مهرجان الأردن المسرحي في دورته (30).
2025 ,02 كانون الأول
*د. عزة القصابي:صوت العرب - سلطنة عمان.
 يظلّ مهرجان الأردن المسرحي واحدًا من المهرجانات العربية القليلة التي استطاعت أن تحافظ على هويتها الثقافية والفنية؛ فهو ينهل من منظومة جمالية راسخة، تشكّل مرآةً صافية لأصالة الإنسان الأردني، وتكشف عن ملامح تراثه الممتدّ في شتى ربوعه ؛  فمن البتراء الوردية، وجرش العتيقة، والمسرح الروماني، إلى القلاع الشامخة ذات الطراز المعماري الفريد والبُعد التاريخي العميق، تتجلّى روح المكان بثرائها وعمقها الحضاري.
وقد بقيت جبال عمّان التسع شاهدة على خطوات الضيوف العرب الذين وفدوا إلى المهرجان، وهم يجوبون سهولها العامرة بالسكان، ومنازلها المتراصة التي تمتد على نحوٍ ينسج حزامًا عمرانيًا فاتنًا، يفتح أمام الزائر بوابة للتأمّل في جدلية الزمان والمكان، وفي جمالٍ خالصٍ لا يخطئه النظر.
نقّاد وكُتّاب ومخرجون وموسيقيون ومصوّرون، حلّوا ضيوفًا على الأردن لمتابعة المشهد المسرحي الذي دُشّن بلوحة بصرية مستوحاة من التراث الأردني، صيغت برؤية جمالية رفيعة، تخلّلتها لوحات أخرى تجسّد بيئة الأردن بين الماضي والحاضر.
وقد أضفى جمال الثوب الأردني الذي ارتدته النجمة عبير عيسى وبقيّة المؤدّيات على العرض مسحةً من الألق والإشراق، فيما كان صوتها دفعةً تشي بحماسٍ لمتابعة فعاليات المهرجان المقبلة. عروض مسرحية ومشاهد درامية ظلّت عالقة في الذاكرة، تدفعنا إلى متابعة العروض بشغفٍ وترقّب، وتأهّبٍ لتأمّل تلك اللوحات البصرية التي استوقفتنا برؤية تستشرف المستقبل.
واختُتِمت فقرات حفل افتتاح مهرجان الأردن المسرحي في دورته الثلاثين بتكريم الغائب الحاضر بأعماله الدرامية، الفنان الأردني الراحل أشرف طلفاح، الذي غادر الساحة الفنية بعد أن خلّف إرثًا ثريًا من العروض المسرحية والأعمال التلفزيونية الخالدة.
كما شهد المهرجان تدشين ورشٍ مسرحية متخصّصة، إضافةً إلى عقد ندوة بعنوان "التعبير الحركي في العرض المسرحي: قضايا ورؤى" في فندق جراند عمّان، حيث ناقشت الندوة محاور تتناول التعبير الحركي لدى الممثل، وقدّمت تمهيدًا تاريخيًا لبداياته، مع محاولة تفسير المفاهيم المرتبطة بالدراما الراقصة، والاستعراض الحركي التعبيري.
وتزامنت الرؤى الإخراجية في العروض المسرحية المقدَّمة، مع القضايا والتصورات التي طُرحت في الندوة، سواء ضمن إطار المسابقة أو خارجها. وانطلقت عروض المهرجان بتقديم المسرحية "خلفك منعطف تاريخي"  للمخرجة الأردنية رشا المليفي، وهو عرض تميّز بحسن استغلاله للفضاء المسرحي الممتد، عبر بناء هيكلٍ حديدي متعدد المستويات.
ظهر الممثلون داخل هذا الهيكل، وهم يتحرّكون بين حلقاته وأعمدته المتداخلة، ويؤدّون أدوارهم في مستويات متفاوتة، ما أضفى على العرض بُعدًا بصريًا ديناميًا مكثّفًا. وبين ثنايا هذا الفضاء الدرامي، ظلّ الجدل القائم بين السياسة والدين حاضرًا ومفتوحًا على احتمالات عديدة، تتيح أكثر من نهاية وتفتح بوابات التأويل على مصراعيها.
كما قُدِّمت مسرحية "الطريق والذئب" لرانيا الخلايلة من الأردن، وهي مسرحية تناقش تيمة الانتظار في اللّازمان واللّامكان، داخل عالمٍ عبثي مفتوح على التأويل البصري. يظهر على الخشبة رجلان يقفان عند شجرة، يسردان ما مرّا به من معاناة في الماضي، ثم يشرعان في التعبير عن مشاعرهما وما يعتمل داخلهما من إحساس بالغربة الذاتية، والفجوة النفسية والاجتماعية التي تفصل الإنسان عن محيطه. وتتواصل حكاياتهما في رصد عبثية الحياة التي لا تنتهي، وكأنهما يرويان وجع الإنسان في هذه البسيطة، وحيرته الوجودية الدائمة.
