د. عواد علي: صوت العرب - العراق.
تتحرك الساحة المسرحية والثقافية العراقية في فضاء مشحون بالتحولات والمنعطفات التاريخية الكبرى. وفي قلب هذا المخاض الإبداعي، يقف المخرج والكاتب والشاعر العراقي كاظم النصار علامةً فارقةُ وشاخصًا إبداعيًا لا يخطئه الوجدان الفني. إنه ليس مجرد مخرج ينسق حركة الممثلين على الخشبة، ولا هو مجرد كاتب يسطر الكلمات الساخرة على الورق؛ بل هو "مشرّح سوسيولوجي" للواقع العراقي، يستعمل الكوميديا السوداء والعمق البصري ليعيد صياغة انكسارات الإنسان وهزائمه وأحلامه المجهضة.
أخرج النصار وألّف أكثر من 14 عملًا مسرحيًا لاقت صدى واسعًا، منها مسرحية "مطر صيف" و"حياة سعيدة" (كلاهما تأليف علي عبد النبي الزيدي)، و"أحلام كارتون" (تأليف كريم شغيدل)، و"نساء في الحرب" (تأليف جواد الأسدي)، و "سينما" (تأليفه) التي وُظِف فيها أسلوب العبث.
حصد كاظم النصار، خلال مسيرته الطويلة، العديد من الجوائز المحلية والعربية، من بينها جائزة الإبداع كأفضل مخرج في العراق عام 2015. كما صدرت له مجموعة شعرية بعنوان "قبعات الأمهات ترفرف عاليًا"، ومتاب "مزيل بقع الحرب".
اليوم، وبعد عقود من العطاء المتواصل، نرى أن كاظم النصار لا يزال يحتفظ ببريق ريادته، مخرجًا مبدعًا يجدد أدواته، وكاتبًا ساخرًا يلسع بكلماته جدران الركود والزيف.
يرتبط اسم كاظم النصار في الذاكرة المسرحية العراقية بتقديم رؤية بصرية مغايرة. فالمسرح عنده فضاء حيوي تتشابك فيه الإضاءة، والموسيقى، وحركة الجسد لتخلق لغة تعبيرية موازية للكلمة، بل ومتفوقة عليها في كثير من الأحيان.
تميزت مسيرة النصار الإخراجية والكتابية بالسمات التالية:
- مسرحة الهامش: ينحاز النصار دائمًا للشخصيات المهمشة والمنسية. لا نجد الملوك أو الأبطال الأسطوريين، بل البسطاء المثقلين بالخيبات اليومية، والباحثين عن كرامته وسط ركام الحروب والأزمات.
- سينوغرافيا التقشف الذكي: يبرع النصار في تطويع السينوغرافيا وقطع الديكور البسيطة لمنحها دلالات رمزية عميقة. فكرسي متهالك أو حبل متدلٍ قد يتحول في فضاء عرضه إلى وطن بأسره، أو إلى مشنقة للآمال الطموحة.
- إدارة الممثل المبتكرة: يمتلك النصار قدرة استثنائية على استخراج طاقات تعبيرية كامنة من ممثليه، فهو لا يطلب من الممثل مجرد أداء الدور، بل يدفعه إلى معايشة الحالة الوجودية للشخصية، مما يجعل الأداء على الخشبة يبدو حرًا وتلقائيًا رغم انضباطه الشديد.
- الكتابة الساخرة: السكين المغلفة بالضحك: إلى جانب تجربته الإخراجية المتميزة، يبرز كاظم النصار كاتبًا ذي قلم لاذع. وتأتي كتاباته الساخرة (سواء المسرحية منها أو مقالاته وتدويناته الثقافية والاجتماعية في الفيسبوك) كأداة للمقاومة والتعرية. الكتابة الساخرة عنده ليست بهدف إثارة "القهقهة المجانية" أو التهريج؛ بل هي سخرية سوداء تنبع من عمق المأساة. إنه يطبق مقولة الجاحظ "شر البلية ما يضحك" في أدق تفاصيلها: تعرية النفاق الاجتماعي والفساد من خلال توجيه سهام سخريته بذكاء مفرط نحو مفاصل الخلل الإداري والسياسي والاجتماعي. وتفكيك التناقضات الصارخة في السلوك المجتمعي والسياسي بلغة مكثفة ومباشرة، تخاطب العقل قبل أن تحرك الشفاه بالابتسام.
- الشعبية النخبوية: يمتلك النصار مرونة لغوية نادرة؛ فهو يكتب بلغة يفهمها عامة الناس ويتفاعلون معها، وفي الوقت نفسه تحمل في طياتها مراجع فكرية تثير اهتمام النخبة والمثقفين.
- النقد الذاتي: لا يستثني النصار الوسط الثقافي والمسرحي نفسه من مشرط نقده الساخر، فهو ينتقد المدعين، والباحثين عن الألقاب الجوفاء، والواقعين في فخ التكرار، مما يجعل كتابته مرآة صادقة للجميع من دون تملق أو مواربة.
إن الابتكار الحقيقي لكاظم النصار لا يكمن فقط في جودة ما قدمه، بل في قدرته الفريدة على الاستمرار بنفس الزخم الإبداعي. في بيئة ثقافية غالبًا ما تحاصر المبدع بالصعوبات اللوجستية، وتراجع الدعم الحكومي، وغياب البنية التحتية للمسارح، يظل النصار ممسكًا بجمر المسرح والكتابة.
إنه لا يستسلم لمرارة الواقع، بل يتخذ من هذا الواقع المتردي مادةً خامًا لإنتاج الجمال والمعرفة. يتنقل بين الأجيال الشابة بروح الأب والمعلم والمحفز، ناقلًا خبرته للمخرجين والكتاب الجدد من دون وصاية، ومحافظًا على حيوية الشباب في عقله وفي نصوصه.
يبقى كاظم النصار رقمًا صعبًا في الثقافة العراقية والعربية المعاصرة. إنه يثبت يومًا بعد آخر أن الإبداع ليس مرحلة عمرية أو حقبة زمنية تنتهي بمرور السنوات، بل هو موقف وجودي منحاز للإنسان والجمال. وسواء وقف خلف الكواليس يوجه الممثلين تحت بريق الإضاءة المسرحية، أو جلس خلف شاشته يسطر بجرأة وسخرية تشققات الواقع، يظل كاظم النصار صوتًا دافئًا، حرًا، ومقلقًا للركود والجهل؛ يظل مخرجًا مبدعًا لم تكتمل فصول دهشته بعد، وكاتبًا ساخرًا تظل كلماتُه نافذة للضوء والوعي في عتمة الأيام.