2025 ,05 آب

الفنان زياد الرحباني.
وسام كنعان:صوت العرب -دمشق.
لعلّ قدر زياد الرحباني (1956/2025) بألا يكون مجرد وريث لعائلة الرحابنة، مثله مثل أي من أولاد عمّه. فقد أعلن تمرّده باكرًا على الامتداد التقليدي الذي كان يعتبره مجرد مصادفة! وقرر أن يكون كما عهده الجميع لاحقًا، خارج كل حدود الرتابة، مطلقًا نفحة التمرّد الأوّل حين خاطب الله في كتابه «صديقي الله». ومع ذلك، كان خير من ورث الموسيقى من عائلته، فأعاد توليف هذه التركة الغنية بطريقته المتفردة، وأضاف بصمته التي تشبهه دونًا عن غيره، لينتزع اعتراف الجميع، بما فيهم فيروز التي تمّنت مرّة لو أنها غنّت كل ألحانه!
ربما يكون أسهل ما في المرثيات الصحافية هو حالة البحث عن اللحظات التأسيسية الأولى وتقفي أثر المشاريع الأولية، ومن ثم التعريج المنطقي على التصاعد واللحظة الفارقة التي صنعت التاريخ مثلاً، ومن ثم المرور على المطارح المضيئة والمظلمة في آن معًا لحين الوصول إلى الموت! دون نسيان إظهار العواطف الصادقة في حضرة الرحيل الأخير! لكن كيف يمكن الكتابة بشكل كلاسيكي عن رجل لم يشبه أحدًا طيلة حياته؟ حتى عندما قرر الرحيل، وافق على التقاط صورة مع أحد أفراد طاقمه الطبي ومهرها بابتسامة ساطعة لتكون آخر أفعاله بمثابة «صدقة» في زمن كالح يسطو على المنطقة.
إذاً، مات زياد الرحباني! لكن تعالوا نتخيّل كيف استعد الموت لمواجهته؟ لعلّه أخذ حصّة وافرة من الراحة ثم قصد مكان خصمه. وفي الطريق، أخفى أدوات حيلته ودهائه حتى لا يكتشف أمره. وعندما وصل إلى مكان إقامة ندّه، علّق في مكان مُعتم ميدالية مفاتيحه الثقيلة. كان قد أجّل سلسلة مواعيده الطويلة، وتباهى في أحاديث الأمس أمام رفاقه بقوّته التي تتفوق على الطب وتدوّخ العلم. كان يأمل أن يكون ساطعًا بمنتهى الوضوح، قوياً بحجم فجيعة. لكنّه، حقيقةً، دائماً ما يأتي خاوياً كملمس النعش، بارداً كثلّاجة الموتى، رغم أنّه كان قد تعطّر ولبس الأناقة مثل ثوب. حضر بضعة مسرحيات وسمع الأغنيات وقرأ الكثير من المقالات. فقد عرف أنّه سيلاقي ندًّا قويًّا. لكنه فجأة وجد نفسه ينهار عند بوابة المشفى. لذا، استعار كل خبثه، وجلس ينتظره على العتبة حتى نام. وبلحظة واحدة، انقضّ عليه مثل قبيلة ذئاب هجينة، حتى لو انتصرت لا تعرف كيف تواجه فريستها وجهًا لوجه! إنّه الموت إذن، وهو يستعد ليلاقي زياد الرحباني. يومه لم يكن كباقي أيامه؛ فقد قبض على رجل أجمع على موهبته الكل حتى من يعترضون على آرائه السياسية!