ومن العروض المقدّمة أيضًا في مهرجان الأردن المسرحي، مسرحية "ضوء" للمخرج السعودي أحمد الأحمري. تتناول المسرحية  حكاية شابين يعيشان معًا، يعبّران عن الخوف والقلق والوحدة التي تلاحقهما طوال زمن العرض، بينما يظلان في بحثٍ لا ينقطع عن ضوء الحقيقة وعن أحلامهما الضائعة. وتعيش الشخصيتان خلال المسرحية رحلةً عبثية، تستدعيان خلالها قصصًا من الماضي، في ظل حالة من اليأس والحيرة الناجمة عن أحداث شكّلت عمق معاناتهما.
وقد انطوى العرض على عدد من الثنائيات المتضادة: الضوء والظلام، الموت والحياة، الأمس والغد… حيث جسّدت الشخصيتان فكرة الضوء والحقيقة المفقودة. وتخلل العرض غناء باللهجة السعودية، وتفاعل الجمهور مع المؤثرات الصوتية والموسيقية المصاحبة، والتي أضفت على الرؤية الإخراجية بُعدًا جماليًا واضحًا.
قُدِّم خلال المهرجان عرض مسرحية "توحّش" للكاتب عبدالنبي زيدي، ومن إخراج المخرج الأردني محمد الجراح، الذي سعى إلى الغوص في أعماق الذات الإنسانية حين تعيش حالة من الغربة والانفصال الداخلي. يظهر في المشهد الأول زوجان يقطنان غرفتين منفصلتين يفصل بينهما حائط، ويتبادلان الحوار من خلفه حول الوباء الذي أصابهما. وقد أسهمت المؤثرات الصوتية والموسيقية في تعزيز الإحساس بحالتهما المرضية، وتكثيف شعور العزلة والاختناق.
وتمكنت السينوغرافيا البصرية في المشاهد الأولى في تأكيد إصابة الزوجين بمرض فيروسي كان سببًا في عزلهما من أجل العلاج والشفاء. ومع تقدّم الأحداث وتكشّف خيوطها، يتضح أنّ المخرج قصد من هذا البناء الدرامي تصوير حالة العزلة والانفصال الاجتماعي والنفسي بين الزوجين، على الرغم من وجودهما تحت سقف واحد، في إشارة عميقة إلى التوحّش الذي قد يطال الروح حين تنقطع عن الآخر.
وقُدِّم عرض "أكستازيا" لياسين أحجام من المغرب، في رؤية فلسفية عميقة تنبش في أغوار الذات البشرية منذ القدم. وقد وظّف أحجام عمقَ المسرح لتشكيل لوحات درامية متتابعة، تتناغم مع تطوّر الأحداث بين الزوجين، في إطارٍ استعراضي يتخلله حوار سرديّ يقدّمه الراوي، الذي سعى إلى كسر الإيهام لدى الجمهور، ليؤكد أنّ الحياة المعاصرة بكل ما تحمله من مدنية ليست سوى سلسلة من الأوهام، وأننا — كي نستطيع تجاوز عثراتها — نحتاج إلى “أكستازيا” رمزية تمكّننا من احتمال الواقع.
امتاز العرض برؤى فلسفية وجمالية مكثّفة، تجاوزت حدود الحياة الاجتماعية لتغوص في الذات الموجوعة، كما أسقط أحداثه على قصة آدم وحواء، وكيف استطاعت حواء — وفق القراءة الدرامية — أن تُخرج آدم من الجنة، في مقاربة رمزية لعلاقة الإنسان بالمحظور والرغبة والمعرفة.
وقد أسهمت النقلات السريعة في تطوّر الأحداث والشخصيات ورفع إيقاع العرض، فبدت الخطوط الدرامية تسير في مسارات متوازية، بينما كان الراوي يظهر بين الحين والآخر ليذكّرنا بأن ما يدور على الخشبة ليس إلا حلمًا عبثيًا عاشه فنان مبدع، أراد أن يحوّل الوجع الإنساني إلى لغة مسرحية حافلة بالدهشة.
