قبلة الحياة بالذكاء الاصطناعي...حين تختنق الفكرة قبل أن تولد.
2025 ,22 تشرين الأول
*فاطمة عبدالله:صوت العرب - جزر القمر.
تولَد الفكرة عند الفنان كما يتولّد النَّفَس الأول في الرئتين: دخول قاطع، مفاجئ، غير قابل للتجاهل. هي ليست ترفًا ولا زيارة عابرة للإلهام، بل شهيقٌ وجودي. غير أنّ دورة الحياة الإبداعية تتطلّب شهيقًا وزفيرًا معًا؛ فإذا مُنع الزفير تشكَّل الاختناق، وإذا تعذّر التجسيد تراكم الاحتباس. وهكذا يصبح الفن ليس نورًا يتدفّق، بل ثِقلاً يتكدّس.
الفنان لا يعاني من فقر الأفكار،
بل من تكدّس الأفكار التي لم يُسمَح لها بالخروج.
وحين تُحتجز الفكرة في الداخل، لا تموت… بل تتحول إلى عبء.
تتراكم حتى يصبح العقل غرفة مكتظة لا يدخلها ضوء جديد،
وتتحول الروح إلى جهاز تنفس صناعي:
الجسد حاضر في الحياة،
لكن الوجود الحقيقي مؤجَّل.
ولهذا فإن تراجع دعم الفنون ليس أزمة تقنية أو إنتاجية، بل أزمة تنفّس حضاري:
المسألة ليست نقص المال، بل نقص المساحة التي تسمح للفكرة بأن تحصل على جسد بدل أن تبقى ظلًّا في الرأس.
ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحوّلًا مهمًا:
منصات التواصل والذكاء الاصطناعي منحت الفنان رئة رقمية؛ منفذًا أوليًا يسمح بالزفير ولو على شكل أوّلي. صار بالإمكان تحرير الفكرة من سجنها ولو جزئيًا، كي تنجو الروح من الاختناق.
لكن قبل بلوغ هذا التحوّل، كان الطريق مسدودًا على مستوى شخصي أيضًا:
كنتُ أحمل أفكاري لسنوات دون منفذ. لا تمتلك روح الفنان رفاهية النسيان؛ فالفكرة التي لا تخرج لا ترحل، بل تبقى كغيمة ثقيلة تحجب وصول غيرها. ومع الوقت، لم يعد الأمر شعورًا بالقلق، بل انسدادًا داخليًا كاملًا، كأن الطريق بين الخيال والعالم قد أُغلق بالإحكام.
لم يكن الخوف هو المشكلة،
بل احتباس الضوء.
وعندما بدأت أحوّل بعض تلك الأفكار إلى لوحات بصرية عبر الذكاء الاصطناعي، كان ذلك بمثابة أول زفير حقيقي بعد سنوات من الشهيق المتراكم. لم تكن اللوحة عملاً نهائيًا، لكنها كانت نافذة الهواء الأولى. لحظة تحرّر داخلية أكدت لي أن الفكرة عندما تجد جسدًا — ولو رمزيًا — تتوقف عن خنق صاحبها. ومن هنا بدأ تحولي نحو تطوير أدواتي التقنية، لأعبر من الصورة إلى المَشهد… ومن المشهد إلى الفيلم… ومن الفكرة إلى الوجود.
لكن — وهنا جوهر الأزمة —
هذه “الرئة الإضافية” ليست بديلًا عن الحياة الطبيعية للفن. إنها إنقاذ… لا ولادة مكتملة. وما لم تنشأ بيئات إنتاج حقيقية، ستبقى الأفكار تتنفس اصطناعيًا بدل أن تعيش بكامل رئتيها.
وهنا يظهر الخطر الحضاري الحقيقي:
المجتمع الذي يختنق فيه الفن،
لا يختنق فيه الفنان وحده…
بل تختنق روحه الجماعية.
الأمم لا تموت حين تخسر اقتصادًا أو معركة،
بل حين تفقد قدرتها على تخيّل ذاتها.
فحين تُمنع الفكرة من الميلاد،
فإن أول من يموت ليس الفنان…
بل المستقبل الذي كان يمكن أن يولد بها.
*كاتبة ومخرجة سينمائية
 
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون