فرقة الرؤية تعاكس المهرجانات بالورش ..
2025 ,28 أيلول
يوسف الحمدان :صوت العرب - البحرين.
نحن لا نشارك المشهد، نحن نصنع الرؤية..
شعار استثنائي مستقبلي استشرافي راء يختزل توجه فرقة الرؤية المسرحية في ظفار سلطنة عمان المغاير ، ويضعنا أمام تحديات تخوضها وتتصدى لها الفرقة راهنا ومستقبلا من خلال فرقتها المسرحية الفتية اليافعة في ربوع السلطنة وخارجها ، وأول التحديات وليس آخرها إطلاقها ( أسبوع الرؤية الثقافي المسرحي الأول ) والذي نظمته تحت إشراف وزارة الثقافة والرياضة والشباب، وبالتعاون مع الجمعية العُمانية للمسرح .
في هذا الأسبوع عاكست فرقة الرؤية المسرحية النظم المعتادة للمهرجانات المسرحية والتي تضع الأولوية للعروض المسرحية وما يليها من فعاليات أخرى تأتي على هامش هذه الأولويات ، وكما لو أن هذه الفرقة تدرك مسبقا أهمية وأولوية الأدوار الحقيقية التي من شأنها أن تصنع المشهد والرؤية في آن قبل العروض المسرحية ، وهي التفاتة واعية للدور الذي ينبغي أن تضطلع به الفرقة لتأسيس الوعي المسرحي قبل الشروع في إطلاق العروض المسرحية ، وهذا ما ذهبت إليه فرقة الرؤية بتحد وإصرار نابع من أولوية التكوين المختبري في المسرح قبل ما عداه وما يليه . 
من هذا المنطلق وفي هذا الأسبوع ، أصبحت العروض المسرحية ضيفا على مهرجان الورش المسرحية في هذا الأسبوع الذي احتوى أغلب فضاءات مجمع السلطان قابوس الثقافي على مدى أسبوع متواصل يعج  بالطاقات المسرحية الشابة التي فاقت المائة والثمانين مشاركا ، وهي أعلى نسبة مشاركة في سلطنة عمان كلها في مثل هذه الورش ، بل والمشروع الورشي الأول فيها الذي يغاير اعتيادية المهرجانات المسرحية في سلطنة عمان بل وفي دول الخليج العربي كلها ، وهذا في حد ذاته مؤشر مهم على إمكانية استمرار مثل هذه الورش مستقبلا متى ما توفرت لها سبل وإمكانات الدعم والتمويل من قبل الجهات المعنية بالسلطنة ، بل أن سعي وتفكير فرقة الرؤية في وضع الأولوية للتأطير والتكوين المسرحي قبل مهرجان العروض المسرحية ، لهو دليل قاطع على ذهاب الفرقة وسعيها الدؤوب لتطوير الحراك المسرحي في السلطنة ، وتحديد بل وتحديث آليات العمل في مختلف الفنون المسرحية بحيث ينعكس ذلك خلقا وإبداعا على كافة أنواع الفنون المسرحية التي تتآزر وتنسجم مع الرؤى والاتجاهات الإبداعية الجديدة في المسرح . 
في هذا الأسبوع كانت طاقات المسرح الشابة في سلطنة عمان تقبل بنهم وعشق على هذه الورش ، لتتلقى مختلف الخبرات والرؤى المسرحية التي شغل تأطيرها خبراء مسرحيون من مختلف السلطنة ودول الوطن العربي والعالم وذلك على مدى ستة ساعات يوميا ، يشغل ما تبقى بعدها لمشاهدة أهم عروض فرقة الرؤية المسرحية والتي لم تكن لها أولوية على الإطلاق على هذه الورش المسرحية . 
إن فرقة الرؤية تعتبر واحدة من الفرق الخليجية التي تذهب إلى التجريب واختبار التجربة في كافة عروضها المسرحية ، كما تعتبر عروضها رهنا بالاشتغال المختبري ، لذا هم يسعون وبشكل دائب على تطوير التجربة المسرحية ومراجعتها باستمرار .