شاركت دولة العراق في المهرجان بعرض مسرحية "اليوم الآخر" من إخراج مرتضى علي، وهو عرض استعراضي صامت يقوم على التعبير الحركي والموسيقى بوصفهما اللغة الأساسية للعرض. وقد استلهم المخرج عمله من رائعة أنطون تشيخوف "الشقيقات الثلاث"، ليعيد معالجتها بأسلوب راقص يتخلله عدد من الإسقاطات العصرية؛ من بينها تداخل مفهوم الجندر بين الذكر والأنثى، وطرح فرضية البقاء رغم الإحباطات وقسوة الحياة.
اعتمد العرض بشكل رئيس على الأداء التمثيلي الراقص، مستخدمًا طرقات الأقدام وحركة الأيدي لرفع الإيقاع وتعميق التوتر الدرامي. وبرغم هيمنة الطابع الاستعراضي، فقد اتّسمت الحركة الأدائية فيه بدرجة عالية من السيمترية والتماثل الأفقي، ما منح العرض جماليات خاصة، وصاغ فرجة مسرحية تجمع بين الدقة الإيقاعية والبراعة الإبداعية.
كما قدم في  المهرجان عرض "عطيل وبعد" للكاتب حمادي الوهايبي من تونس، وهو تجربة كولاج مسرحي سعى  إلى تقديم رؤية جديدة على هامش مسرحية شكسبير الشهيرة "عطيل". اعتمد العرض على التمثيل الأدائي، وأظهر طاقة إيجابية للممثلين، متجاوزًا حدود الأدوار الطويلة والحوار اللحظي، إذ ظهرت  أم عطيل من  وسط صالة المشاهدين، إضافة إلى عازف الجيتار الذي رافق الأحداث طوال العرض، متناسقًا مع الروية الجمالية للمسرحية.
ومن الكويت، شارك عرض "مخلب القرد" المستوحى من رائعة الكاتب الإنجليزي دبليو جاكويس، والذي قدّم في حلقة دائرية وسط المسرح، تتحرك وفق تسلسل الاحداث الدرامية، لتطل الشخصيات على الجمهور لتروي أحداث أسرة وايت التي اشترت مخلبا  من الهند. كان المخلب رمزًا للسحر والخزعبلات، ونذير شؤم!...وظلت الأسرة تطارده  الأسرة منذ لحظة دخوله، كما أنه ارتبط بالأمنيات، منها دفع الديون المتراكمة على الأسرة، لتتحقق أمنيتهم جزئيًا بعد تلقي رسالة البنك، قبل أن تأتي الفاجعة بموت ابنهم، ما جعل الأحداث درامية قريبًا من السينما، لكنها قُدِّمت برؤية مسرحية، مدعومة بأداء الممثلين وأزيائهم التي تناسب الحقبة الزمنية للأسرة الإنجليزية.
وكان للمسرح الأردني حضور آخر، حيث قدم المخرج عمر الضمور عرض "مكسور"، مستغلًا الفضاء المسرحي الممتد من أسفل المسرح إلى أعلاه لتجسيد معاناة الشخصيات وسبر أغوارها الخفية بصورة خيالية وفلسفية. غلب على العرض الحركات الاستعراضية، وتميز الممثلون بخفة الأداء التعبيري والمحافظة على جماليات السينوغرافيا في الفضاء المسرحي.
أما سلطنة عُمان، فقد شاركت من خلال مسرحية "أسطورة شجرة اللبان" للمخرج يوسف البلوشي، التي نقل أجواء محافظة ظفار في جنوب سلطنة عمان، احتفاءً بالموروث الشعبي العماني. تناول العرض مفردات المعتقدات، الأسطورة والخرافة، وجعل من أسطورة شجرة اللبان محورًا رئيسًا، حيث روت قصة الجنية التي أحبّت الإنسان الفطري، فصادرتها قبيلتها من الجن، وحاربتها حتى تحولت لشجرة لبان، وهي الشجرة الشهيرة في محافظة ظفار. وقد نجح البلوشي في خلق سينوغرافيا جمالية غرائبية، أضفت على العرض دهشةً طقسية، مع أهازيج عمانية استعراضية، وأزياء ومكياج متقن بطريقة غرائبية، مدعومة بالموسيقى والمؤثرات الصوتية والبصرية، لتُشكل تجربة متكاملة تعكس الأصالة والخيال الفني.
بشكل عام، مثّل مهرجان الأردن المسرحي رؤية جديدة في المشهد المسرحي العربي، من خلال اختيار موضوعات مبتكرة للعروض المشاركة، التي تنافست لتقديم رؤية بصرية استعراضية، جعلت لغة الفنون البصرية العنوان الأبرز للمهرجان، مع تعزيز التفاعل بين الأداء التمثيلي والموسيقى وجماليات  السينوغرافيا والمؤثرات الصوتية والبصرية.
*ناقدة فنية – سلطنة عمان 
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون