حمد الرميحي... حين تنبض خشبة المسرح بالحب والجرأة.
2026 ,19 تموز
*حنان الصادق:صوت العرب - قطر.
في زاوية مضيئة من الذاكرة الثقافية القطرية، يقف حمد الرميحي شامخًا كأحد أعمدة المسرح، لا كمجرد مخرج ومؤلف، بل كحالمٍ جعل من الخشبة وطنًا، ومن الكلمة طائرًا يحلّق فوق قيود الصمت، ومن الضوء لغة لا تُنسى.
حين تهمس الستارة وتبدأ الحكاية، يكون حمد الرميحي هناك... لا في الصفوف الأمامية فحسب، بل في نبض كل جملة، في وجع كل شخصية، وفي صمت اللحظة التي تسبق التصفيق. هو الذي لم يكتب فقط نصوصًا، بل كتب أرواحًا، ونسج من الحروف خيوطًا تمسك بالقلب والعقل معًا.
الكتابة بمداد القلب
مسرحيات حمد الرميحي ليست مجرد عروض تمثيلية، بل محطات إنسانية تنبض بالحياة. في كل عمل، نكتشف وجع الإنسان العربي، الحالم، التائه، المحاصر بأسئلته، المتشظي بين ما يريد وما يُفرض عليه. لقد كتب الرميحي بمداد القلب، لا بالحبر، فصار النص المسرحي في يده مرايا تعكس تناقضاتنا، وأحلامنا، وخوفنا، وانكساراتنا.
جرأة لا تخشى المواجهة
في زمنٍ اختار فيه الكثيرون الصمت أو التلميح، اختار هو المواجهة. لم يكتب الرميحي ليرضي، بل ليهزّ، ليوقظ، ليفتح النوافذ في جدران العتمة. كان جريئًا... لا بالهتاف، بل بالصدق. ناقش قضايا المجتمع، نبش في المسكوت عنه، وكسر القوالب الجاهزة، فكان المسرح معه أداة تفكير قبل أن يكون وسيلة ترفيه.
إنسانية تلمس الوجدان
ما يميز الرميحي هو تلك اللمسة الإنسانية التي تغلف أعماله. لا أحد يخرج من عرض له دون أن يحمل شيئًا في قلبه: دمعة، ابتسامة، ذكرى، أو سؤال. شخصياته ليست خيالات على ورق، بل وجوه نعرفها: الأم، العامل، الطفل، العاشق، الخائف، المقاوم... وكلهم في صراع دائم بين ما هم عليه وما كان ينبغي أن يكونوا.
أرشيف من الضوء
أعماله المسرحية لم تكن مجرد عروض آنية، بل أحجار أساس في صرح المسرح القطري. لقد أضاف إلى الأرشيف المحلي إرثًا لا يُنسى، وفتح أبوابًا للمسرح القطري ليُعرف عربيًا، ويتردد صداه في المحافل الدولية. كان الرميحي سفيرًا بصمتٍ إبداعه، فعرّف بالدوحة كمركز ينبض بالفكر والفن والحرية.
عالم من الإبداع والحب والتألق
هكذا هو حمد الرميحي... لا يُمكن اختزاله في سطر ولا حتى كتاب. هو عالمٌ كامل، من الإبداع الذي لا ينضب، ومن الحب الذي يتسلل إلى تفاصيل المشهد، ومن التألق الذي لا يحتاج إلى أضواء زائفة. هو من علّمنا أن المسرح لا يُصنع بديكور فخم، بل بروح تُؤمن بما تقول، وتكتب لأنها لا تستطيع الصمت.
في زمنٍ تاه فيه الكثيرون عن خشبة المسرح، بقي حمد الرميحي صوتًا أصيلًا، ونقطة ضوء في درب الإبداع العربي... وما زالت ستارته تُفتَح على مزيد من الأمل، لأن الفن الحقيقي لا ينتهي، بل يتحوّل إلى إرث يسكننا جميعًا.
 
 * ممثلة ومخرجة.
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون