضرة لدى الأجيال الجديدة.
الطفل كان حاضراً في تجربته
ولم يتوقف حضور فؤاد حجازي عند الغناء للكبار، فقد كان للطفل مكان مهم في تجربته الفنية. قدم وأنتج أعمالاً وبرامج للأطفال، من بينها مسلسل "سفينة الزمن"، وهو عمل تاريخي من ثلاثين حلقة تناول في كل حلقة شخصية أو عالماً من علماء الحضارة العربية والإسلامية، وحقق العمل حضوراً لافتاً، وحصل على الجائزة الأولى والميدالية الذهبية في مهرجان الإذاعة والتلفزيون في تونس.
كما ارتبط اسمه ببرنامج "قطار ومحطات"، وقدم أعمالاً أخرى للأطفال مثل "أطفال المستقبل" و"زيارة"، وشارك في أعمال غنائية وتربوية وتوعوية موجهة للصغار. وكان يرى أن الأغنية يمكن أن تكون وسيلة للتربية والتثقيف إلى جانب المتعة.
وخلال مسيرته شارك أيضاً في برامج المنوعات، وعمل مع عدد من المخرجين الأردنيين والعرب، وقدم برنامج "المبدعون الصغار"، الذي منح من خلاله الأطفال مساحة للغناء والتعبير واكتشاف المواهب.
رحلة السينما
كانت لفؤاد حجازي تجربة مع السينما، سواء بالغناء أو بالتمثيل، في مرحلة مهمة من تاريخ السينما العربية. شارك في فيلم "رحلة عذاب" مع ناهد شريف وتوفيق الدقن، وفي "بنات للحب" مع نيللي وأحمد رمزي، كما شارك في "حبيبي مجنون جداً" مع زبيدة ثروت وزياد مولوي ومجدي الحسيني، وظهر في "عاصفة على البتراء" بالغناء. وقد أضافت هذه التجربة جانباً آخر إلى مسيرته، قبل أن يعود ويتفرغ بصورة أكبر للغناء.
وكانت له مشاركات واسعة في المهرجانات الأردنية والعربية، كما غنى أمام الجاليات العربية في الولايات المتحدة، وشارك في مهرجانات وحفلات تركت له حضوراً خارج الأردن أيضاً، وحصل خلال مسيرته على عدد من الجوائز والتكريمات.
صوت ..وجمهور ..وذاكرة
كان فؤاد حجازي من أولئك الفنانين الذين لم تكن علاقتهم بالأغنية منفصلة عن علاقتهم بالناس. كان يصعد إلى المسرح فيجد الجمهور شريكاً له، يردد معه الأغنيات ويحفظ كلماته، ولذلك بقيت أعماله حاضرة بعد مرور سنوات طويلة على تسجيلها.
رحل فؤاد حجازي، لكن صوته سيبقى في الأغنيات التي حفظها الناس ورددوها، وفي الذاكرة الوطنية التي ساهم في صياغة جانب منها، وفي الأغنية العاطفية والتراثية التي قدمها بصوته الخاص. لقد كان من جيل آمن بأن الفن عمل ومسؤولية، وأن الأغنية الأردنية تستحق أن تصل إلى الناس وأن يكون لها مكانها بين الأغنية العربية.
إن أسرة صوت العرب للثقافة والفنون تنعى الفنان الكبير فؤاد حجازي، وتتقدم إلى عائلته وأصدقائه وأحبائه وزملائه الفنانين بأخلص مشاعر العزاء والمواساة، سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
له الرحمة والمغفرة، ولأسرته وأصدقائه وأحبائه والفنانين خالص العزاء.