منذ تلك اللحظة، كان على نصف جيل وصل إلى منتصف الأربعينات من عمره، وخاصة المعنيين بالثقافة والفن، أن يستعيد ذكرياته، وأن تلمع في عينيه الأحلام الأولى التي كان زياد حاضراً فيها حتمًا. الموسيقى والمسرح والحلم بأن يحضر زياد الرحباني يومًا البروفات، أو يكون شريك عمل، أو يتبرع لإنتاج مشروع أو المساهمة فيه. تلك كانت أحلام جيل كامل. حتى من حالفه الحظ وسلك درب الفن بطريقة أكاديمية، ظلّ لزياد في وجدانه مساحة مختلفة عن غيره. هكذا كان الزحف واجبًا نحو قلعة دمشق لحضور حفلاته عندما كانت دمشق عاصمة للثقافة سنة 2008. لاحقًا وبمصادفة تخصّ كاتب هذه السطور أُتيح لي العمل مع الرحباني في نفس الجريدة. وبدأت تختفي الجمل وتتلاشى المفردات كلما التقيت فيه مصادفة في المصعد أو المدخل أو الكافتيريا. لم يكن الرجل سهلاً أو اجتماعيًا بما يكفي لأن تفتتح معه حديثًا عابرًا، وكان الهاجس دوماً: ماذا يمكن أن تقول في حضرة مرجعية الكوميديا والبديهة الحاضرة؟ كيف لا يمكن أن يصبح القول هزيلاً مهما كانت سويّته وأنت تخاطب زياد الرحباني شخصيًا وعلى مقربة بالغة منه؟ هذه كانت العثرة التي رافقت الكثير من الزملاء الذين لم يجدوا صيغة مثالية للتواصل الإنساني والحياتي كما كانوا يفعلون مع أنسي الحاج مثلاً، الرجل المرهف الذي تسبقه دماثته وبراعته الاجتماعية وقدرته الفائقة على مد جسور الثقة والتواصل المريح مع الجميع منذ اللحظات الأولى.
الهاجس ذاك خلق علاقة مربكة مع زياد الرحباني عن قرب، خلافًا للتاريخ العامر مع فنّه ومسرحياته وأعماله. وحدهم عمال المهن البسيطة، كموظفي الاستقبال والأمن والنظافة، من تخلّصوا من هذا العبء، وكان من السهل جدًا عليهم صوغ أحاديث غير متكلفة، لا ينتظرون منها تقييمًا نقديًا ولا يخشون سوية متهاوية وهم في حضرة الرحباني! فكانوا فعليًا الأكثر قربًا منه والأقدر على صوغ سرديات حياتية موغلة في العفوية والصدق.
وفق تلك المعادلة، كانت السيدة الجنوبية ندى أم علي، المسؤولة عن إعداد طبق يومي لمن يود من موظفي الجريدة، هي الأكثر تفاعلاً مع زياد الرحباني. كان ينسى نفسه تمامًا وهو يحدثها. تروي له أشياء اعتيادية بينما يخاطبها بنفس الطريقة والمنطق. وتمر الأوقات، وهي محاطة بنظرات الحسد من كل طاقم الجريدة، كيف استطاعت هذه السيدة البسيطة من خطف انتباه الرجل العبقري. الجواب ظلّ حكراً على أم علي التي كانت تتسلح بصدقها المعتاد وعدم اكتراثها بأهمية محدّثها، فتتحدث معه دون تردد عن كل ما يخطر في بالها.
كان هو ما يبحث عنه تمامًا: حديث مرتجل غير متكلف، بعيد عن أعباء الفن وأغلال السياسة والتحزبات. لا يطلب فيه صوغ كوميديا ولا يرتجى منه شيء، فإذا به يستحيل متعة خالصة ليس فقط لطرفيه، بل لكل من صادف وجوده في الكافتيريا يراقب بنهم أبرع حديث لزياد الرحباني مع موظفة بسيطة.
لعلّها المواصفات التي يحتاجها عبقري مثل زياد الرحباني لصوغ علاقة إنسانية متماسكة معه. أن تنسى من هو وتُنحي قيمته وتاريخه، وتخاطبه ببساطة كمن التقت فيه لتوّها دون أن تعرفه، فتعيده لما يشتهي ويتمناه من محدّثيه. وتلك المهمة المستحيلة على من يعرف قيمة فنه ووزن حضوره، لذا لن يكون فك الشيفرة متاحًا إلا لأم علي وأمثالها من البسطاء الصادقين!