وكانت الورش المسرحية التي استضافها أسبوع الرؤية تلامس احتياجات شبابنا المسرحيين الملحة لها ، وقد شملت هذه الورش الإخراج المسرحي ، الكوميديا البصرية ، إعداد الممثل ، إدارة الفعاليات المسرحية من الفكرة إلى العرض المسرحي ، الماكياج المسرحي ، السينوغرافيا ، الكتابة المسرحية ، وقد تخيلت حينها وأنا أتنقل بين فضاءات الورش في مجمع قابوس الثقافي ، بأنني في أكاديمية مسرحية تلقيت خلالها ما يستجد علي من تجارب ورؤى مسرحية ، باختصار كان المجمع خلية نحل تسخي علينا بجميل نتاجها المتميز ، وتعتبر ورشة الممثل والمخرج المسرحي الإيطالي باولو أفاتانيو في الكوميديا البصرية واحدة من الورش التي ارتكزت على الارتجال المسرحي المحفز على الخلق المسرحي وخاصة في حقل الكوميديا الواسع ، فباولو طرق المسرح من خلال الكباريه واختار الكوميديا طريقا يؤسس على ضوئها تجربته ومخبره الارتجالي فيها ، وقد وجد الحركة أهم من اللغة المنطوقة ، وبإمكان المؤدي أن يجعل من هذه الحركة لغة تعبيرية تعجز عن أدائها اللغة المنطوقة ، ورأى أن التعبير الحركي هو الأصل والروح في المسرح ، وقد قدم مختبرات كثيرة في الارتجال في مختلف بلدان أوروبا ، وبعض بلدان أفريقيا وفي إيران وصربيا والنرويج ، ويقدم عروضه في الغالب في الشوارع العامة والساحات والميادين ، وهو غالبا ما يستضيء بتجربته بالكوميديا ديلارتي ويحاول أن يتمثل شخوصها .
رافقت هذه الورش أيضا ندوات مسرحية ، كان لي نصيب المشاركة فيها بورقة بحثية حول ( الشخصية المسرحية .. أبعاد ورؤى )، كما شاركت في المقهى المسرحي الذي جمعني بصديق العمر الظفاري الأصيل ومؤسس المسرح في صلالة الفنان القدير والمتعدد الاهتمامات الفنية محمد المردوف الذي أضاءني مثلما أضاء حضور المقهى بتجربته المسرحية الثرة التي أغنت التجربة المسرحية في صلالة كلها ، بجانب الفنان والإعلامي المسرحي الذي أضاء مشهد الرؤية في هذا المقهى بجميل تدخلاته الثرية الواعية بكل تفاصيل ودهاليز المسرح في الخليج والوطن العربي ، الدكتور الفنان أحمد العثمان . 
إن هذا الزخم الورشي المسرحي الثقافي المؤسس والفاعل والخلاق أدارته نخبة مسرحية شابة آمنت بالمسرح سبيلا للتطوير والخلق والإبداع في سلطنة عمان والخليج العربي وفي أوطاننا العربية ، نخبة سخرت جل طاقاتها وممكناتها من أجل صناعة الرؤية في المشهد المسرحي ، نخبة حصدت جوائز في السلطنة والخليج العربي وعلى الصعيد الدولي ، نخبة لا يتجاوز عددها عدد الأصابع الخمس ، وتتمثل هذه النخبة في رئيسها المخرج والسينوغرافي الشاب الفنان عدي الشنفري وفي الدينامو الإداري الشغوف الفنانة عزة القاسمي وكبير الفرقة الفنان القدير عبدالله مرعي الحاني والسخي بتجربته الطويلة في المسرح ممثلا مميزا حصد جوائز وشهادات تقدير كثيرة نظرا لتميزه في حقله الأدائي المميز ، وكان شباب الفرقة عونا لهم في كل سانحة .
إنها فرقة قامت بأدوار مهمة في هذا الأسبوع وكما لو أنها تضطلع بمهام هيئة أو وزارة للثقافة ، فقد كان شباب الفرقة دليلا رائعا لضيوف الأسبوع ، حيث جعلوا من ظفار وصلالة بيئة للتمسرح بالنسبة لهؤلاء الضيوف ، وكل فضاء فيها يفتح المخيلة على آخر مدياتها ، فكل الفضاءت تتملك قابلية التمسرح من ساحات واسعة وجبال وواحات وأسواق وسواحل وفضاءات تراثية وأثرية ، فما أجمل وما أبدع من أن تعيش المسرح وتحياه مع من يحيا ويعشق المسرح إيمانا وكتابة وممارسة وروحا ، لذلك ليس بمستغرب أو مستبعد على ذرى الثقافة في ظفار صلالة أن تنتج وعيا مسرحيا ثقافيا مميزا وخلاقا . 
وهنا لا يفوتني أن أحيي كل الجهود التي اضطلعت بها وزارة الثقافة والشباب والرياضة ممثلة في وزيرها صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد الذي يضع المسرح نصب عينيه وأول أولوياته ومديرها العام السيد موسى القصابي وجمعية المسرحيين العمانيين ممثلة في رئيسها المخرج الفنان الدكتور عماد الشنفري ومحافظ بلدية ظفار سعادة الدكتور أحمد الغساني الذي قدم جميل اهتمامه بهذه الفعالية الثقافية التي نظمتها فرقة الرؤية المسرحية .
شكرا لرفقاء الأسبوع ، الكاتب والمخرج القطري حمد الرميحي ،والمخرج التونسي صفوان كشغاط ، والممثل والمخرج الإيطالي بولو أفاتانيو .
هي الرؤية إذن حيث تتصدر البصيرة فيها البصر ، والشغف الحلم ، والمستقبل الراهن .. فمزيدا من الخلق والإبداع أصدقائي الرائعين في هذه الفرقة الرائية ..
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون